المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر محمد الحسن منجد / حياته / شعره


عبدالسلام زريق
01-27-2011, 05:05 PM
- الشاعر محمد الحسن منجد من مواليد حماة 27-12-1935
- خريج دار المعلمين بحمص 1968
- عضو إتحاد الكتاب العرب 1975
- من أساتذته الشيخ المرحوم محمد الحامد والأستاذ الباحث
عبد الرزاق الأصفر وهما من علماء حماة الكبار
- قرأ العروض على يد الشاعر المرحوم محمد عالي الحمراء
المعروف ب (علي دُمَّر)
- معروف في الصحافة الأدبية ب ( الشاعر البركاني )
لجهارة صوته وطبيعة شعره القوي الجزل
- آثاره المطبوعة ....
- صراخ الجحيم 1975 ..... (29) قصيدة
- نداء الرميم 1998 ........ ( 23) قصيدة
- رماد الهشيم 1999 ....... (37) قصيدة
- جراح الصميم 2001 ..... (53) قصيدة
- سهر الشوق 2009 ....... (53) قصيدة
- عنده الكثير من القصائد التي لم تطبع بعد
- لبدايته مع الشعر قصة طريفة أحب أن أسردها هنا ..
عام 1948 كان طالباً في المرحلة الإبتدائية
أستاذه في اللغة العربية وأثناء نكبة فلسطين
طلب موضوعاً إنشائياً عن وعد بلفور المشؤوم
فكتب الطالب الذي كان يحفظ أكثر القرآن الكريم


أرض العروبة يستبيح ذمارها =قومٌ تَخَطوا حرمةَ الأديانِ
جاؤوا إلى الأقصى ذئاباً كلهم =لا يعرفون كرامة الإنسان
جعلوا النذالة والجهالة مهنةً =بالقتل والتشريد والعصيان
وتجاهلوا أن العروبة أمةٌ =أودتْ بعرش الفرس والرومان
شدَّتْ ركاب المجد بل سارتْ بها =وتسلَّحتْ بالحقِّ والإحسان
ومشتْ إلى مهد الرسول وأرضه =لتعيد فيه شعائر الإيمانِ
...............=...............
...............=...............
...............=...............
سُحقاً بني صهيون إنَّ لنا هنا =بيتاً أقيمَ بعزة الرحمن


(هذا ما يحفظه الشاعر منها )
صباح اليوم التالي ....
الأستاذ .. من محمد الحسن منجد ؟
الطالب .. بخوف أنا
الأستاذ .. من كتبَ هذا ؟؟
الطالب .. والله أنا
الأستاذ .. أنت كاذب .. أتستطيع أن تضيف
إلى موضوعك شيئاً ؟؟
الطالب .. نعم
كان الموضوع قصيدةً من 7-8 أبيات أضاف له الشاعر
بعدد أبياتها تقريباً لتكتمل القصيدة إلى خمسة عشر بيتاً
وهو في المدرسة ... كانت قصيدةً متكاملةً عروضاً
ولغةً ومعنى واجتمع الأساتذة ليهنئوا أنفسهم بولادة شاعرهم
الصغير ..
- رأي في الشاعر..
الشاعر من طبقة الكبار تربطني به علاقة رائعة ..
يتنفس شعراً ..أرى أن شاعريته ترقى إلى شاعرية
عمالقة شعراء سوريا في القرن العشرين (عمر أبو ريشة -
نزار قباني - بدوي الجبل ) عاش حياةً بائسة وما يزال
ولم يرتقِ إلى درجة معاصريه المذكورين لسببين ..
1 - حالة العوز التي يعيشها والتي جعلته لا يغادر
مجتمع حماة الضيق شأنه شأن معاصريه
2 - إحباطه الذي رافقه من أول أيام عمره فجعله
يزهد بكل شيء حتى بعشقه الأبدي (الشعر)
حتى أنه لم يطبع نتاجه إلا في السنوات
الأخيرة
- أخيراً سأضيف للقراء في هذه الصفحة تباعاً كل
أشعار أستاذي الكبير ولهم أن يحكموا على هذا
الصوت الشعري الفذ

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 05:51 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (1)



أعراسُ تشرين


أصغتْ إليكِ العُلى واختاركِ القدرُ=ورفَّ في ساحتيكِ النصرُ والظفرُ

وأزهرَ الحلْمُ في عينيكِ وائتلفتْ=على مُحيَّاكِ في ساحِ الوغى السورُ

وخاطبتكِ الأماني البيضُ راقصةً=بين الجوانحِ سَكرى نفحُها عَطِرُ

يا أمَّةً في سماءِ المجدِ ما برحتْ=كالشمسِ في أفْقِ هذا الكونِ تزدهرُ

كم قارعتكِ الليالي السود مُزجيةً=جيشَ الظلامِ وعند الفجرِ يندحرُ

وعشتِ في فلكِ التاريخِ سيدةً=لا تنطفي الشمسُ مهما طالتِ العُصُرُ

* * = * *
هذي سراياكِ فوقَ الماءِ عابرةً=بجُنحِ داجٍ إلى سيناء تنحدرُ

جلَّتْ عن الوصفِ فالأجواءُ راعدةٌ=والأرضُ هادرةٌ والماءُ مستعرُ

بحرٌ يموجُ من الفولاذِ يحمله=بحرٌ من الدمِ والأشلاءِ تنتشرُ

فلا ترى العينُ إلا الزاحفينَ إلى=دكِّ الحصونِ وما في الساحِ مستترُ

تحدو مسيرتهم في الشامِ أغنيةٌ=بشراك بالنصر جند الحق قد نفروا

من كلِّ أسمر يغلي الثأرُ في دمه=يوري الجحيم ومن أحداقه الشررُ

علا بروجَ دروع الزحف فاقتحمتْ=به المنون وفرَّ الموت يعتذرُ

لم يثنهم عن لقاء الله ذو حذرٍ=الله أكبر مات الموتُ والحذرُ

* * = * *
ولاح في الأفْقِ نصر الله وارتسمتْ =على جبين العلى آياته الغررُ

فكبَّر المسجد المحزون وانتفضتْ =أستار منبره واهتزت الجُدُرُ

وهلَّلتْ صخرة المعراج حاليةً =وأشرق المهدُ فالظلماء تنتحرُ

فديتُ " تشرين " يذكي الثأر في دمنا =فديتُ " تشرين " لا يبقي ولا يذَرُ

فديتُ " تشرين " أعراساً نزفُّ بها =روح الشهيد بثوبِ النصرِ تأتزرُ

فديتُ " تشرين " سيلاً عارماً ولظىً=ووحدةً وجسوراً فوقها عبروا

ورايةً في ذُرا الجولان خافقةً=ورايةً في حمى سيناء تنتشرُ

* * = * *
نفضتُ عن مقلتيَّ الوهم فائتلقتْ=في شهر تشرين من سفرٍ مضى صورُ

ورحتُ أشهد جيش الحق مندفعاً=ودولةَ الرومِ في " اليرموك " تندحرُ

وجند كسرى على الأسوار يحصدهمْ=سيفٌ بأمر رسولِ الله يأتمرُ

فاخضوضرتْ واحةُ الآلامِ وانتعشتْ=وازهوهرتْ تربةُ الآمالِ والشجرُ

ورجَّعتْ في رياض القدس صادحةٌ=وردَّد الناي لحن الأمسِ والوترُ

كأنما دارت الأيام دورتها=وعاد للدار ذاك الأنس والسمرُ

* * = * *
لكنني ودم الأبرار يهتف بي=يا شاعراً من كرومِ المجدِ يعتصرُ

سدَّتْ ينابيع أنهاري وما رويتْ=مساكب الفل لكن أينع الخطرُ

إني جريتُ لأروي الثأر وا أسفي=إن ضمَّكم وعدو الله مؤتمرُ

أقولُ والدمع من عيني منسكبٌ=وفي الجوانحِ قلبٌ كاد ينفطرُ

الله أكبرُ لم تغمدْ صوارُمنا=الله أكبرُ لا عجزٌ ولا خَوَرُ

حتى نسطِّر للتاريخ ملحمةً=من عهد آدم لم يسمع بها بشرُ

حروفها من دماءِ الخالدين على=مرِّ العصورِ ومن أكبادهم صورُ

الواهبين فما ضنُّوا بأنفسهم=على الحتوفِ وهم في شعبِنا كُثُرُ

والمانعينَ فما جادوا بعزَّتهم=على الدخيلِ وما هانوا ولا صغروا

تأرَّجَ الكونُ من أنفاسِهم وعلى=مدارجِ النصرِ ماجَ العطرُ والزَّهَرُ

ونضَّرتها على حبٍّ مقابرُهم=فكلِّ حبةِ رملٍ ريحُها عطرُ

* * = * *
يا حاملينَ لواءَ السلمِ لا سلِمتْ = يدٌ تُمَدُّ وخلفَ السهلِ منحَدرُ

تيقَّظوا واستعِدوا إنَّ شانئكمْ=يغريكُمُ بالوعودِ الخضرِ فاعتبِروا

لا تركنوا خلفَ أسوارٍ مؤرّقةٍ=والخصمُ دونَكُمُ كالنَّارِ يستعِرُ

تقاذفتْه يدُ الأهواءِ من هلعٍ=والخطبُ مزدحمٌ والجوُّ معتكِرُ

فاستلَّ تحت جناحِ الليلِ خنجرَهُ=واليأسُ يدفعُه والجبنُ والحذرُ

وانسابَ كالصِّلِّ مذعوراً وفي دمهِ=سمٌّ وخلف جدار الزَّيفِ يستترُ

وراحَ يطلبُ صلحاً في مساومةٍ=يندى لها خجلاً يا أمتي الحجرُ

كأنَّ " تشرينَ " لم يكتبْ ملاحمَه=شعبٌ أبيٌّ عريقُ المجدِ مختَبرُ

كأنَّ " تشرينَ " حلْمٌ ضاعَ آخرهُ=وباتَ تأويله كالحقِّ يحتضرُ

* * = * *
" كلا " سنكتبُها بالسيفِ من دمنِا=على ضريحِ شهيدٍ تربه عطِرُ

ونعقدُ الغارَ إكليلاً لأمتنا=غداةَ يرقصُ في آفاقِها القمرُ

فليس كالسيف تأويلاً لما حلمتْ=به العروبة إمَّا استفحلَ الخطرُ



حماة 24/12/1973

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 05:56 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (2)




تشرينُ نصرٌ أحمر




مشتِ العصورُ على هُداكَ تبخترُ=فالأرضُ ريَّا والفضاءُ معطَّرُ

والنصرُ معقودٌ ترِفُّ بنودُه=نشوى يداعبُها الضياءُ فتسكرُ

وبنو الشآمِ مواكبٌ موصولةٌ= تهزا بوقعِ الحادثاتِ وتسخرُ

خلعوا على الأيامِ أثوابَ السنا=وتصدَّروا التاريخَ فهوَ منوّرُ

وبَنَوا صروحَ المجدِ من أكبادهم=فبكلِّ سامقةٍ دماءٌ تَقطِرُ

وسنا الجراحِ يضيءُ دربَ نضالِهم=والليلُ عند حدودِهم يتقهقرُ

زرعوا حقولَ الغارِ فوقَ ربوعِنا=أَلقاً يشعُّ على الزَّمانِ فيُبهرُ

وقضوا على وهجِ النضالِ قوافلاً=" تشرينُ " يذكرُ عهدَها ويُذكِّرُ

يا "شام" حسبُ الخالدين دماؤهم=يمضي بها سفرُ الجِّهادِ ويَمهرُ

* * = * *
حيَّيْتُ في " الجولانِ" كلَّ مُحلِّقٍ=يغزو سماءَ الخصمِ وهو يُكبِّرُ

ومسدِّدٍ خلف المدافعِ رابضٍ=ودماؤه تحتَ اللظى تتسعَّرُ

وعيونُه غضبٌ تعلَّقَ بالثرى=تهفو لأولى القِبلتينِ وتنظرُ

والجوُّ مكتئبٌ يشق عِنانَه=صوتُ المَدافع كالكواسر تزأرُ

والأرض من صَخَبِ الدروع كأنما=يوم القيامة فوقها والمحشرُ

والأفْقُ يحتضن النسور فتارةً=تخفى وأخرى كالكواكب تظهرُ

تتصيَّدُ الغربانَ فوقَ جبالنا=وتغير منها القاذفات وتُمطرُ

والبحرُ يلفظ للجحيمِ بوارجاً=أشلاؤها فوق الصخور تَبعثرُ

حتى تمخَّضَ ليل نصرك مذْ بدتْ=أهداب فجرك بالسَّنا تتقطَّرُ

واليأس خلفَ المرهفين عزائِماً=يلوي بها صلف العدا ويُدمِّرُ

فإذا روابي القدس تورق بالمنى=وبثالث الحرميْنِ يهتفُ منبرُ

* * = * *
يا " شامُ " عفوكِ لست أول شاعرٍ=يشدو بأعراس النضالِِ فيسكرُ

لكنني غَرِدٌ يرفُّ جناحه=فوق المروجِ المعشباتِ فتزهرُ

واليوم أغبط من يقولُ قصيدةً=عنوانها تشرينُ نصرٌ أحمرُ

فأنا لسان الحق لست مغالياً=تشرين من " ذي قار " يعرب أطهرُ

* * = * *
يا " شامُ " حسبُ المجد أنك ظئره=ودم الشهيد لبانةٌ تتفجرُ

أَرضعتِه شممَ الإباءِ ولم يزلْ= يهفو لثديكِ جائعاً يتضوَّرُ

لا تفطميهِ على وعودِ مخاتلٍ=فيها قبورُ المجدِ باسمك تُحفَرُ

ودعي السلامَ لعاجزين جهودهم=فوقَ المناضدِ في المجالسِ تُهدرُ

أَيُشرِّفُ النصرَ المبين تفاوضٌ=يرخي العنانَ لنابحٍ يتنمَّرُ

لن يستحيلَ دمُ الشهيدِ وثائِقاً=تُطوى على السلمِ الهزيلِ وتُنشرُ

* * = * *
يا " شامُ " يا زهوَ الزمانِ تبسَّمي=للغدرِ أيامٌ تطولُ وتَقصُرُ

يسقونَ حنظلها بكأسِ فعالهم=وبِكفِّ ساقيها تحفَّزَ خنجرُ

وبمقلتيهِ بدتْ حكايةُ أُمَّةٍ=بالغارِ ينسجها .. وشعبُك يضفرُ

حماة 8/4/1974

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 05:59 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (3)




نفسي وكأسي




صفتْ كخمرةِ ربِّي إذْ يعتِّقُها=في جنةِ الخُلدِ للأبرارِ تُعتصرُ

وصبَّها كضياءِ الفجرِ خالصةً=من كلِّ شائبةٍ تبدو وتَستترُ

رقراقةً .. في كرومِ الغيبِ يانعةٌ=أغراسُها .. وبروحي الزهرُ والثمرُ

شَفَّتْ فما حجبتْ عني بواطنها=وأشرقتْ فأنا في نورِها بشرُ

نفسي وحسبيَ أني في غَوايتها=لا يعتريني بها حقدٌ ولا حذرُ

صعَّدتُها في سماواتِ الهوى سُحُباً=فأمطرتني شقاءَ العيشِ ينهمِرُ

على جبينيَ من أغوارِها أثرٌ=وفي عيونيَ من آفاقِها سُوَرُ

* * = * *
سموتُ حتى كشفتُ الحجْبَ واتَّضحتْ =ليَ الحقيقةُ .. فالأوهامُ تنحسرُ

ورحتُ أحسدُ أهلَ الجهلِ من ضجرٍ=وفاقدَ الحسِّ حتى ملَّني الضجرُ

فازورَّ عني أحبائي لجهلِهمُ=وفي دمي حبُّهم كالنارِ يستعرُ

لو يعلمون بما أُخفي لأَعجزَهم=في الناسِ من هو مثلي حين أُختبَرُ

* * = * *
هم ينكرون عليَّ الحبَّ يلهمني=وحياً يحنُّ إلى أنغامه الوترُ

منضَّداً من صباباتٍ مُجرَّحةٍ=تَرِفُّ جذلى على آياتِه الصُّورُ

وفي رياضِ الهوى والحبِّ لي كَبِدٌ=تهفو وتجرحُها الأهدابُ والحَوَرُ

أحيا بفضلةِ آمالٍ لو انقطعتْ=لم يبقَ في العيشِ من طيْبِ الرضى أَثرُ

أنا مُجرَّدُ إحساسٍ وعاطفةٍ=تندى بعالميَ الأحلامُ والفِكَرُ

لوَّنتُ في هدأةِ الأسحارِ قافيةً=من مقلةِ السحرِ نشوى .. سكبُها عَطِرُ

لمَّا تبيَّنتُ نفسي في مراشفِها=أدمنتُها فهي عندي الكأسُ والخَدَرُ

فضوؤها أبداً لا ينطفي وعلى=لألائها في النوادي يعذبُ السمرُ

وينتشي اللحنُ فالأنغامُ راقصةٌ=على شفاه الندامى من بها سَكِروا

كذا أنا فليمُتْ من عاشَ في حَذَرٍ=بهمِّهِ .. وليعشْ من خانه الظَّفرُ

* * = * *
ولي حبيبٌ بروحي راحُه امتزجتْ=أفديهِ بالعُمرِ لو يحظى به العُمُرُ

وكم أودُّ لو اَني أستحيلُ ندىً=أَحلُّ في كلِّ قلبٍ كاد ينفطرُ

آسو الجراحَ وأُحيي في كوامنِه=مُواتَ بذرةِ حبٍّ فيه تندثرُ

ولستُ صانعَ إحساسي أُبدِّلهُ=متى أردتُ .. ولكنْ صاغه القدرُ

وَزفَّهُ شاعراً يُدمي عواطفَه=شجوَ المعنَّى إذا ما شفَّه السهرُ

فالعيشُ عندي أمانٍ يستخفُّ بها=من لم يعانِقْه من بحرِ الهوى وَطَرُ

والشعرُ عندي تسابيحٌ أُرتِّلُها=في معبد الحبِّ حيث الكره يحتضرُ

في جنةٍ من خيالاتٍ مؤنقةٍ=تسمو بعالمِ إحساسي فيزدهرُ

هناكَ تبرأُ نفسي من شقاوتِها=فأزدري كلَّ آلامي وأَحتقرُ

حماة 3/6/1974

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 06:04 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (4)



يأس





غداً إذا متُّ مات الحزنُ والألمُ=فلا شعورٌ ولا حِسٌّ ولا ندمُ

حسبي أغادرُ دنيا الناسِ مرتضياً=دارَ البقاءِ فأهلاً أيها العدمُ

أمضي لعالمِ أرواحٍ تهيمُ به=روحي .. وتنعدمُ الأعرافُ والنُّظُمُ

فلا خصامٌ ولا كرهٌ ولا مِقَةٌ=ولا رِياءٌ ولا بخلٌ ولا كرمُ

ولا شقاءٌ ولا خوفٌ ولا دعةٌ=ولا قصورٌ ولا يأسٌ ولا هِمَمُ

ولا جمالٌ ولا قبحٌ ولا غَيَدٌ=ولا صبيٌّ ولا كهلٌ ولا هرمُ

ولا نجومٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ=ولا سماءٌ ولا أرضٌ ولا نَسَمُ

* * = * *
لِمَ الحياةُ وعيشي كلُّه كَدَرٌ=وفي ضلوعيَ نارُ الصمتِ تضطرمُ

والفقرُ يأكلُ أعصابي يُمزِّقني=والسهدُ يفعلُ بي ما يفعلُ السقمُ

ولي حبيبٌ يؤوسٌ من مبادلتي=حُبَّاً بحبٍّ .. ولا حِلٌّ ولا حَرَمُ

وكلُّ ما بيننا في الحبِّ مختلفٌ=الخوفُ يرصدنا .. والشك والتُّهمُ

مات الرجاءُ ولم أبلغْ به أملاً=يا حسرةَ القلبِ بعدي سوفَ ينعدمُ

يا حسرةَ الشعرِ بعدي كيف يقرضُهُ=متيَّمٌ في دجى العينين مكتتمُ

إذا أشارتْ له جنَّتْ عواطفه=وأمطرته القوافي البكر تنتظمُ

فينتشي الكونُ من آياتِه طرباً=ويسكر اللحنُ والأوتارُ والنَّغمُ

* * = * *
فإن قضيتُ فزوروني على جَدَثٍ=وابكوا عليَّ ليرضى المجدُ والكرمُ

أنا الذي في حياتي كنتُ أمنحُكم=طيبَ الوفاءِ .. وحولي النارُ تحتدمُ

معلَّقٌ بخيوطِ الوهمِ .. مُحتكِمٌ=إلى الزمانِ .. وبئسَ الحُكمُ والحَكَمُ

أقتاتُ من صَلَفِ الأيامِ في حَذَرٍ=وأشربُ اليأسَ .. والأوهامَ ألتهمُ

وفي جحيمِ شعوري يكتوي أملٌ=يُدمي فؤادي .. وخوفَ اللومِ أبتسمُ

وجُلُّ من هو حولي حاقدٌ وقحٌ=تَزْوَرُّ عن نفسه الأخلاقُ والقِيَمُ

مُعَطَّلُ الحسِّ .. مغرورٌ يعيشُ به=وحشٌ تصول به الأحقادُ والنِّقَمُ

وبين جَنْبَيَّ يحيا الخيرُ مزدهياً=وفي ضميريَ ينمو اليأسُ والسأمُ

وآفةُ العيشِ أني شاعرٌ كرهتُ=نفسي الحياةَ .. وغيري جائعٌ نَهِمُ



حماة 29/7/1973

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 06:11 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (5)




طريدُ الوهم


يا حبيبي فـي دجى عينيْـكَ تغفو كبريـائي
وبـجفيْكَ انصهاري واحـتراقي و وفنائــي
وعلـى خدَّيـك آيـاتُ سروري وشـقائـي
وعلـى نهديك آثـارُ اشـتعالي وانطفائــي
فاحملِ الحـب حبيبي لا تُضـعْ فيه رجـائي

* * *
يا حـبيبي أورقَ الحـبُّ ببستانـي وأزهـرْ
وأتتْ كلُّ عصافـير الهـوى تشـدو وتسـكرْ
وسرى جدول أحـلامي لنبـع الوصـل كوثرْ
وملأتُ الكـون مـن نفـخ اللِّقا مسكاً وعنبرْ
فاقتربْ مني وذوِّبْ في كـؤوس العمـر سُكَّرْ

* * *
أنت في صمتكَ تسقينـي الردى فاعطف عليَّا
كنتَ بالأمس حـبيبي والمنـى كـانت لـديَّا
عقني الشـعر ومـرَّ الأمـس حـلماً عبقريا
ملَّني حتـى شـعوري .. والأسى في جانحيَّا
أطفأَ الشـكُّ شمـوعـي وسجـى الليل عليَّا

* * *
هدأَ الليلُ وضجَّـتْ فـي الحنـايا ذكـرياتي
أيـن يـا ليلُ حبيبي .. أيـن أحلامُ حياتـي
أين أُسكوبُ هـوانا أيـن صحبـي وَلِـداتي
أين من يرعـى ودادي بين شتى المغريـاتِ
ضعتُ عن نفسي وضاعت في العشايا أغنياتي

* * *
أنا يا ليلُ طريـدُ الوهم قـد طالتْ دروبـي
حطَّـم اليأس أمانـيَّ ولـم يرحـم شحوبي
وهَفَتْ للمـوت نفـسي ودنـا وقت مـغيبي
ومضتْ شمـس حيـاتي نحو آفاق الغروبِ
فاتئـدْ يا ليـلُ واحملْ ذكرياتـي لحـبيبي

* * *
حدِّثِ الأجيـالَ عنـي أيـها الليلُ طويـلا
قلْ لهـم كـان محباً مرهف الحـسِّ عليلا
شِعرُه ذَوْبُ فـؤادٍ راح يجـري سـلسبيلا
أحرقَ العمـرَ ولم يسـعدْ ولم يـروِ الغليلا
ومضى يحـملُ قلبـاً طيِّبَ النشرِ أصيـلا

دمشق 10-8-1973

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 07:45 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (6)



أشلاء الهوى



مزَّقتُ صورتَها وقلتُ لعلَّني =أجدُ السلوَ .. وراحةَ النسيان

وحملتها بيدي كأنِّيَ مجرمٌ=في الليل يبحث عن طريق أمانِ

أخشى ضياء الفجر .. أعثرُ بالحصى=ويدايَ واهيتان ترتجفان

أتلمَّسُ الجدرانَ ... أين أدسُّها ؟=وأحسُّ أشباح الظلام تراني

ووقفتُ أسمعُ .. والسكونُ مخيمٌ=صوتاً يردِّدُ : أنتَ ..أنتَ الجاني

صوتاً بأعماق الضمير تجاوبتْ=أصداؤهُ .. وسرى إلى وجداني

من أنتَ ؟ وانقطع الصراخُ وأرعدتْ=" الله أكبرُ " بدءَ كلِّ أذانِ

وتعالتِ الأصواتُ وارتحل الدجى =وغزتْ جيوشُ الفجر كلَّ مكانِ

وبقيتُ وحدي في الطريقِ مسمَّراً =والإثم ينهشني .. يهدُّ كياني

ربَّاهُ ... من لي بعد صورتها إذا =غمرتْ وجودي موجةُ الأحزانِ

ربَّاهُ .. من أشكو إليهِ صبابتي =وأبثُّه وجدي .. وغدرَ زماني

وقصائدي يا لهف روحيَ من تُرى =يصغي إذا أنشدتُها ويعاني

من ملهمي والشعرُ ذَوْبُ عواطفي =وحيَاً لآياتي ... لسحر بياني

ربَّاهُ ... وارتفعتْ يدي وفتحتُها=ولثمتُ أشلاءَ الهوى بحنانِ

ونثرتُها للريح ثم جمعتُها=بسذاجةِ الأطفالِ في هَيَجانِ

وهممتُ أُرجعها وأُسقط في يدي =لما خلتْ من بينها العينانِ

وبحثتُ عنها في الطريقِ فلم أجدْ=أثراً لها ... فصرختُ في هذيانِ

عيناكِ يا للهِ !!! كيف تولَّتا ؟؟=قبل الوصالِ ... وهاجتا أشجاني

عيناكِ أقداري سجدتُ بظلِّها =للحبِّ حيث أضلَّني وهداني

عيناكِ محرابي عبدتُ به الهوى =وعرفتُ ربي فيه بالهيمانِ

عيناكِ يا لفجيعتي أَلقُ الرؤى=كيف السلوُّ ؟! وكانتا سلواني

عيناكِ سرِّي وافتضاحيَ في الهوى=وربيعُ أيامي وصفوُ زماني

عيناكِ !! يا لجريمةٍ نفَّذْتُها =رَوَّضتُ فيها العقلَ بعد حِرانِ

وقتلتُ إلهامي وتلك قصائدي =مزَّقتُها فيدايَ آثمتانِ

فغدتْ جميعُ عواطفي مجنونةً =جمحتْ وشقَّتْ لي عصا الإذعانِ

وأنا البريءُ بكلِّ أعرافِ الورى =لكنْ بعرفِ الحبِّ كنتُ الجاني

**=**
غفران صورتك الحبيبةِ بعدما =أَلقيتُها مِزَقاً تروعُ جَناني

مِزَقاً كقلبي بعد هجركِ والنوى =ولظى الحنين وشدة الخفَقَانِ

وانسابتِ الآهاتُ تعصف بالمنى=وتعودُ بي للكبتِ والحرمانِ

ومضيتُ والندمُ المرير يهدُّني=وحبستُ إلا في القريضِ لساني

حماة 17-8-1973

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 07:48 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (7)



اِحملوا عني هواها


اِحملوا عنـي هواهـا .... ساعةً يمضــي العناءْ
سـحر عينيها بلائـي... وجنـى الثغـر شــفاءْ

****

يا طبيب الجسم دعـني ...بيــن يـأسٍ ورجـاءْ
فطبيـب الـروح أولى ... منـك في وصف الدواءْ

****

قـدري بيــن يديـها ... كيفـما شـاءت يشـاءْ
وحيـاتي فـي هـواها ... بين غـدرٍ ووفـــاءْ

****

بلغـوهـا اليـوم أنـي ... مُدلجٌ يخـشى الضيـاءْ
ليس بـي مـسٌ ولـكن... قلـبُ مـن يهوى هواء

****

حماة 12-12-1973

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 07:51 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (8)



عابدة



طالَ البعاد وهاجَ الشوق في كبدي =وعدتُُ أسألها عن حاضري وغدي

وكنت أحسب طولَ البعد غيَّرها=كأيِّ واحدةٍ من ذلك البلد

لكنَّني لم أكدْ أخطو بساحتها =حتى رأيتُ دليل السُّهدِ والجَلَدِ

رأيتُ وجهاً أحال الهجر نُضْرَتَهُ =إلى شحوبٍ .. فما يخفى على أحدِ

وقامةً قد كساها السهد ثوب ضنىً=وغابَ عنها تثنِّي الخصر .. لم يَعُدِ

فلا العيون كما عهدي بها ائتلقتْ=ولا الخدود نديَّاتٌ من الرَّغَدِ

كأنها لم تكنْ بالأمس ناعمةً =هيفاءَ تأسر قلب الصبِّ بالغَيَدِ

**=**
وقفتُ أُبعدُ عني الوهمَ واقتربتْ=مني تصافحني .. لمَّا مددتُ يدي

وغرَّقتْ في عيوني نظرةٌ سفحتْ=إليَّ كل حديثٍ دار في خَلَدي

سألتُها: ما الذي أضناكِ ؟ فانتبهتْ=لما رأيتُ فقالتْ : كُفَّ .. لا تزِدِ

خبا جماليَ فالمرآةُ تخذلني =وكنتُ أنظرُ فيها نظرةَ الصَّيَدِ

وجفَّ ثغريَ إثرَ الهجرِ واكتحلتْ=عينايَ بعد بريق السحرِ بالرَّمدِ

فما نحوليَ إلا من نواكَ وما =ذبول حسنيَ إلا من لظى الكَبَدِ

**=**
وكنتُ أخطر بين الغيد مائسةً=وكُنَّ يُضمرنَ لي حقداً من الحسدِ

وقد رثَيْنَ لحالي بعدما انطفأتْ =أنوارُ وجهي .. ولاح السُّقمُ في جسدي

فرحت أعدو إلى المرآةِ أكسرها =وأزجرُ الدمع إثر الصحو كالولدِ

علَّمتَني كيف أفنى في هواكَ فهل=عاتبتَ نفسكَ إذ أَورثتَني كمدي ؟

أم جئتَ تسخرُ من حبٍّ سهرتُ به =على نواكَ .. وتوري النارَ في كبدي

**=**
جعلتُ حبَّكَ لي محرابَ عابدةٍ =أُقيم فيه صلاة الحب للأبدِ

يظلُّ يُنعشُ روحي منه طيفُ رؤىً=فأسكبُ القلبَ في أوهاميَ الجُدُدِ

أُعلِّلُ النفسَ في وصلٍ حلمتُ به =أيامَ كنتَ تبيع الحبَّ في بلدي

عشقتُ فيك حناناً كنتُ أَنشدهُ=تحت الجناحِ كزغب الطائر الغَرِدِ

فلو سألتَ حياتي ما ضننتُ بها=على هواكَ .. وحقِّ الواحد الأحدِ

وما عليكَ ؟! فإني قد نذرتُ دمي=فإنْ يَرُعْكَ حطامي اليوم .. فابتعدِ
المعرة - قرية تلمنس 1-8-1965



ملاحظة ... هذه القصيدة من أقرب القصائد إلى قلب الشاعر

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 07:54 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (9)


جدار الصمت




أنا لا أحبُّك بل أحبُّ عذابي=وهوىً أرقتُ به دماء شبابي

أنا لا أحبك أنت لستِ جديرةً=بهوايَ أسفحه على الأبوابِ

أنا لا أحبُّك يا " ...... " وإنما=أهوى الهوى يقتاتُ من أعصابي

أشقى وأسعدُ .. والفؤاد مُعلقٌ=ما بين لومٍ جارحٍ وعتابِ

ويطيرُ بي شوقٌ فأسبح بالمُنى =وكأنني الصوفيُّ بالمحرابِ

وأرى عذابي في هواكِ وراحتي =أني أحبُّ .. وجنَّتي وثوابي

وأخافُ يوماً قد يجيءُ ولا أرى =غيرَ الصدودِ .. وجفوةَ الأحبابِ

فأذوبُ وجداً في النوى وصبابةً=ويطيرُ في صمتِ الفراغِ صوابي

**=**
أنا لا أحبُّكِ بل أعلِّمكِ الهوى =واليوم قد أنهيتُ ما بكتابي

حتى غدوتِ .. ولا أقولُ صبيَّةً =بل غادةً سحريَّةَ الأطيابِ

وأنا الذي قد عشتُ أحتضنُ الهوى =كالطفل أُرضعه كؤوسَ شرابي

حتى ترعرعَ في الضلوع وعقَّني =ومضى يمزق برقعي وحجابي

فإذا جدار الصمت يسقط بيننا=وتضيق عن " أهواكِ " كل رحابي

" أهواكِ " لم يُجْدِ التعقلُ في الهوى =ولقد رضيتُ على يديكِ عذابي

ولقد رضيتُ بأن يُقالَ تشفِّياً =كهلٌ يذوبُ على جحيم رغابِ

حماة 5-1-1971

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 08:00 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (10)



الأملُ المجنح



دعيني للشقاء فكلُّ عمري =شقاءٌ كيف أطمع بالصفاءِ

سُقيتُ مرارةَ الأيامِ طفلاً =وفي شرخ الشباب ذوى رجائي

حملتُ هواك في كبدي زماناً =أعيش له .. ويشربُ من دمائي

أنام .. وألف آهٍ في لهاتي =أذوِّبُها بمضطرم البكاءِ

فقد حلَّ الظلامُ .. وما لقلبي =صباحٌ بعد فجركِ يا ضيائي

وأنَّى لي .. وقد هرمتْ أماني =فؤادي وانقضى زمنُ العطاءِ

**=**
دعيني يا " ..... " فنجمُ سعدي =بلَيلِ هواك يأذنُ بانطفاءِ

عيونكِ بالظلام تلفُّ روحي =فأهربُ كالفراشِ إلى الضياءِ

لأشهدَ عالماً للسحر تزهو =به شفتاكِ مؤتلق الرُّواءَِ

فَتُظْمِئُني .. ويحرقني لظاها=وحُمَّى اليأسِ تفتكُ بالرجاءِ

فأَبْعُدُ عن هواكِ وفي ضميري=يراودني شعورٌ بالبقاءِ

**=**
دعيني في بحارِ الوهمِ أُشعِلْ=جراحي في أعاصير الشتاءِ

سأُبحر دونما هدفٍ وأرسو =على شُطآنِ حبِّكِ بارتماءِ

شراعي السُّهدُ تغزله الليالي=وتنسجه الوساوسُ من دمائي

فتحملني إلى جُزُرِ الأماني=ودنيا السعدِ أخيلةُ المساءِ

هنالك تزهرُ الدنيا وصالاً =بلا خوفِ الوشاةِ .. بلا رياءِ

أضمُّك يا " .... " وفي ضلوعي=حريقٌ شبَّ من زمن التنائي

فأُطفئهُ على شفتيكِ لثماً =وأغرقُ بالسعادة والوفاءِ

وأسكرُ باللمى ورفيفِ هُدْبٍ=يكسِّر جفنها فرط الحياءِ

وأصحو والهوى غَرِدٌ بقلبي =لأهتفَ : قد برئتُ من الشقاءِ

حماة 20-8-1971

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 08:04 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (11)


إخفاق



سرتُ في الدرب وحيداً .. مثقل الخطوِ أغنِّي
علَّني أنسى جراحاً .... من حبيبٍ ضاع مني

****
كل شيءٍ كان حولي ....... مصغياً يرنو إليَّا
غير أني في ضميري ....... خلتُه يبكي عليَّا

****
وتذكرتُ لقانا ................ وأماسيَّ هوانا
كم على العاصي تهاديــــــــنا وباحتْ مقلتانا

****
كم قضينا الليل نبني ..... عشَّنا فوق الشجرْ
من غريراتِ الأماني ..... في أُويقاتِ السحرْ

****
كم زرعنا الليلَ أحــــــــــــلاماً وروَّيناهُ طيبا
ثم أشعلناهُ لمَّا .......... أصبحَ الحبُّ لهيبا

****
جَلَّ بالوصف هوانا ...... عن مفاهيمِ البَشرْ
يا حبيبي كيف تنأى ....... بعدما لانَ القدرْ

****
وصحا الوجدُ فدربي ...... ذكرياتٌ ودموعْ
توقظُ الجرحَ بقلبي ....... وحنيني للرجوعْ

****
وإذا طيفُ حبيبي ....... بينَ أشباح الظلامْ
عاثرُ الخطوِ مُعنَّى ...... من تباريحِ الغرامْ

****
فانثنى بالقربِ مني ... صامتاً خلفَ الحجابْ
وتراميتُ عليهِ ......... فاختفى عني وغابْ

****
صرتُ أبكي مثل طفلٍ . ضائعٍ يخشى الظَّلاما
تارةً يعدو وأخرى ...... يرتمي مثلي حُطاما

****
يجهلُ الدربَ ويمضي ..... شاردَ الفكرِ مُهدَّمْ
جرَّب اللوعةَ والإخــــــــــــــفاقَ لكنْ ما تعلَّمْ


دير الزور 11-6-1972

عبدالسلام زريق
01-27-2011, 11:07 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (12)


طفلة الحب



أهِ .. لو تدرينَ أيام الهوى=بالذي عاناهُ قلبي من عذابْ

حبُّكِ النار التي تحرقني=في ضلوعي بعدما فات الشبابْ

حبُّكِ الوهمُ الذي أطعمته =راحة النفس .. وألوان الرِّغابْ

حبُّكِ الطفل الذي أرضعتهُ =من لباناتِ الهوى أحلى الشرابْ

حبُّكِ السهدُ الذي ذوَّبني=مثل خيط النورِ في ليل الضبابْ

حبُّك الشِّعر الذي نَمْنَمتُه =من أمانيَّ وأحلامي العِذابْ

أهِ .. لو تدرينَ ما معنى الهوى=ما أضعتِ العمر لوماً وعتابْ

**=**
أشعلي النار بدربي فأنا =في طريقِ الهجر ماضٍ لا أهابْ

واحجبي الشمس وأنسامَ الصِّبا=وامنعي المدرار من دمع السحابْ

واحرقي الأخضرَ من عيشي فلن =تحصدي إلا رماداً أو ترابْ

فأنا اليومَ أسيرٌ هاربٌ=من سجونِ الوهم لا أرجو إيابْ

**=**
حبُّنا أضحى حكاياتٍ مضتْ=في صحارى العمر تبدو كالسَّرابْ

حبُّنا القدسيُّ .. بل حبي أنا =ماتَ مثل الذنبِ في يومِ المتابْ

حبُّنا .. لا تسأليني إن غدا=قصةً خُطَّتْ .. وشعراً في كتاب

ألفُ غرٍّ سوف يأتي بعدنا =يحرقُ الكُتْبَ بِعودٍ من ثقابْ

يا ملاكاً في الهوى ضلَّلني =أنتِ من " إبليس " أولى بالعقابْ

سحرُ عينيك الذي خدَّرني =أبطلَ السحر زماناً ثم غابْ

ودياجي الشَّعر من حول الضحى =أغرقتْ عمري فجانبتُ الصوابْ

فارفعي كفَّيكِ إن جنَّ الهوى =واحرقي البخور في بيت خرابْ

أنتِ لن تَحْظَيْ بصبٍّ مغرمٍ =يصرفُ العمر ضياعاً في يبابْ

**=**
جرِّبي في الحب غيري مرةً =واغرسي في مهجة الماضي حرابْ

مركبي في البحر يجري آمناً =بعد ما غادرتُ شطآنَ العذابْ

مركبي في الحب لا يرسو على =مرفأٍ كالأمسِ .. صخريّ الشِّعابْ

**=**
زهرةً كنتِ بروضي حلوةً =في ربيع العمر تهدين الملابْ

ضمها قلبي فلم يعبث بها =صانها كالسر خوفاً واحتساب

إنما الأشواك أدمتْ أنملي =عندما حاولتِ من قلبي اقترابْ

**=**
سوف تمضينَ ويمضي مركبي =بعدما مزَّقتُ عن عيني الحجابْ

سوف تَهوين لقاعٍ مظلمٍ =لا ترينَ النور في ذاك العُبابْ

وأنا أمضي لفجرٍ مشرقٍ =وشراعي فوقَ طيَّاتِ السحابْ

طفلتي في الحب ما زال الهوى =في مغانيكِ له ألف انقلابْحماة 7-5-1970

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:05 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (13)


الوصال الدائم




خمرُ عينيكِ وإشراقُ الأملْ=وانعتاقي من ظنوني والعذل

وارتعاشاتُ أماني مدنفٍ =تحت جنح الليل والفجر أطلّْ

ودموعٌ يرتوي السهدُ بها =لم تزل توري حنيني .. لم تزلْ

وانسيابُ الآهِ من عصفِ النَّوى =واحتراقٌ بين خوفٍ وأمل

ودبيبُ السفم يوهي جسدي=حمَّلَ القلبَ غريباتِ العللْ

كل هذا منكِ يا فاتنتي =علَّم الصبَّ المعنَّى ما الغزلْ

**=**
يا حياتي والهوى عمرُ الشَّذا =يهجرُ الزهر ويمضي في عَجَلْ

فاسكبي العطر بأنسامِ الصبا =ذوِّبي الأيامَ ضمَّاً وقُبَلْ

كلُّ يومٍ ينقضي من عمرنا =صفحةٌ تُطوى بأسفارِ الأجلْ

**=**
أنا أهواكِ جحيماً محرقاً =لا يضيءُ الشمع إن لم يشتعلْ

وأرى قلبَكِ يا فاتنتي =وهوانا فيه لمَّا يكتملْ

فانهبي اللذَّاتِ من عمرِ الهوى=واقطعي بالوصلِ أوصالَ المللْ

أَشعلي نارَ الهوى .. لا تجزعي =رُبَّ نارٍ طهَّرتنا من دَخَلْ

واحملي أوزارَ حبي إنها =معبرٌ يمضي لفردوسِ الأزلْ

كلُّ ما في الحب يا فاتنتي =فيضُ إنعامٍ .. وإرواءُ غلل

واتِّصالٌ بالذي أوجدنا =وانفصالٌ عن متاهاتِ الزللْ

كلُّ أعراف الورى .. كل الذي =أرجفوا في الحبِّ شيءٌ مُفتعلْ

إنما الحبُّ ضياءٌ وهدىً =وبه " جبريل " بالوحيِ نَزَلْ

**=**
يا حياتي والهوى سر الجوى =هل علمتِ الحبَّ فينا ما فعلْ ..!

طهَّرَ القلب سناهُ ومحا =ظلمةَ الآثامِ .. والشرَّ قتلْ

فغدونا فيه نقتاتُ المنى =وانجلى ليلُ شقانا وارتحلْ

**=**
يا ملاكَ الطُّهر أهواكِ به =حسبنا في الحبِّ بَوْحٌ وغزلْ

اِمنحيني الوصلَ بالقول ولا =تقطعي عهداً .. فأحيا بالأملْ

حسبنا في الحبِّ أنَّا نلتقي =ومع الأنسامِ أُهديكِ القُبلْ

وأحاديثُ غرامٍ حلوةٌ =لفَّها الصمتُ .. فأبدتْها المُقلْ

وارتعاشاتُ شفاهٍ نديتْ=برضاب السحرِ تدعو .. تبتهل

ووفاقٌ .. وخصامٌ كاذبٌ=واقترابٌ .. وابتعادٌ لأجَلْ

فَبِروحَيْنا وصالٌ دائمٌ =وبقلبينا حنينٌ متَّصلْ

حسبنا اللهُ بما نلقى فقد=شفَّنا الوجدُ .. وأَعيتْنا الحِيَلْ

فانعمي بالحبِّ .. لا لن تأثمي =أيُّ ذنبٍ لحبيبٍ إن وصلْ ؟
حماة 30-8-1972

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:08 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (14)



صُراخُ الجحيم




وأدْتُ النورَ في أعماق نفسي =وأغرقتُ المُنى بظلامِ يأسي

فشاختْ في مخيِّلتي الأماني =وأيفعتِ الهموم .. ومات أُنسي

ولفًَّ الوهم أحلامي فشابتْ =ولم أظفر من الدنيا بكأسي

حياتي كالسرابِ إذا تراءتْ =بصحراءِ الفناءِ بكيتُ أمسي

* * *
تمرُّ بيَ السنون فلا أبالي=وتصبغني حوادثها بورسِ

فيصبحُ كل ما أرجو هباءً =وألمحُ في الظلامِ نجومَ نحسي

* * *
وجودي في الحياةِ أراهُ شؤماً =فكيف إذا قضيتُ وشُقَّ رمسي ..!

وأصبحتِ العظامُ به رميماً =وصالَ الدودُ في فجواتِ رأسي

وعدتُ إلى الحياةِ بيومِ حشرٍ =وسوِّيتِ النفوسُ بغيرِ لَبْسِ

فإمَّا للجحيمِ أساقُ قسراً =وإمَّا للنعيم بغَيرِ بؤسِ

ضياعي بين أفكاري جحيمٌ =صراخي فيه مُحترقٌ بهمسي

* * *
ترابُ الأرضِ يرصدنا جميعاً =يُذكِّرُ بعضنا حيناً وينسي

ولمَّا لم أجد فهماً لقولي =بعُرفِ المُدَّعين كسرتُ فأسي

وحسبي أن عَييْتُ بحلِّ لغزٍ=أقامَ بأضلعي .. فكرهتُ نفسي
حماة 24-8-1968

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:35 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (15)


حُلُمٌ غريب




نشرتُ لوائي وامتطيتُ جواديا =فصفَّقَ يعلو بالجناحين راضيا

وحطَّ على الجوزاءِ بعد هُنيهةٍ =وأفردني .. وازورَّ يبكي وَداعيا

ولاحَ لعيني كالسرابِ بمَهْمَهٍ=غديرٌ إليه الطيرُ كانت غواديا

عدوتُ إلى أن كدتُ أبلغُ ماءه=فأوقفني صوتٌ غريبٌ ورائيا

فأصغيتُ في شوقٍ إليه ولهفةٍ =لعلِّي أرى في صاحبِ الصوتِ هاديا

فقال دعِ .. الأوهامَ تلك خديعةٌ =تعالَ إلى روضي لأسقيكَ صافيا

* * = * *
سألتُ : وأين الروض يا طيفُ إنني=تعبتُ فهلَّا جئتني بجواديا ؟؟

ودون جوابٍ قد رأيتُ بجانبي =جواداً كريم الأصلِ أبيض زاهيا

ركبتُ إذا بي في البروجِ محلِّقاً =يجوزُ بيَ الأفلاكَ كالومضِ ساريا

وأنزلني من ثمَّ روضاً مُزيَّناً =بوشيٍ من الأزهارِ .. رقَّ حواشيا

فضجَّتْ به الأطيارُ شدواً كأنمَّا=تقولُ ليَ الأنغامُ جئتَ مناجيا

وماستْ غصون الروضِ سكرى من الصَّبا=ومالتْ على الأمواهِ حُدْباً ... حوانيا

فيا طيبَ ما ألقى .. ويا حسنَ ما أرى =كأني مليكٌ ... والجنانُ بلاديا

* * = * *
نفضتُ غبار الوهم عن كلِّ فكرةٍ =وقلتُ لعلَّ السعد رقَّ لحاليا

وسرتُ وئيدَ الخطوِ أختالُ باسماً =أطوفُ حقول الزهرِ نشوان شاديا

نسيتُ أسى الدنيا وكلَّ شجونها =نسيتُ خيامي والشقا وجراحيا

كأني بُعثتُ اليوم دون درايةٍ =فلم يدرِ ما معنى العذابِ فؤاديا

أُقلِّبُ طرفي حيثُ شئتُ فلم أجدْ=سوى جنةٍ فيحاءَ طابتْ مَجانيا

فقلتُ لنفسي : ها هو الخلد فاهنئي =دعوتُ إلهي .. فاستجابَ دعائيا

* * = * *
ونفَّرَ طيرَ السعد عنِّيَ فجأةً =خميسٌ من الغربانِ حلَّقَ غازيا

وجاءَ زعيم السرب يسرقُ جنَّتي =يقودُ لئاماً حاقدين أفاعيا

أغاروا على روضي وعاثوا وأفسدوا=وشقَّ على نفسي أعيش مُداجيا

فأعملتُ رأسي بالرؤوس أَجزُّها =وقد طارَ من هول المصابِ صوابيا

ولم يدركِ الأوغادُ أنَّ كرامتي =تُثير على وِرْدِ الجدود إبائيا

ولكنَّ نصلي دقَّ فوق رؤوسهم =وأصبحَ عزمي بعد يأسيَ واهيا

فجاؤوا على ضعفي يصبُّون حقدهم =وسالتْ على التُّربِ الحبيب دمائيا

ولما فقدتُ الحَولَ قال زعيمُهم =خذوه .. وإلا قام يضربُ هاميا

من العُرْبِ هذا فانظروا لدمائه =كأني أُحسُّ التربَ فيه مُباهيا

شجاعٌ .. فدائيٌّ .. قويٌّ .. مدرَّبٌ =أبيٌّ .. يدير الموتَ .. إنْ ضِيمَ ساقيا

أخافُ إذا غيَّبْتموهُ بتربه =مهاجمةَ الأشباح وقتَ مناميا

خذوه بعيداً سوف يحيا وينثني =ليغرسَ في هذا الترابِ أمانيا

فأحسستُ أني أهبط الأرضَ عائداً =أشقُّ ظلام الليل كالنجم هاويا

وقعتُ على تلٍّ من الرمل ليِّنٍ =وقمتُ .. إذا بي حالمٌ في فراشيا
حماة 24-9-1968

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:38 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (16)


وداع



حانَ يومُ البُعدِ وانسـابَ الصباحْ
وأطـلَّ الفـجـر بالنـورِ ولاحْ
ليته أغفـى ولـم يُلْقِ الوشـاحْ
إنني في الليل لمـلمـتُ الجراحْ
فانتظرْ يا فجرُ كي أخفي حنينـي
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

إنْ تهـادى الفجرُ في تلكَ الجبالْ
وانبـرتْ بالزهـرِ هاتيك التلالْ
أو شدا الطيرُ ... وبالشدوِ أطالْ
أو مـع الأحـلامِ سرَّحتُ الخيالْ
فاعلمي أني أُغنِّي في الســكونِ
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

عندمـا يبدو لك المـاضي سعيدا
يـومَ كنَّا نحسـب الدنيـا خلودا
يوم أنْ كان الهوى بَعْدُ ... جديدا
يـومَ أقسـمنا وأوثقنـا العهـودا
اِذكـريني علَّهُ يصحـو حنينـي
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

لملمـي الآهَ علـى تلك السـنينْ
واذكري حبِّي إذا فاضَ الحنيـنْ
وانثري الأزهارَ سلوى العاشقينْ
فوقَ قـبري بعـدما أغدو دفينْ
واسمعي صوتي يناديكِ اذكريني
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

لا تقـولي آه ... إنـي لا أُطيقْ
أن أرى وجهـكِ مسلوبَ البريقْ
هل خبا نورُكِ من طولِ الطريقْ
هُوَ ذا الفجـرُ مُطِـلَّاً بالحـريقْ
لن أموتَ اليوم في بحر السـكونِ
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

إنَّني أتـرعتُ كأسـي بالحُـميَّا
وانتهـى سـهدٌ ثـوى في مقلتيَّا
كيف أقضي يافعاً غضَّاً نديا ..!
كيف أقضي والمُنى تحبو لديَّا..!
إنني أحيا وقد ماتـت شـجوني
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

من أنا؟ من أنتِ؟! في سرِّ الحياةِ
إننـا كالشمعِ في كـهـفِ الغُفاةِ
عمرُنـا يومانِ في دربِ المماتِ
ليــس إلا أننـا قـلـبٌ وذاتِ
إنني أهفو إلـى الماضي الأميـنِ
فمـع النجماتِ قد طـال أنينـي

* * *

لسـتُ أدري أيُّنـا في الحبِّ ساحرْ
أنتِ يا ومض المنى..أم وحيُ شاعرْ
أم كـلانا تمتماتٌ في الضمائـــرْ
لسـتُ أدري أيـها يـروي حنيني
فمـع النجمـاتِ قد طـال أنينـي

حماة 20-5-1960

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:40 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (17)



اعذُريني




دعيني بعدما نضبتْ عيوني =وزهرُ هواكِ جفَّ على غصوني

دعيني نَهْبَ هجركِ واحتراقي =بآهاتٍ .... يُسعِّرُها حنيني

دعيني بعد ليلِ الوهمِ أُشعلْ=قناديلَ الحقيقةِ ... وانظريني

* * = * *
أحبُّكِ في ضميرِ الغيبِ حلْماً =يُهدهدني .. فأجنحُ للسكونِ

أحبُّكِ جامح الأشواقِ أسعى =بلا هدفٍ .. يُجرِّحني أنيني

أحبُّكِ في الخيالِ بلا حدودٍ =تُقيِّدني وتسخرُ من شجوني

أذوبُ مع الضياءِ بكأسِ وهمي =وأُترعها بصهباء الجفونِ

وأُشعلُ من لظى التحنانِ شمعي=وأُطفئه على شَفةِ الظنونِ

وأَحلفُ أنْ سأكفرُ بالغواني =ويدفعكِ النَّوى لِتُـكذِّبيني

وتسكب لي عيونُكِ كأسَ وجدٍ=فأشربُها .. وأحنثُ باليمينِ

أنا يا ثرَّةَ الإلهامِ نبعٌ =يفيضُ أسىً على مرِّ السنينِ

أنا يا صحوةَ الآلامِ خمرٌ =تعاطتْني النوائبُ في مُجونِ

حملتُ على جناحِ الشكِ قلبي =لأنثرَه على ألقِ اليقين

أَحومُ به على جُزُرِ الأماني =وأهبطُ فيهِ من حينٍ لحينِ

وأبحثُ جاهداً عن ورد نفسي =وأرجعُ .. والندامةُ تعتريني

فأُشرقُ بالمنى ودموع نفسي =وحالُ الصبِّ أقربُ للجنونِ

* * = * *
وتسألني عيونُكِ في تَحدٍّ=أحقاً عُدتَ ؟ يا لكَ من خؤونِ ..!

فأَجرعُ ذِلَّتي .. وألوكُ يأسي =فهاتي سيفَ حقدَكِ مزِّقيني

فإني لستُ عبدَ هواكِ ..لكن=أنا ربُّ التصوُّفِ .. فاتَّقيني

ولي من بعد غفراني حدودٌ =نهيْتُكِ عن تحدِّيها المُبينِ

وأرسلتُ الفؤادَ بها رسولاً =يَردُّكِ عن تمرُّدِكِ المهينِ

فكذَّبتِ الرسولَ .. وقلتِ ما لمْ=تَقُلْهُ شقيَّةٌ عبر القرونِ

وآثرتِ الجحيمَ على جِناني =بصدِّكِ عن حمى حبِّي الأمينِ

فأَطفأَ ليلُ غيِّكِ شمسَ رشدي =وجئتِ إلى الحسابِ بغيرِ دينِ

وعدتُ أنا لآهاتي تقيَّاً =يُطهِّرُ خافقي ماءُ الشؤونِ

وسطَّرتُ الجراحَ قصيدَ شعرٍ =لأُنشده على النغمِ الحزينِ

أعودُ إليه في الخلواتِ أبكي =على ما ضاعَ في الحِبِّ الضنينِ

فإمَّا حدَّثتكِ النفسُ يوماً =بتكفيرِ الخطايا .. فاعذُريني

حماة 8-2-1973

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:43 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (18)


غبيَّة



قالتْ : غبيٌّ تحبُّ الناسَ تُؤثرهمْ =بما لديكَ وتجني غايةَ الألمِ

وأَتبعتْها بألفاظٍ تُمزِّقني =كالسُّمِ يكمنُ في كأسٍ من الدسمِ

فقلتُ : والشوق في عينيَّ ملتهبٌ =لا ينطفي .. وفؤادي ذائبٌ بفمي

ليت التي بادرتْني القولَ قد علمتْ =أني لرؤيةِ عَينيْها أُريق دمي

نعم غبيٌّ لأني كنتُ أجهلها =لم أدرِ يوماً بأني عاشقٌ عَدَمي

يا قصةً كنتِ حتى الأمسِ غامضةً =واليوم قد وضحتْ بالسخفِ والنَّدمِ

خلَّدتُ حسنكِ في شعري فوا أسفي =خلَّدتُ حسناً عديمَ الحسِّ كالصَّنمِ

* * = * *
لا ..لستِ ليلايَ ..أنتِ الوهم في نظري =يَمرُّ في خاطرِ الأيامِ كالحُلُمِ

غداً سأجمعُ أوراقي وأحرقها =غداً سأكسرُ يا شؤمَ الهوى قلمي

غداً أُريقُ دماء السُّهد أقتله =وأُسلمُ العين للأحلامِ في حرمي

غداً أعود لآمالي أُجدِّدها =وأُسقِطُ الوهم بعد الصحوِ من قممي

فلستُ أُلعوبةً في كفِّ عابثةٍ=ولستُ صيداً بوكرِ الجائع النَّهمِ

لي في حدائقِ نفسي ألفُ مُرقصةٍ =وألفُ مطربةِ في أعذب النغمِ

وأنتِ واحدةٌ من ألف خائنةٍ =عهدَ الهوى في خيالِ الشاعرِ العلَمِ

بيني وبينكِ في التفكيرِ منحدرٌ=لا يستوي النورُ في حالٍ مع الظُّلمِ

هيا اغربي من سمائي أنتِ تافهةٌ =ذكركِ أضحتْ بُعيد الهجرِ كالرِّممِ

أعيشُها لحظاتٍ جدُّ مؤلمةٍ =لأنني كنتُ عمَّا تكتمين عمي

وأنثني أشكرُ الأقدارَ أن كشفتْ =ما كنتِ تُخفين يا لأُضحوكة القيمِ

حماة 24-7-1973

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:46 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (19)




الرسالة الأخيرة *




تبرَّمتْ عندما حاولتُ ألثُمها =وعاتبتني بطرفٍ يقتلُ الأملا

أحببتُها منذ كانت طفلةً وكما =لقَّنتُها درسَها .. علَّمتُها الغزلا

وكنتُ أحلمُ أني سوف أملكها =متى تضرَّمَ فيها الحبُّ واشتعلا

حتى استوتْ غادةً ضجَّتْ أنوثتُها =يثيرُ في كلِّ نادٍ حسنها جدلا

ورفَّ في صدرها فرخا مطوَّقةٍ =تعانقا بعد نأيٍ يُلهبُ القُبلا

والثغرُ برعمُ وردٍ لو ظفرْتُ به =لاستغفرَ الله خوفَ الذنبِ وابتهلا

* * = * *
فقلتُ حسبكِ يا ريحانةً شربتْ =دماءَ قلبي .. ولم تترك به بَلَلا

عيناكِ ما رفَّتِ الأهدابُ فوقهما =إلا لتجعلَ مني في الهوى مثلا

عيناكِ أنشودتا وجدٍ عزفتُهما =على جراح فؤادي .. فانتشى جَذلا

ما السحرُ إلا رفيفٌ من لحاظهما =لو شامَ سحرهما " هاروت " لانتحلا

أو كنتِ في عصرِ " موسى " لارتجى بهما =لولا عصاه سلاحاً يلقفُ الدَّجلا

يا فتنةً لم تدعْ لي في الهوى سبباً =إلا وألفيتُ رسماً فيه أو طللا

أغرقتِني في بحار الشكِّ .. يصرعُني =وهمٌ زرعتُ على أمواجهِ أملا

* * = * *
عمري قصيدةُ وصلٍ يا مُذوِّبتي =يُعربدُ الشعرُ من صهبائها ثَمِلا

فقلِّبيها إذا ما شئتِ لاهيةً =أو فاحرقيها كما أحرقتِني مللا

إلى متى نقطعُ الأيامَ في سغبٍ ..؟=ونُبعدُ الكأسَ عن أفواهنا خجلا ..؟

إلى متى نحتسي أشواقَنا ألماً ..؟=نخشى الغوايةَ .. نخشى الطيشَ والزللا ؟

* * = * *
هذي نهايةُ أحلامٍ برِمتُ بها =مرَّ الخيالُ على ميلادها وَجِلا

غداً أعود إلى كهفي وأمسح ما =خطَّتْ يداكِ على جدرانهِ مُثُلا

حماة 28-6-1974


*هذه القصيدة من أقرب القصائد لقلب الشاعر

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:53 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (20)



صحوة الحب




ضجَّتْ قوافي الهوى في قلبيَ الضَّجِرِ =وجاءني الوحيُ في تسبيحةِ السَّحَرِ

ألقى عليَّ من التنزيلِ آيتَه =لحناً تُوقِّعهُ قيثارةُ القدرِ

فرحتُ أغزلُ من عينيكِ قافيةً =تلألأتْ في سماء الحبِّ كالدُّرَرِ

* * = * *
يا صحوةً قبل موتِ الحبِّ أحسبُها =دهراً طويلاً .. ولكن ليس من عُمُري

عرفتُ فيك الهوى الصوفيَّ ينقلني =لعالمٍ فوق هذا الكونِ مزدهرِ

نعمتُ فيه بإخلاصي وتضحيتي=بين الدموعِ وبين الخوفِ والحذرِ

أرنو إليكِ وفي عينيَّ ما عجزتْ =عنه الحروفُ من الأحلامِ والصُّورِ

أُحمِّلُ النظرةَ الخرساء ما حملت =جوانحي من لظىً في القلبِ مُستعِرِ

وكل رفَّةِ هُدْبٍ منك أحسبها =رسالةً تحمل الأشواقَ في خَفَرِ

* * = * *
يا قصةً في ضميرِ الغيبِ أكتُبها =بأحرفٍ من نداكِ المُسكرِ العَطِرِ

ما إنْ أفاقَ فؤادي بعد رقدته =حتى انبريتِ له بالسحر والخَدَرِ

فرنَّحتُه أفانينُ الهوى وغدا =يحيا على حُلُمٍ في الجفن مزدهر

إذا تجرَّأَ أن يهفو لفاتنةٍ=في غمرةِ اليأس من لقياكِ يا قدري

تشهَّد الشوقُ لم يشركْ بربَّتهِ=وسبَّحَ الوجدُ للأهدابِ والحَورِ

* * = * *
ومرَّ موسم عمري يا مُعذِّبتي =وحبُّنا لم يزلْ يقتاتُ بالنظرِ

فلا شبابيَ بعد اليومِ مؤتلقٌ =ولا قوافيْ الهوى تنسابُ في وتري

ذوى ربيعُ حياتي بعدما عصفتْ =رياحكِ الهوج في بستانيَ النَّضِرِ

ومرَّ نيسانُ أحلامي على عجلٍ =كأنه خائفٌ من صيفكِ الضَّجِرِ

فلا العنادلُ نشوى في خمائلهِ =ولا النسائمُ سكرى من لمى الزَّهَرِ

ولستُ أرجو شتاءً بعدما انقشعتْ =غيومكِ السود عن شمسي بلا مطرِ

كوني كما شئتِ إني لم أعدْ أبداً =للوهمِ .. للوجدِ .. للتسهيد .. للسَّهرِ

طالَ امتياحي بحورَ الشوقِ واهترأتْ =شباكُ حبيْ ... وضاعَ العمرُ بالسفرِ

حماة 28-8-1974

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 04:56 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (21)


شراع الخيال




يا شراعاً على السرابِ تهادى =أين تمضي وما وراء السرابِ

عُدْ بقلبي لشاطئِ الأمن إني =في بحار الأسى طرحتُ رِغابي

أنتَ أدرى بما لقيتُ وحسبي =يا شراع الخيالِ طول اغترابي

سوف أحيا بقيةَ العمرِ أبكي =في كهوفِ الظلام فجرَ شبابي

يوم أخلصتُ في هوايَ سنيناً =أسكب الوهمَ في كؤوسِ شرابي

وندامايَ صبوتي وحنيني =وانشغالي ولوعتي واضطرابي

أمضغ الهمَّ ، أشرب اليأسَ ، أحيا =في جحيم النوى ومُرِّ العتابِ

أتغابى عن الحقيقةِ حتى =لم يَعُدْ بالهوى يفيدُ التغابي

* * = * *
يا شراعَ الخيال حسبكَ أني =ضقتُ ذرعاً بموجكَ الصخَّابِ

قهقهاتُ العيون تسخر مني =في ضميري نفاذُها كالحرابِ

وهي في صمتها تودُّ لو انِّي=أصرف العمرَ في بحار العذابِ

* * = * *
يا شراعي وموج وهميَ يطغى =والأمانيْ تكفَّنتْ بالضبابِ

مزَّقتْ سترها فها هي تبدو=وهواها بألف ألف انقلاب

فاهجرِ البحر يا شراعَ الأماني =إنَّ قلبي يحومُ فوق الشعابِ

جفَّ ورد الخيال في الحبِّ حتى =لم تَعُدْ تورق المنى في رحابي

فإذا أحرفي النديَّةُ ظمأى =لسؤالٍ عن ريِّها وجوابِ

وتلفتُّ لم أجد غير كأسٍ=أفرغتْها الآلامُ ضمن كتابي

وصحا الوجدُ فالأماني ثكالى=نادباتٌ رؤايَ بعد اكتئابي

لم أعدْ أُشرِعُ الخيالَ وأمضي =ضائعَ السَّمتِ .. مُبحراً في العبابِ

فغداً تهدأُ الرياح وأعلو =بجناحيَّ فوق هامِ السحابِ
حماة 20-10-1974

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 05:12 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (22)


طريدةُ الوهم



اشكريني على غبائي فإني=كنتُ أعمى وقد غدوتُ بصيرا

كنتُ أعمى إذْ كنتِ أنتِ عيوني =كل شيءٍ عداكِ كان قشورا

كنتُ طفلاً يا دميتي دونَ عقلٍ =كان لهوي بك الأثير الأثيرا

غير أني أحسُّ حبَّكِ لكن =لا تحسِّينَ بي حبيباً أسيرا

أنتِ من أنتِ ؟ يا طريدةَ وهمي =أنتِ جرحُ الإباءِ صار مريرا

أنتِ صوت الغراب ينقر سمعي =كلما جئتُ كي أنام قريرا

أنتِ أشباح يقظتي ومنامي =صرتُ أخشى جنونها أن يثورا

أنتِ لؤمٌ وخسَّةٌ وصَغارٌ =بعدما كنتِ في ضميري ضميرا

* * * = * * *
فتنةٌ أنتِ ... ما عشقتُ هواها =فتنةٌ أصلتِ الفؤاد سعيرا

كم بروحي حدَّثتُها وأسرَّتْ =أضلعي حبَّها النديَّ الطَّهورا

كم عشقتُ السُّهاد فيكِ زماناً =أزرعُ الليل أنجماً وبدورا

كنتُ غرَّاً إذ كان حبُّكِ همِّي =أغتذي منه غبطةً وسرورا

وترعرعتِ تحت ظلِّي وعاشتْ =أمنياتي تخطُّ فيكِ سطورا

أقطف الذكرياتِ من كَرْمِ وهمي =ثم أملي كاس الغرامِ حبورا

أستقلُّ الرجاءَ .. أُشرعُ وجدي =مبحراً أحسب العسير يسيرا

قد سئمتُ الحياة خلف حدودٍ =وسئمتُ الترغيب والتحذيرا

لأُغنِّي للبحر أحلى نشيدٍ =يُرقِصُ الحورَ لحنُه والطيورا

ولهيبُ الجراح يشعلُ شوقي =فيضوعُ القصيدُ منه عطورا

* * * = * * *
يا ملاكاً أبى السجودَ لحبي =فهوى جاحداً أثيماً كفورا

كنتِ في أضلعي حناناً غريباً =وضياءً وخمرةً وعبيرا

كنتِ دفئاً أُحسُّه في عظامي =وصفاءً ورقَّةً وشعورا

كنتِ وحياً على لسان القوافي =كنتِ روحاً ... وكنتُ قلباً كبيرا

* * * = * * *
وتوهمتُ أنني كنتُ أعمى =وبعينيكِ قد رسمتُ المصيرا

فإذا الشوك في رياضكِ ينمو=يقتلُ الغَرْسَ والشَّذا والزهورا
حماة 23-12-1974

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 05:14 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (23)



لحنُ حبِّها الأخير



لا تسأليني إذا حطَّمتُ قيثاري =فلحنُ حبِّيَ لم تعزفه أوتاري

قضيتُ سبعةَ أعوامٍ أداعبها =بين الدموعِ سجيناً خلف أسوارِ

أعاقر الوهم حتى كاد يصرعني =بأكؤسٍ من حُميَّاه ... وأسراري

معطَّل الحسِّ إلا حين يجمعني =بكِ اللقاء ... فتندى كلُّ أزهاري

وأُسقط الوهم من محراب صومعتي =لمَّا أُرتِّل في عينيكِ أشعاري

وأستحمُّ بآمالي وأُرقصها =كرفرفِ النورِ فوق السلسلِ الجاري

كأنني ... ورؤى عينيكِ ترصدني =أنَّى رحلت بآفاقي " كرادارِ "

فراشةٌ من ظلامِ الليلِ جانحةٌ =إلى الضياءِ لتُشوى في لظى النارِ

* * * = * * *
يا قصةً لم يزل يبكي نهايتَها =سكبُ القوافي .. بمُنْهَلٍّ ومدرارِ

شوَّهتِ منها فصولاً كم غفرتُ بها =لكِ الذنوبَ .. وما أغفلتُ أوزاري

وكم وقفتُ بمحرابِ الهوى وجِلاً =أمام عينيكِ محفوفاً بأخطارِ

وأنت عني بنسجِ الصوف لاهيةٌ =وقد تعمَّدتِ إهمالي وإنكاري

وقد يطولُ وقوفي ثمَّ يدفعني =جوُّ السكون لأروي بعضَ أخباري

فتَبسمينَ كمن يهزا .. ويُخجِلُني =هذري .. ويُلجِئُني حُمقي لأعذاري

* * * = * * *
واليوم يا صحوةَ الآلامِ في كبدي =قتلتُ حبَّكِ عن عمدٍ وإصرارِ

وبتُّ أرقبُ فيه الحكمَ منفرداً =شهوديَ الدمعُ .. والآهاتُ أنصاري

لعلَّ شرعَ الهوى تقضي عدالتُه =بأنْ أُخلِّصَ من عينيكِ أقداري

ليزدهي أملٌ في ومضِ خاطرتي =وينتشي نغمٌ في لحن مزماري

وتنطفي حُرَقٌ أشعلتِها بدمي =وتنتهي في دنى عينيكِ أسفاري

فأحتسي خمرةَ الإلهامِ تنقلُني =لعالمٍ من صباباتي وأوطاري

وأُسكِرُ الليلَ تغريداً بقافيةٍ =عذراءَ فجَّرها عصفي وإعصاري

وحسبُ قلبيَ ما ودَّعتُ من شَجَنٍ =لا الوجدُ خمري ولا الأوهامُ سُمَّاري
حماة 5-1-1975

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 05:18 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (24)


أجنحةٌ في غَيهبِ القدر




صحوتُ عفوَ الهوى من سكرة العُمُرِ =لا الوجدُ خمري ولا جرحُ النوى وتري

ولا ندامايَ أحلامٌ مجنَّحةٌ =نَدَّيْتُها بدموع السهد والسهر

أنا الذي لم أدع للحبِّ صومعةً =إلا نقشتُ على محرابها سُوَري

وما عبرتُ صحارى الوجد محترقاً =إلا تطايرَ من كُثبانها شرري

وكم أثرتُ من الأشواقِ زوبعةً =صيفيَّةَ السُّحْبِ .. لم يهطل بها مطري

وفي كهوفِ ظلامي كم ضفرتُ له =جدائل النورِ إكليلاً من الصورِ

وطوَّقتْ أحرفي جِيد الجمالِ بما =نضَّدتُه من لآلي السِّحر في السَّحرِ

ولملمتْ أنمُلي دمع النجومِ فما =من دمعةٍ هطلتْ إلا على دُرري

حتى وصلتُ إلى بيداء موحشةٍ =إلا من اليأسِ ظلَّاً يقتفي أثري

أنَّى رحلتُ عيون الغدرِ ترصدني =وحيثما كنتُ ضاق الكون في نظري

ضيَّعتُ فجر شبابي في تألُّقه =أرنو إلى الزهر بين الشوكِ والحجرِ

فأحسد الشوك في سرِّي ويدفعني =حمقي لأقتلعَ الأحجار بالظُّفُرِ

وقد أعود إلى نفسي أعاتبها=وهناً .. وأصلبُ إحساسي على الفِكَرِ

موزَّعُ القلب لم أظفرْ بمؤنسةٍ =يوماً تسائلُ دفءَ الحرف عن خبري

كأنني ما عزفتُ الشوقَ أغنيةً =عذراءَ رنَّحتِ الأنسامَ من سَكَرِ

وما أسلتُ شجوني نهرَ قافيةٍ =ينسابُ عاطفةً في روضيَ العَطِرِ

وما نشرتُ على الشطآنِ أشرعةً =مزَّقتُ آخرها في وحشة الجُزُرِ

وجئتُ بالشيب والإخفاق .. يحملني =موجُ الندامة في دوامةِ السفرِ

تقتاتُ من جَلَدي أشباحُ ذاكرتي =وترتوي من دمائيْ فضلةُ العُمُرِ

لكنَّني ضقتُ بالأيام أقطعها =لا الوجدُ خمري ولا جرحُ النوى وتري

فعدتُ أنسج تحت الليل أجنحةً =غداً سأطلقها في غيهبِ القدرِ حماة 12-2-1975

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 05:21 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (25)



من وحي مهرجان أبي الفداء




أغفتْ على ساعد الأقدارِ حالمةً =تصبي الزمان بما يُغري ويُصبيها

كأنَّها غادةٌ ضجَّتْ لفتنتها =كل البلاد وودَّتْ لو تُجاريها

لكنَّها وليالي الأنس عامرةٌ =حيناً .. وحيناً تعاني من لياليها

ترفَّعتْ وسمتْ عن كلِّ شائنةٍ =وباتَ يروي جذورَ المجدِ " عاصيها "*

كانتْ ولمَّا تزلْ مهدَ الجمالِ على =مرِّ العصور وصرحاً في تعاليها

تظلَّمَ السِّحرُ لمَّا أن رأى عَجَباً =من سحر فتنتها .. من طيب أهليها

وازورَّ يندبُ حظاً عاثراً عجزتْ =منه الطلاسم في حسنٍ تباهيها

فللنَّواعير أذكارٌ مموسقةٌ =ترقى إلى الله من محرابِ واديها

تستقبل الشمس تحناناً بأدمعها =حتى إذا غربتْ ناحتْ سواقيها

وللصباح تثنٍّ في خمائلها =وللمساء هيامٌ في روابيها

والطيرُ تصدح والأفنان راقصةٌ =مع النسائم تصبيها وتشجيها

فاستلهمِ الوحيَ من محراب عزَّتها=ومتِّعِ الفكرَ في دنيا نواديها

واستوحِ ما شئتَ من آياتِها سوراً =واستنطقِ الصخر ينطقْ بالفدا فيها

واجلسْ إلى " الدهشة "* الممراحِ مستمعاً = لقصةٍ عن " بني أيوب " ترويها

هنا بنينا صروح المجد في زمنٍ =كانت يد الغدر تمضي فيه تشويها

هنا على ضفة العاصي سما علمٌ =عاشتْ حماة بها نُعمى أمانيها

ألقتْ إليه مقاليد الأمور بما =يُرضي العلى والندى والمجد يجريها

" أبو الفداء " " عماد الدين " فانكفئي =يا عصبة الشرِّ قد سلَّتْ مواضيها

ولينقشعْ مدلهمُّ الليل عن بلدي =فالعلم والنور فيضٌ من أياديها

حنا على الفكر كالأجفان يحرسه =بكل ثاقبةٍ في الرأي يُدليها

وأرهفَ السيف باسمِ الله فانتزعتْ =روحٌ ..وروحٌ به قد راح يُحييها

" أبو الفداء " فغنِّي يا عُلى طرباً =وزغردي يا جراحي في الحِمى تيها

* * * = * * *
هلَّا أقمتمْ له صرحاً يُذكِّركم =بباذخِ المجدِ يا أحفادَ ماضيها

هلَّا وقفتم سويعاتٍ بحضرته =تستلهمون فنوناً من معانيها

هلَّا أفضتمْ إليه كلما ازدحمتْ =مصائبُ الدهر واربدَّتْ دياجيها

قضيتُ سبع مئينٍ في تذكُّره =أسامر البدر والأمواهَ تمويها

لكنني وفؤادي دائرٌ أبداً =يسقي الحياة رحيق الحبِّ ترفيها

أقول والدمع يروي قصةً عجباً =لمَّا يزلْ ثأرُنا في القدس يمليها

حتى نُعِدْ لهمُ " حطين " ثانيةً =فيوم " تشرين " بعضٌ من تساميها

* * * = * * *
لبيكِ .. لبيكِ .. يا " أمَّ الفدا " وصحتْ =منابرُ العزِّ .... واهتزَّتْ نواحيها

وقام كلُّ بليغٍ ماردٍ لَسِنٍ =يروي مآثرَ حاميها وحاديها

من كلِّ حدبٍ إلى " أمَّ الفدا " وفدوا =فلليراع بها همسٌ يُناغيها

وللقوافي على قيثارها نغمٌ =كأنَّ " داود " يشدو في معانيها

هذي الحضارة من كشفٍ ومخترعٍ =لولا العروبة لم تسطعْ دراريها

نحن الهداة وقرص الشمس موردنا =وهم ظلالٌ لنا نجري فَنُجريها

ما غيَّر الدهرُ منا شيمةً عُرِفتْ =نحن الصفيُّون للأخلاق نعليها

والدهر ملعبنا لم نخلِ ساحتَه =إلا لنوسعَ فكرَ الكون توجيها

فإن بغوا باسمها حيناً بلا رَشَدٍ =فللحضارة فينا ما يُعزِّيها

* * * = * * *
أستغفر الله يا " أمَّ الفدا " أَبِقتْ =مني الحياةُ .. وحسبي لا أداجيها

فاستغفري الله لي يا جنَّتي فأنا =شادٍ على الأيكِ أشعاري أُغنِّيها

واسلَمْ على شفةِ التاريخ يا وطني =أغرودةً تُسكر الدنيا ومن فيها
حماة 1-12-1974


* العاصي .. نهر يشطر مدينة حماة
وتقوم عليه عشرات النواعير
* الدهشة .. اسم الناعورة التي تجاور
ضريح أبي الفداء

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 05:28 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (26)


ساحرةُ الدمى



وهواكِ ما ملكَ الفؤادَ سواكِ =حسبي من الدنيا نوال رضاكِ

سبعٌ من السنواتِ أحلم بالمنى =أهفو إليك وأكتوي بلظاكِ

أحرقتُ أيامي على قدمِ الهوى =فرضيتُ ذلِّي تحت عرش علاكِ

وجعلتُ سري في هواكِ مطيَّةً =وسخرتِ مني إذْ بلغتِ مناكِ

لا يا ملاكَ الطهرِ لستُ مغفَّلاً =فدعي غروركِ لستِ أنت ملاكي

ما كنتِ إلا الوهم لفَّ مشاعري=زمناً .. وأسلمها لزيفِ هواكِ

فغدوتُ أخلص ما يكون متيَّمٌ =يهتزُّ من طربٍ لوقعِ خُطاكِ

ويغارُ من كفَّيكِ لو مسحا على =خدَّيكِ أو مسَّتهما شفتاكِ

ومن الوسادة في سريركِ تنتشي =بالطيب يغمرها نديُّ شذاكِ

وأخاف ألسنةَ الوشاةِ فأنثني =لأَردَّ طرفي عنكِ حين لقاكِ

* * * = * * *
يا جنَّةَ الأحلام تزرعُها المنى =ألقاً .. ويظلمها طويلُ نواكِ

نَضبتْ أمانيَّ العِذابُ فليس لي =أملٌ بوصلِكِ وارتشافِ لماكِ

وغدتْ خيوط الوهم تنسج قصتي =شعراً يصوغ من الحروفِ حلاكِ

فأنا " وأوهامي وفيضُ مشاعري =ورقيقُ إحساسي وبُعْدُ جناكِ "

أُلعوبتانِ بكفِّ ساحرة الدُّمى =تتواثبانِ على شفيرِ هلاكِ

لمَّا رأيتُهما على شفة الردى =تتأرجحانِ بلحظكِ الفتَّاكِ

آليتُ ألا يستخفَّ بيَ الهوى =ويطير بي شوقي إلى الأفلاكِ

وخشيتُ من نار الصدودِ على غدي =وأنا على وشكِ الصدودِ أراكِ

فكسرتُ قيثاري وجئتكِ أعزلاً =إلا من الآهاتِ عند جفاكِ

لأقولَ .. والآلامُ تسحق أضلعي =كذَبتْ عليَّ كعهدها عيناكِ
حماة 4-1-1974

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 05:30 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (27)




أصيلُ العمر





ودَّعتُ أيام الشباب الغالي =وصحوتُ يحرقني لظى آمالي

ضيَّعتُ أحلام الحياة رعونةً =آلتْ حلاوتها لسوء مآلِ

فجنيتُ أشواك الورود بأنْمُلي =وغنمتُ أصدافاً بغير لآلي

وحملتُ أوراق الشقاء بخافقي =وفتلتُ من نَزَق الغرور حبالي

ونسجتُ من غَزْل الخيال مطارفاً =ولبستها بتأنقٍ ودلالِ

وبحثتُ عن ألق الحقيقة لم أجدْ =إلا الضلالة والضباب حيالي

فطويتُ أسفار المعارف يائساً =وفتحتُ سفر الجهل بعد ضلالي

ومضيتُ أحلم بالسعادة والمنى =فغرقتُ بالآثام والأوحالِ

* * * = * * *
ولكم وقفتُ أمام نفسيَ حائراً =مستسلماً لندائها المتوالي

فرأيتُني أجتاح كلَّ عظيمةٍ =وأصدُّ كلَّ ملمَّةٍ بفعالي

أتقحَّمُ الأخطار .. أهزأُ بالردى =لترفَّ في أفق النضال ظلالي

حتى كأنِّي - والحوادثُ جمَّةٌ -=هدفُ الزمان وساحةٌ لقتالِ

أبداً يُسدِّدُ للفؤاد سهامه =حتى تعودتِ الخطوب نزالي

ألفَتْ وجودي في منازلِ غدرها =رجلاً على الأحداثِ غيرَ مبالِ

فتراجعتْ عني لترجعَ كَرَّةً =أُخرى .. وقد كسر الزمانُ نصالي

* * * = * * *
عمري سنا برقٍ تألَّقَ واختفى =بظلامِ يأسي بعد طول نضالي

ما مرَّ بي يومٌ تبسَّمَ فجرُه =إلا بكيتُ عليه خوف زوالِ

إني ليَحْزُنني فراق أحبَّتي =نزقِ الشبابِ وصبوتي وجمالي

ورفيفِ أحلام الطفولة والصِّبا =وبزوغِ آمالي بأفق خيالي

وجموحِ أفكاري وفيضِ مشاعري =ورقيقِ إحساسي وظُرفِ مقالي

لكنَّ لي كبداً تحنُّ وخافقاً =أبداً على الأيام ليس بخالِ

حمل الهوى والطهر تحت شغافه =ما كان يكذبُ في الهوى ويُمالي

واليوم .. والألم الممضُّ يهدُّني =وعجينتي رجعتْ إلى صلصالِ

قاربتُ سنَّ الأربعين فهامتي =جرداءُ .. إلا من رفيف ظلالِ

سكنتْ سفوح الرأس تحضن قمةً =كرسوم أهل الكهفِ .. كالأطلالِ

رجعتْ إليَّ تنوشني بنيوبها =ولظى الهموم أتى على سربالي

جفَّتْ ينابيعُ العطاءِ ورجَّعتْ=برياضِ عمري جوقة الآصالِ

وإذا بصحراءِ الفناءِ تلوح لي=ويضيعُ فيها موسمُ الآمالِ
حماة 22-7-1972

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 06:00 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (28)


موسم العمر




حطَّمتُ في قسوةِ الأقدار قيثاري =من بعد ما قطعتْ باليأسِ أوتاري

ورحتُ أعزف ألحان الشقاء على =أعصاب قلبي وإحساسي وأفكاري

كأنني لم أكنْ بالأمسِ عن ثقةٍ =أغزو الحياةَ بإيمانٍ وإصرارِ

ولم تكنْ جذوة الآمال تُلهبني =فأقطع اليأس مجتاحاً كإعصارِ

حتى وصلتُ إلى صحراءَ قاحلةٍ=إلا من الوهمِ ينمو بين أخطارِ

أعيشُ فيها وحيداً لا أنيس معي =يرمي بيَ الخوف في دَيْجور أغواري

ضاعتْ معالم دربي في عواصفها =فأينما سرتُ يمحو الشكُّ آثاري

زرعتُ في رملها الآمالَ فاحترقتْ =وأينع اليأس في أعماق أسراري

وعشتُ عمريَ أشقى في مجاهلها =أحيا على برقِ أحلامي وأوطاري

أفنيتُ فيها شباباً زاخراً أَلِقاً =ولاح زحفُ مشيبي دون إنذارِ

حتى طلعتِ وفي عينيكِ نبعُ هوىً =فاعشَوْشَبَ الرمل من سحبي وأمطاري

وغرَّدتْ في ضميري كلُّ ساجعةٍ =من الأماني على ألحان مزماري

يا مرحباً بالهوى العذريِّ يحملني=على جناحيْ خفوقٍ حالمٍ ساري

أحنو عليكِ .. ودنيا السعد تُغرقني =من وهجِ عينيكِ في أمواج أنوارِ

وأنتشي بالشفاه البكرِ تسكبُ لي =خمرَ الوصال وتغفو عنكِ أقداري

فأُسكرُ الكون تغريداً ويُسكرني =منكِ الحديثُ .. ويروي الليلُ أخباري

* * * = * * *
يا غادةً في رياض الحبِّ لاهيةً =أخشى عليكِ - وقد أسرفتُ - من ناري

أخشى عليكِ ضياعي بعدما نبتتْ =أشواكُ حبِّكِ في بستان أزهاري

وغاضَ كوثرُ إلهامي وما رويتْ =أحلامكُ الخضرُ من ينبوع أشعاري

ومرَّ موسمُ عمري كالسراب وما =جنيتُ منكِ سوى همِّي وأوزاري

كأنَّني ما سكبتُ القلبَ أُغنيةً =عذراءَ في نغمٍ كالسحر معطارِ

رفَّتْ على شفتيْ قيثار عازفها =ألحانُها البِكرُ تُحيي ليلَ سمَّارِ

وأنتِ في عبثِ الأطفالِ لاهيةً =عني .. وحسبكِ أنْ حطَّمت قيثاري

حماة 23-4-1973

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 06:05 PM
المصدر
ديوان صراخ الجحيم
رقم القصيدة (29)


غرق



أغرقيني في بحرِ عينيكِ ظلماً =ما أُحيلى الفناءِ في مقلتيكِ

وادفنيني في عطر نهديكِ عطفاً =أعشقُ الطيب في حمى نهديك ِ

واحرقيني بنارِ خديكِ جَوْراً =لستُ أخشى اللهيب من وجنتيكِ

وابعثيني من بعد خلقاً جديداً =طفلَ حبٍّ أغفو على ساعديكِ

ثم جودي عليَّ بالعفوِ وامضي =بي لدارِ الخلود بين يديكِ
حماة 20-7-1972

عبدالسلام زريق
01-28-2011, 06:08 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (1)


نداءُ الرميمِ



في جحيمي عصرتُ خمرَ كُرومي =وجعلتُ الرَّجاءَ حانَ همومي

في جحيمي شربتُ حتى تهاوتْ =أنجمُ السَّعدِ والمُنى كالرُّجومِ

في بروجِ الخيالِ والكونُ حولي =ذكرياتٌ من الصراخِ الأليمِ

خمرتي شَهقَةُ النَّهارِ وكأسي =ومضةُ الفكرِ والظلامُ نديمي

لو تَراني لبستُ ثوبَ عناءٍ =أو تَراني خلعتُ ثوبَ جحيمي

ذاكَ أنِّي قضيتُ عُمريَ أَشقى =في صحارى الضَّياعِ مثلَ رجيمِ

* * *=* * *
قد حملتُ الأسى لِأَملأَ كأسي =من نعيمِ المُنى فغاضَ نعيمي

فتَوجهتُ للسَّماءِ بروحي =أسألُ اللهَ ساجداً في وُجومِ

وتَعالى الصُّراخُ يملأُ سمعي=من ضَميري حتى عَرفتُ كليمي

وتجاهلتُ ما جرى من حديثٍ =بين رُوحي وخافياتِ كُلومي

وصحا الفكرُ فالأمانيُّ غَرقى =في بحارٍ من الشَّقاءِ المُقيمِ

* * *=* * *
أيُّها السامعونَ صوتَ ضميري =من دمائي أَخْصبتُ محلَ كُرومي

مزَّقتْني أنيابُكمْ فدعوني =أُعمِلُ النَّابَ مرةً في خُصومي

لا تخافوا الجراحَ ليسَ بنابي =أيُّ سُمٍّ إنِّي طرحْتُ سُمومي

لستُ منكم إنِّي غسلتُ ضميري =بدموعي على ضفافِ النُّجومِ

فغدا السمُّ بين جنبيَّ شهداً =في خلايا فؤادِ صبٍّ رَحيمِ

إنَّني أسكبُ الضياءَ لغيري =وكؤوسي مملوءةٌ من حميمِ

فتعالَوا لتشربوا النُّورَ هذا =أولُ الغيثِ من سحابٍ عَميمِ

لا أُبالي إذا قَضيْتُ ضياعاً =خلفَ وَهمي من الخِداعِ الذَّميمِ

سوفَ يصحو على النداءِ أناسٌ =بعد مَوتي يباركونَ رميمي

د.حواء البدي
01-28-2011, 08:49 PM
عمل عظيم أخي عبد السلام
http://www.mooode.com/data/media/188/1586_1166561614.gif

شكرا لأنك أحضرت قامة سامقة
الشاعر محمد الحسن منجد
شاعر غزير الحرف
بركاني الإحساس
جميل المشاعر
وحسن النبض

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 04:26 PM
عمل عظيم أخي عبد السلام
http://www.mooode.com/data/media/188/1586_1166561614.gif

شكرا لأنك أحضرت قامة سامقة
الشاعر محمد الحسن منجد
شاعر غزير الحرف
بركاني الإحساس
جميل المشاعر
وحسن النبض


السلام عليك
الأخت الفاضلة الشاعرة د.حواء البدي
أشكر مرورك الكريم .. كوني في القرب
هو شاعرٌ تجاهله الإعلام وهو صديقٌ مقربٌ
أعتز بصداقته ومن حقه علينا أن نحتفي
بإنجازه الشعري
دمت برعاية الله
تقديري واحترامي

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 08:55 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (2)


كبريــاء



ذوِّبي النورَ واسكُبيهِ بكأسي =واسفحيهِ على حجارةِ رمْسي

ربما يُسكِرُ الضياءُ رُفاتي =ويحيلُ الجحيمَ واحةَ أُنسِ

ربما تُبعتُ الحياةُ بقلبي =من جديدٍ وينقضي ليلُ يأسي

ربما يولدُ القريضُ ويصحو =عبقرُ الشِّعرِ في قرارةِ نفسي

ربَّما .. ربَّما .. وألفُ نداءٍ =يجرحُ الصمتَ مُستهيناً بأمسي

وأنا صرخةُ الإباءِ وكِبْرٌ =وتحدٍّ على معارجِ شَمسِ

لم أزلْ نازفَ الجراحِ أُربِّي =ذكرياتي على دموعِ التَّأسِّي

أَذبحُ الخوفَ أحرقُ الوجدَ أُوريْ =من زنادِ الهمومِ شُعلةَ بأسي

في صخورِ الشقاءِ أُعمِلُ فأسي =لا أبالي بما يحطِّم فأسي

تَتنزَّى على الأديمِ جِراحي =في صباحٍ وتكتوي حين أمسي

والضَّبابُ الذي يلُفُّ حياتي =يَلْبِسُ الأمرَ خلَفه أي لَبْسِ

فأراني على رَهافةِ حِسِّي =أقطعُ العمرَ هائماً دون حِسِّ

وكأنَّ الدماءَ تجري ببطْءٍ =في عروقي تجتازُها دون لَمسِ

يا دمائي وأنتِ نسغُ حياتي =وحياتي على هوامشِ طرسِ

كيف أحظى بالأمنياتِ ونفسي =في شموخٍ وفي المجرَّةِ رأسي

كلُّ شيءٍ في مقلتيَّ صغيرٌ =وكبيرٌ تَملُّقي كلَّ جِبْسِ

وكبيرٌ أن أشتري بضميري =أمنياتي أو أنْ أُباعَ بفِلسِ

كلُّ ما في الوجودِ مَحْضُ ترابٍ =يتوارى في جَوفهِ كلُّ رِجْسِ

أيُّها اللاهثونَ خلف النَّفايا =أيُّها الغارقونَ في كلِّ بَخْسِ

أيُّها الكافرونَ شعري مرايا =تكشِفُ اليومَ كلَّ أصفرَ وِرْسِ

أتحداكُمُ فهل من مجيبٍ =للتَّحدي بل أينَ فارسُ عَبْسِ

أين صوتُ السيوفِ يُرهِفُ سمعي =تتعالى ألحانُها فوقَ تُرسي

ما ألذَّ الجراح تهمي إباءً=تسكبُ النورَ في مشاتلِ غرسي

فإذا الحقلُ أنجمٌ زاهرتٌ =وإذا الصوتُ صرخةٌ بعد هَمْسِ

* * *=* * *

يا نداءً من الوجومِ تَعالى =وزغاريدَ أعلنتْ حفلَ عُرسِ

أينعَ الغرسُ واستُجيبَ دعائي =وتوارتْ في الأُفْقِ أَنجمُ نحسي

بُشرياتٌ من عالمِ الغيبِ تَترى =ناطقاتٌ بأَلسُنٍ منهُ خُرسِ

صوتُها يوقظُ المَواتَ بقلبي =ويحيلُ الجحيمَ واحةَ أُنسِ

قد أبَلَّ الرجاءُ بعد سقامٍ =وتغنَّى الهزارُ من بعدِ يأسِ

هكذا تُبعثُ الحياةُ فهيَّا =ذَوِّبي النورَ واسكُبيهِ بكأسي

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 08:58 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (3)


شُلَّتْ يَميني



كتبها الشاعر عند بتر ساقي شقيقه
الأصغر"غازي" وكان عمره ثمانية
عشر عاماً إثر حادث أليم عام 1976




شُلَّتْ يميني فلمْ تُعقدْ لزْنَّاري =إذ وقَّعتْ يا ضِيا عَيْنيَّ إقراري

خُيِّرتُ فيكَ ولم أخترْ فأَحرجني =قولُ الطَّبيبِ على عمدٍ وإصرارِ

وقَّعتُ باسميَ أوراقاً لوَ انَّ بها =روحاً أحسَّتْ لَظى الإحراقِ من ناري

وقَّعتُها وبودِّي لو أمزِّقُها =كما تمزَّقَ قلبي عندَ إنذاري

كم كنتُ أعشقُ توقيعي أنمِّقُه =على الطُّروسِ بإجلالٍ وإكبارِ

به تقاضيتُ آلافاً مؤلَّفةً =خلالَ عشرينَ تدريساً لأَطهارِ

كم من رسائلِ حبٍّ كنتُ أكتبُها =ومن قصائدَ ضمَّتْ كُلَّ أسراري

ذيَّلتُها بتواقيعي مؤنَّقَةً =خلَّدتُ فيها أحاسيسي بأشعاري

واليومَ أمقتُ توقيعي لأنَّ به =سلَّمتُ ساقيكَ وا تعسيْ لبتَّارِ

* * *=* * *

قالَ الطبيبُ تخيَّرْ في أخيكَ وفي =ساقَيْهِ واحكمْ ولا تجنحْ لأعذارِ

فاتَ الأوانُ فماذا كان يشغلُكُمْ=عن المجيءِ به في نصفِ أيَّارِ

قلتُ : الطبيبُ مساءَ السبتِ أنذرني =ألا أسيرَ بهِ لو بضعَ أمتارِ

دمشقُ : ماذا بها ؟ سلْها لقد شهدتْ =أنِّي المُجلِّي ولن تسطيعَ إنكاري

غداً يعودُ على ساقيهِ مُنتصباً =هذا اختصاصي ولم أُلحقْ بمضماري

لكنَّه عادَ بعدَ الشَّوطِ مُرتدياً =يومَ الثلاثاءِ ثوبَ الخِزيِ والعارِ

إلى المواساةِ* أسرعْ في أخيكَ وخُذْ =هذي الرسالةَ فيها كلُّ أوزاري

كذا قضى اللهُ في ساقَيْهِ فامضِ به =إلى دمشقَ ولا تعبأْ بأسفارِ

* * *=* * *

فضَّ الرسالةَ "يحيى"* وهو متلمِسٌ =عُذراً لمُستهتِرٍ بالطبِّ جَزَّارِ

وراحَ ينظرُ في ساقَيْ أخي وعلى =شفاهِهِ دونَ نُطقٍ ألفُ إشعارِ

لا بدَّ من بَترِ ساقيهِ بلا جَدلٍ =جلَّ المُصابُ وهذي حكمةُ الباري

* * *=* * *

وجاءني الصحبُ والآلامُ تطحنُني =يحاولونَ بُعيْدَ البترِ إخباري

الحمدُ للهِ .. تَمَّ البترُ فامضِ إلى =سريرهِ بفؤادٍ جدِّ صبَّارِ

سلِّمْ عليهِ ولا تُظهِرْ لهُ ألماً =واحبسْ دموعَكَ كالصِّديقِ في الغارِ

* * *=* * *

وأقبلتْ نسمةٌ عذراء صافيةٌ =كأنَّما الوحيُ في أعطافِها سارِ

دخلتُ والبسمةُ الحَيرى تؤنِّبُني =وتُنذرُ الصَّمتَ في صدري بإعصارِ

أحرقتُ سيلَ دموعي وانحنتُ على =سريرهِ وأمامي ألفُ تَذكارِ

بالأمسِ كانَ على ساقَيهِ يرقُصُ لي =والأهلُ من حولهِ أطواقُ أزهارِ

أمي أبي .. أخوتي .. عمِّي .. وزوجتُه =أبناءُ عمِّي .. وأخوالي .. وأصهاري

في كلِّ يومٍ لهمْ في البيتِ أُمسيةٌ =أبهى من الزهرِ في أحضانِ آذارِ

أبي يغنِّي وأمي تَنْتشي طَرباً =تُخْزي العيونَ بإعلانٍ وإسرارِ

"غازي": وألفُ صلاةِ اللهِ يا ولدي =على النبيِّ يليها فيضُ أذكارِ

* * *=* * *

هذا الشريطُ الذي لا ينتهي أبداً =مدى الحياةِ غدا يَحتلُّ أفكاري

إنْ زارني النومُ لا أغفو على حُلُمٍ =إلا رأيتُ أخي ما بينَ أخطارِ

يواجهُ الحادثَ المشؤومَ وا لَهَفيْ =عليه ينزفُ ملفوفاً بأطمارِ

فيهربُ النومُ مذعوراً ويتركُني =لِمَا أعانيهِ في أغوارِ أغواري

* * *=* * *

أنا الذي بُتِرتْ ساقاهُ ليسَ أخي =ودُقَّ في نعشِ موتي ألفُ مسمارِ

إيهٍ أخي .. يا جراحاً أجهدتْ كَبِدي =وجمرةً أحرقتْ لحني ومزماري

ودَّعتُ كلَّ أغاريدي التي سَلَفَتْ =وبِتُّ أمقُتُ أوتاري وقيثارتي

قد كنتُ آسو جراحاتِي أضمِّدُها =بالصَّبرِ حيناً وأحياناً بسُمَّارِ

حتى إذا الغيبُ وافاني بما صَنَعَتْ =كَفُّ المقاديرِ تُعشي نورَ أبصاري

تذرَّعَ القلبُ بالصَّبرِ القتيلِ على =ضفافِ جُرْحٍ عديمِ الشطِّ نغَّارِ

ورحتُ أحفرُ قبري ثم أردُمُه =وقَلَّمَ الحفرُ إثرَ الحَفرِ أظفاري

وعُدتُ أَحملُ آلامي مجسَّدةً =في بترِ ساقَيْ أخٍ كاللَّيثِ زآرِ

تجرَّعَ الموتَ في المشفى وجَرَّعني =مرارةَ الصمتِ في يَحمومِ أقداري

حتى وصلتُ به وادي حماةَ وقد =أَحسستُ أنِّيَ مجروفٌ بتيَّارِ

أمي التي لم تزلْ في البيتِ قابعةً =ماذا أقول لها ؟ يا شؤمَ أخباري

ووالدي وجميعُ الأهلِ إذْ حَسِبوا =أنِّي رَجعْتُ بإكليلٍ من الغارِ

تَرقبونيَ شهراً تَستحمُّ بهِ =آمالُهم بين تصديقٍ وإنكارِ

ما أهونَ الموتَ يَطويني على عَجَلِ =وما أشقَّ دُخولي ساحةَ الدارِ

وانشقَّ عن صدرِ أمِّي الثوبُ واندفعتْ =نحوَ السَّريرِ بثديٍ غيرِ درَّارِ

قد جفَّ من لَهَبِ السَّبعينَ فاغتنمتْ =هذا اللقاءَ لتَرويْ النَّارَ بالنارِ

*المواساة .. من أهم مشافي العاصمة دمشق
*يحيى .. الطبيب يحيى حمادة الخيَّاط

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:03 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (4)



أَفقْ أسرِجْ مُسوَّمةَ القوافي


في رثاء الشاعر السوري
الكبير بدوي الجبل




عشقتَ الأرضَ تفترشُ الترابا=فغادرتَ الأحبَّةَ والصِّحابا

وكنتَ إذا همستَ بأيِّ حرفٍ =عَلَوتَ الشمَّ واجتَزتَ السَّحابا

أشاقَكَ أن ترى شوقي أميراً =وحافِظَ يسترِدَّانِ الشبابا

يُديرانِ الكؤوسَ على النَّدامى =وقد حسُنوا بمجلسِهِمْ مآبا

أشاقكَ للصِّحابِ هوىً قديمٌ =فخلَّفتَ الشواطئَ والعُبابا

ترتِّلُ بينهم آياتِ فنٍ =تُصفِّي السِّحر تنشرُه كتابا

وتكتبُ ألفَ ملحمةٍ وتُصغي =لصوتِ اللهِ يخترقُ الحجابا

فهل تبكيكَ قافيتي لأنِّي =أخافُ على القريضِ رؤىً كِذابا

أمَ انِي خِفتُ أن تَلِدَ اللَّيالي =عقاربَ تُرسلُ السُّمَّ انسكابا

تحاولُ أن تُعَشِّشَ في المغاني =تُسمِّمُ شهدَها الحُلوَ المُذابا

وتلدغُ باليراعِ إذا تعرَّتْ =عروسُ الشعرِ تَمتلكُ اللُّبابا

نبيَّ الحرفِ كنتَ لنا إماما =تصلِّي بالأصيلِ وقد أنابا

إذا نُصبتْ خيامُ القومِ جئنا =عُكاظَ الشعرِ نقتحمُ الشِّعابا

نُحكِّمُ بيننا البدويَّ شعراً =ونابغةَ القريضِ بما استطابا

وما سُمِّيتَ بالبدويِّ إلا =لأنَّ الشعرَ شرَّفكَ انتسابا

أعيبٌ أن نسيرَ على خيولٍ =ونعقِدُ فوقَ هامتِنا النِّقابا !!

* * *=* * *

هنالكَ في المعرَّةِ عاشَ أعمى =يظلُّ الغربُ يدرسُهُ انكبابا

على قَشِّ الحصيرِ ببعضِ قوتٍ =أقامَ الكونَ أَقعدَه اخْتلابا

قبابُ الشعرِ يسكنُها المَعرِّي =فلِمْ عابوا الأصالةَ والقِبابا

* * *=* * *

حملنا في الصدورِ هوىً قديماً =فكنَّا النَّسرَ حلَّقَ والعُقابا

وجدَّدناهُ مضموناً وشكلاً =وأفكاراً وألحاناً عِذابا

وجاؤوا بالجديدِ بألفِ لونٍ =وقد جَهِلوا الحقيقةَ والصَّوابا

أصابَهُمُ عمى الألوانِ حتى =رأوا ألوانَ مَحتدِهم سَرابا

يعيبونَ الأصالةَ في القوافي =وما ادَّخروا الشتائمَ والسُّبابا

فقالوا: أكثر الشعراءِ حبَّاً =قديم الشعرِ أوسعهم رحابا

وظنُّوا العيبَ في حبِّي تراثاً =بأوردتي يسيرُ ولن أُعابا

وكلُّ العيبِ في شَطَطٍ سخيفٍ =ضبابيٍّ لقد عَشقوا الضبابا

حنانَكَ أَعطني ناياً قديماً =لأُسمِعَهمْ به العَجَبَ العُجابا

* * *=* * *

أبا الشعراءِ أشرقَهم بياناً =وأسلسَهُمْ وأبلغَهمْ خِطابا

عزفتَ الحبَّ أشعاراً تَسامى=لقد صنعَ الخلودُ لك الرَّبابا

تذوبُ بضحكةِ الأطفالِ لحناً =وقافيةً تُدلِّلُها انسكابا

أَدِرْ صهباءَ خالِقةِ القوافي =على السُّمَّارِ وانتظرِ الجَّوابا

* * *=* * *

فإن شَربوا فقد بَلغوا الأماني =وإن سَكِروا فقد نِلنا الثوابا

نَزيلَ القبرِ يا قمراً تولَّى =ليسطَعَ لم يُطِقْ أبداً غِيابا

تزوَّدْ بالقريضِ ليومِ حشرٍ =وقلْ يا ربّ لم أحفظْ كتابا

سوى القرآنِ والغُررِ اللواتي =أتيتُ بهنَّ أفْتَتحُ الحسابا

لقد خلَّفتُ أنهارَ القوافي =لأهلِ الفكرِ تَرويهم شرابا

سكبتُ لهمْ دمائي من يَراعٍ =لغيركَ ما تبتَّلَ أو أَنابا

تطاولَ فاستَرقْتُ السمعَ فيه =بأمركَ لم يَجِدْ رَصَداً شِهابا

تركتَ لهُ سماواتِ المعاني =مُفتَّحةً فطافَ بها وآبا

يصوغُ عُقودَ حاليةِ القوافي =ويكشفُ عن بصيرتيَ الحِجابا

فجاءَ بكل خالقةٍ وكنزٍ =ونبعُ السِّحرِ يرفدُها انسيابا

على أزهارها " فيروزُ" رَفَّتْ =تمصُّ العطرَ تسكبُهُ رِضابا

وما طَرَبُ الأريبِ لسحرِ صوتٍ =إذا لم يغْنَ من كَلِمٍ مَلابا

* * *=* * *

نديَّ الحرفِ في كَبِدي التهابٌ =فهل يُشفي الرِّثاءُ بها التهابا

يَراعُكَ صيغَ من أَلقِ الدَّراري =فشَبَّ على مدارجِها وشابا

فكانَ الماردَ العملاقَ يمضي =ليكشِفَ عن وجوهِهِمُ النِّقابا

يُعرِّي الساترينَ بألفِ ثوبٍ =عيوبَهُمُ ويُنذرُ من تَغابى

وكم حشدوا لهُ قلماً هزيلاً =فكان التَّبْرْ* وانقلبوا تُرابا

* * *=* * *

أفقْ أسرِجْ مُسوَّمةَ القوافي =وهاتِ السيفَ واتَّرِكِ القِرابا

(نُجابهُ باليهودِ دماً وناراً) =فنسحقُهم ونتركُهم يَبابا

(سحقْنا الغاصبينَ فلا ذهاباً =نرى للغاصبينَ ولا إيابا )

بِطاحُ القُدسِ دنَّسَها لئيمٌ =وأَمعنَ في محارمِها خرابا

مآذنُه تعانِقُ في الأعالي =نواقيسَ القيامةِ والسَّحابا

تسائِلُ عن أبي حفصٍ أيأتي؟! =يُصلِّي الفجرَ فيها والغيابا

يَشُدُّ قيادَ ناقتِه ويمشي =وقد خلَّى لخادمِه الرِّكابا

وما خفيَ الأنينُ بها ولكنْ =حلا في سمعِهِمْ نغماً وطابا

* * *=* * *

أطِلَّ من الخلودِ أبا القوافي =تجدْنا في الوغى أُسْداً غِضابا

ذُرا لبنانَ تشهدُ كم سقَيْنا =جبالَ الأرْزِ من دمِنا شرابا

ويسمعُ غيرُنا نَدْبَ الثَّكالى =و يُغضي لا قتالَ ولا ضِرابا

هنالكَ بالحجارةِ ثارَ طفلٌ =بأرضٍ كم عشقتَ لها انتسابا

وتنكرُنا المجالسُ في صمودٍ =وقد خسئَ الدَّعِيُّ بها وخابا

* * *=* * *

أَترحلُ والديارُ تئنُّ قهراً =وقدسُ اللهِ تغتصبُ اغتصابا

أترحلُ والدُّجى حَلِكٌ وتمضي =وأرضُ العُرْبِ تَحتربُ احترابا

لقد سقطتْ بنا زُهْرُ الأماني =لقاعِ اليأسِ خوفاً واضطرابا

نُذيبُ الوهمَ حتى نَحتسيهِ =كؤوساً تَغتلي سُمَّاً وصابا

إذا أبدى الحبيبُ لنا صدوداً =نسجْنَا النورَ في سَهَدٍ عِتابا

وإنْ شفةٌ تبدَّتْ في احتراقٍ =ملأنا الكونَ شعراً أو عَتابا*

وإنْ صَدِئتْ سيوفُ العُربِ يوماً =جلوناها بألسنِنا احتسابا

بمُعجزة القريضِ نَخطُّ سِفْراً =من الأمجادِ نملؤهُ حِرابا

سلاحُ الشعرِ في دمنا قوافٍ =فهلْ حَسَبوا لقافيةٍ حِسابا

* * *=* * *

إذا مسَّتْ ثرى الأوطانِ كفٌّ =تُثيرُ الرُّعب تَفتعلُ الخرابا

بترناها بأسيافٍ غِضابٍ =فهاتِ الشِّعرَ أسيافاً غِضابا

يهزُّ يراعُنا الدُّنيا ويسمو =إلى الأفلاكِ مُنطلِقاً شهابا

وتصرفُنا الهمومُ عن الأماني =وتُنسيْنا المفاتنَ والرِّغابا

ونُحشرُ للحسابِ وأيُّ حشرٍ =به يدعو الضَّعيفُ ولن يُجابا

تبدَّلتِ النفوسُ فلا نفوسٌ =تعافُ الذلَّ أو تَأبى اغتصابا

* * *=* * *

أصيلَ الحرفِ يا عَلَماً تَسامى =فأطرقَ شعرُهم وحَنى الرِّقابا

بقلبي ألفُ أغنيةٍ تهاوتْ =بها أشلاؤُهُ وقَضى اغترابا

لقد ثَكلَ الشبابَ وأيُّ قلبٍ =كقلبِ الصبِّ إنْ ثَكِلَ الشبابا

يعاودُه الحنينُ إلى الليالي =وقد أمستْ لياليهِ اكتئابا

يُحسُّ ولا يحسُّ ويَعتريهِ =ذهولٌ كالذي قَبضَ السَّرابا

تصابَى حين لمْ يُجْدِ التَّصابي =وحين دَرى به المحبوبُ تابا

* * *=* * *

أفقْ باللهِ يا قمراً مضيئاً =أحبَّ الأرضَ فافترشَ التُّرابا

أَدِرْ خمراً معتَّقةً تَأَبَّتْ =على الشعراءِ سَكْباً واحْتلابا

وجُدْ بنصيبِنا من خيرِ إرثٍ =ولا تَحرمْ شُبولَتكَ النِّصابا

* التَّبْرْ ... الهلاك
* العَتابا ... من ألوان الشعر الشعبي الشامي

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:07 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (5)



تشرينُ وأوراقُ الخريفِ




خَلِّي العتابَ فما للهجرِ من سببِ=لا تُكثري اللومَ واقتصي من النُّوبِ

هل تعلمينَ بأنَّ القلبَ مُرتَهَنٌ =يبغي النجاةَ ولا يقوى على الهربِ

كانتْ له في سماءِ العُمر بارقةٌ =واليومَ أضحى بلا ضوءٍ ولا لهبِ

لعلَّهُ ضاقَ بالأحلامِ يزرعُها =يَروي مساكبَها من رَفَّةِ الهُدُبِ

قد شحَّ زيتي ومصباحي تُراقصُه=فراشةٌ برفيفٍ جدِّ مُضطربِ

أخشى عليها فتيلَ النارِ يُحرقها = طَوراً .. وطوراً أُجافيها بلا سببِ

* * *=* * *

"سمراءُ" حبّكِ محمومٌ وموْريتيْ =تَسري بها رِعشةُ المقرورِ والتعبِ

لا تُرهقيني فأوراقُ الخريفِ على =أغصانِ عمريْ ترشُّ الليلَ بالشُّهبِ

هذي العناقيدُ جَفَّتْ في عرائشِها =ماذا دهى الكرمُ لمْ يعطفْ على العِنبِ

بالأمسِ كانتْ على الأغصانِ يانعةً =صفراءَ تلمعُ تحتَ الشمسِ كالذَّهبِ

أيامَ كنَّا نُوافي الكرم نسألُه =عمَّنْ عشقْنا ترى هل مرَّ من قُرُبِ

كنا وكانتْ عناقيدُ الهوى أَلَقاً =صرنا وصارتْ على الأيامِ كالحطبِ

ماذا دهانا وأيامُ الخريفِ على =وعدٍ تحدِّثُنا عن موسمٍ عجبِ

* * *=* * *

هذي التشارينُ ما هبَّتْ نسائمُها =إلا وكبَّرَ حادي المجدِ للعربِ

خَلِّي العتابَ فهذي الأرضُ ما عَقِمتْ =تشرينُ ينفخُ فيها الرُّوحَ كاللَّهبِ

جاءَ المخاضُ فهُزِّي النخلَ وانتظري =يَجُدْ عليكِ بآلافٍ من النُّجُبِ

هيا اضربِي واسحقي قَرِّي بمن نَفَروا =عيناً فهم خيرُ أبناءٍ لخيرِ أبِ

هنا التَّحدي سلاحُ الطفل .. أَنْمُلُه =وحفنةٌ من حصى سجيلَ لم تَخِبِ

وأكرمُ الناسِ أطفالٌ قَضوا شَرَفاً =لا الخائفينَ على الألقابِ والرُّتبِ

* * *=* * *

ماذا أقولُ وآلامي تكبِّلُني =فصرتُ أبكم بين الصدقِ والكذبِ

نحنُ الذين غرسنا الكرمَ في شَغَفٍ =وكمْ سقيناهُ في جِدٍّ ولَعِبِ

وكم نقشْنا على أسوارِه سُوَراً =آياتِها رغمَ طولِ العهدِ لم تَغِبِ

في كلِّ شبرٍ لنا ذكرى تهدهدُنا =لَهْفي علينا إذا نادتْ ولم نُجِبِ

لَهْفي على الكرمِ أسواراً تحفُّ بها =منابتُ الشوكِ تُدمي كفَّ مُحتَطِبِ

تُذكي العداءَ وتُوري الحقدَ في دمِنا =كأنَّنا لم نَعُدْ من أمةِ العربِ

يعربدُ الشوقُ فينا حين نذكرُها =وأيّ ذكرى تعيدُ الحسَّ للعصبِ

نرودُ بالوهمِ آفاقَ المُنى ولنا =في حانةِ العصرِ أنخابٌ من النُّصُبِ

كأنَّنا في حسابِ الدهرِ مسألةٌ =وحلّها باتَ يستعصي على الحقبِ

نجترُّ تاريخَ أحسابٍ فيخذُلُنا =من كانَ يفخر بالتاريخِ والنَّسبِ

فما رفعْنا إلى التحريرِ رايتَنا =إلا ونكَّسها يومَ الصِّدِام غبي

كم ضاقَ بالدَّمِ شريانُ النضالِ بنا =وكم فصدناهُ بالتَّهريجِ والكذبِ

وكم كتبْنا وأنشدْنا وتعرفُنا =منابرُ الشعرِ والأنغامِ والطربِ

لم يُجْدِنا طولُ إنشاءٍ وقافيةٍ =ومنبرٌ ضاقَ بالتصفيقِ والخُطَبِ

باتتْ مواجعُنا للكيِّ عاشقةً =وآخرُ الطبِّ كيُّ الجسمِ باللهبِ

* * *=* * *

هذا فؤادي لقد عمَّدتُه بدمي =فراحَ ينبضُ بالإيمانِ والأدبِ

يا مرحباً باللَّظى إنْ كان يرهفُنا =سيفاً بوجهِ دُعاةِ الزّيفِ في غضبِ

* * *=* * *

وجاءَ تشرينُ يزهو في مواسمِه =لما سقَينا ثراهُ بالدَّمِ العربي

سرنا نشقُّ ظلامَ الكونِ عن وهَجٍ =ونوقظُ الفجرَ في الجولانِ والنَّقبِ

إنَّا طَلعنا على الدنيا عمالقةً =يا أمةَ العُرْبِ شُدِّي للعُلى وثِبي

هنا رجعْنا إلى التاريخِ نكتبُه =يقودُ جحفلُنا ليثٌ أَغرُّ أَبي

هنا التحدي ظُبى تشرينَ شاهدةٌ =هنا دمشقُ فيا شمسَ الضُّحى انتسبي

وعُدتُ للكرمِ يا تشرينُ أسألُه =عمَّنْ عشِقنا وجافَيْنا بلا سَببِ

رأيتُ أسوارَه كالطَّودِ شامخةً =ورنَّ صوتٌ يناديني ويَهتفُ بي

نحنُ الذينَ غرسناهُ على قَدرٍ=في كلِّ شبرٍ شهيدٌ .. شاعرٌ .. ونبي

* * *=* * *

ويُقْفرُ الكرمُ والذكرى تعاودُنا =في كلِّ عامٍ على الأرزاءِ والنُّوبِ

شابتْ على مسرحِ التاريخِ قصَّتُنا =والمُخرجُ الوغدُ لم يَهْرمْ ولم يَشِبِ

جمهورُنا ملَّ حتى راحَ من حَنَقٍ =يَهذي فقيلَ من الأنغامِ والطَّربِ

* * *=* * *

حبيبتي يا بلادي يا ندىً وهوىً =يا جنَّةَ اللهِ يا إشراقةَ العربِ

ما نحنُ إلا قناديلُ الضياءِ على =دربِ الخلودِ نُنيرُ الكونَ كالشُّهُبِ

نغزو السماءَ بأقلامٍ إذا خَرستْ =عندَ الحقيقةِ ترمي الكونَ للشَّجبِ

تُميدُ كلَّ عروشِ الزَّيفِ قاطبةً =من غمزِ قافيةٍ مشبوبةِ اللَّهبِ

* * *=* * *

حبيبتي يا بلادي أنتِ خالقتي =نهراً جريتُ وفي شطَّيْكِ مُنقلبي

من أطلسِ الموجِ أَفدي كلَّ بارقةٍ =تُوري زنادَكِ حتى شاطئ العربِ

حسبي أراكِ على التَّاريخِ شامخةً =موفورةَ البأسِ .. بُركاناً من الغضبِ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:11 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (6)


الشــاعـــر




يُهيمُ يسألُ لا وِرد ولا صَدَرُ =مشتَّتُ الفكرِ أضنى جفنَه السَّهرُ

يلوذُ بالأمنياتِ الوهمِ يبعثُها =من رقدةِ الصَّحوِ لا صاحٍ ولا خدرُ

يبني جسوراً من الأحلامِ أوَّلُها =حرفٌ وآخرُها في صمتِه فِكَرُ

وينثني يهدمُ البنيانَ يحرقُه =كيما يضيءَ لهُ من نارِه شررُ

يغشى الظَّلامَ وفي عينيهِ بَرْقُ هوىً =من قلبِه فهو تحتَ القرِّ يَستعرُ

يبكي ويضحكُ والأيامُ شامِتةٌ =والحقُّ والباطلُ المغرورُ والقدرُ

ويَستحمُّ بضوءِ الشمسِ يسكبُهُ =على محيَّاهُ فجرٌ كاذبٌ أَشِرُ

كأنَّه أخلفَ الأيامَ موعدَها =فعاقبتْهُ وفرَّتْ منهُ تَعتذرُ

وغادرتْ في حشاهُ ألفَ نازلةٍ=كأنَّما وخزَها في صدرِهِ إبَرُ

واجتازَ بوابةَ الخمسينَ مُنطلِقاً =والخوفُ في نَفَقِ الستينَ يَنتظرُ

وما جنى من أماني العمرِ واحدةً =وكيف يَجني وما في كفِّهِ ضَررُ

* * *=* * *

أُنظرْ إليهِ تجدْهُ العمرَ مبتسماً =وفي حناياهُ قلبٌ كادَ يَنفطرُ

نفسٌ هي الطُّهرُ تَرقى في معارجِها =يقودُها النيِّرانُ الفكرُ والنَّظرُ

ما بثَّ شكواهُ إلا في قصائدِهِ =فيها تزاحمتِ الأفكارُ والصُّورُ

يستلهمُ الوحيَ رَقراقاً يُسلسلُه =شعراً هو النَّغمُ المسحورُ والدُّررُ

في كلِّ قافيةٍ نبضٌ يُنظِّمُهُ =شريانُ حبٍّ عليهِ تَنزلُ السُّورُ

ما مرَّ في دارةٍ إلا و(كَهْرَبَها) =قطباهُ من لَهَفٍ فاسَّاقطَ المطرُ

يَغشى المخاطرَ في قولٍ يجرِّدُه =شِعراً وكمْ لفَّهُ من فكرةٍ خَطرُ

وكم سرى في ليالي الخوفِ يَحْفزهُ =كشفُ الحقيقةِ لا يأسٌ ولا ضجرُ

مُنقِّباً في خفايا الناسِ مُحترِقاً =بما يُكِنُّون لا يَخفى لهُ أثرُ

والناسُ من حولِهِ أبطالُ معركةٍ =مع الحياةِ فذا خاوٍ وذا بَطِرُ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:13 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (7)



قَينةُ العاصي




غناؤكِ بتُّ أسمعُه نُواحا =حليفَ السُّهدِ أنتظرُ الصَّباحا

كأنَّ أنينَكِ المجروحَ صوتي =وقلبُكِ ما أراحَ ولا استراحا

فشأنُكِ في الهوى شأني وقِدماً =هوى الأحبابِ أَرْقصنا سَماحا

نُوشِّي اللَّيلَ نزرعُهُ جراحاً =ونلبسُ من مطارفِهِ وِشاحا

ونشربُ في الوَفا سُمَّاً زُعافاً =ويشربُ غيرُنا في الغدرِ راحا

كلانا يُستباحُ بكلِّ عصرٍ =ويغدقُ ما أباحَ ولا استباحا

كلانا نابضٌ قلباً وفكراً =ونابُ الدهرِ يُوسعُه جِراحاً

نَئنُّ إلى الصباحِ فإن تَهادى =أضاعَ الشَّامتونَ بنا النُّواحا

* * *=* * *

رُويداً قينةَ العاصي رويداً =فوِردكِ لم يعدْ ماءً قُراحا

ونهرُكِ صارَ يزحفُ في تَأنٍّ =جداولُهُ غدتْ ظَمأى شِحاحا

وشاعرُكِ الذي سَحَرَ اللَّيالي =صُداحاً نايُه كَرِهَ الصُّداحا

* * *=* * *

ربيعُ العمْرِ قد أمسى خريفاً =ولم يُصِبِ التَّقدمَ والنَّجاحا

يحومُ على شفا حُفَرٍ فيَهوي =كليلَ العزمِ مُضطرباً جَناحا

وطيرُ السَّعدِ نَفَّرهُ غرابٌ =أَبى إلا بمهجتِهِ ارتياحا

* * *=* * *

رويدكِ هَدهِدي الآلامَ دُوري =جنانُكِ لم تَعُدْ أبداً فِساحا

وصوتُكِ لم يَعُدْ يُذكي حنيني =ولم يُغْرِ الشقائقَ والأقاحا

رويدكِ .. ما الحياةُ وقد تَقضَّى =زمانُ الحبِّ من عُمْريْ وراحا

وخلَّفَ فيَّ جرحاً ليس يَشفى =على الأيامِ يُوسعُني افتضاحا

إذا ما الشعرُ أَزهرَ من جِراحي =يقولُ الكاشحونَ بَكى وناحا

وإنْ غنَّيتُ لحنَ الحبِّ قالوا =مع الخمسينَ يقتنصُ المِلاحا

تَساوَيْنا بعُرفِ الناسِ نُوحيْ =كشاعرِكِ الذي أَلِفَ النُّواحا

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:16 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (8)


الله يا دُنيا الشقاء





سارتْ على عَجَلٍ فقلتُ لها قِفي =وترفَّقي بمتيَّمٍ يهواكِ

إنِّي عرفتكِ طفلةً وعرفتِني =طفلاً تَزامنَ خطوهُ بخُطاكِ

حتى إذا ما اشتدَّ ساعدُه انْبرى =وبقيتِ سادرةً بغيرِ حِراكِ

يُمناهُ ما تنفكُّ تَنصبُ للعُلى =أشراكَه وتزيلُها يُسراكِ

مَنَّيتِه بالوصلِ ثم هجرتِهِ =ووصلتِ من بغرورِهِ وافاكِ

فسخرتِ منهُ وكان غِرَّاً سَاذجاً =عَشِقَ الإباءَ لكي ينالَ رضاكِ

وصحا على أَلَقِ الحقيقةِ بعدما =خسرَ الرِّهانَ ولم يَعُدْ لعراكِ

وغدتْ جذورُ اليأسِ في أعماقِه =تَمتدُّ حتى شابَ روضُ هواكِ

واليومَ يحزمُ للرَّحيلِ متاعَهُ =وغداً تودِّعُ ركبَهُ عيناكِ

يمضي إلى الستينَ يحرقُ عمرَه =مَسعاهُ يخفقُ في لَظى مَسعاكِ

ولكمْ تزوَّدَ بالتعلُّلِ فالمُنى =وهمٌ وكلُّ الوهمِ في نَجواكِ

يا أنتِ يا دنيا الشقاءِ ترفَّقي =رُحماكِ يا دنيا الشَّقا رُحماكِ

أرهقتِني ظُلماً فأنت ظَلومةٌ =للزَّارعينَ الحبَّ رغمَ نَواكِ

والفارغونَ بكل عصرٍ تُوِّجوا =بالغارِ تضفرُ غصنَهُ يُمناكِ

* * *=* * *

كم من دعيٍّ نالَ منكِ رغائباً =وأَنلتِ مشبوبَ الحنينِ جفاكِ

وملأتِ مأدبةَ اللَّئيمِ أطايباً =ضنَّتْ بها عندَ الوفيِّ يداكِ

وجَزيتِ ضعفَ الهادمينَ جواهراً =وجَزيتِ عزمَ المُبدعينَ حَصاكِ

وزَهوتِ باسمِ الأغنياءِ جهالةً=ونَفرتِ ممَّنْ ينشرونَ ضِياكِ

* * *=* * *

الله يا دُنيا الشقاءِ .. لَكَمْ ذَوى =غصنٌ كريمُ الأصلِ في مَغناكِ

روَّى جذورَ اللؤمِ نبعُك وانثنى =يَسقي الطَّحالبَ في ربوعِ حِماكِ

فنَمتْ بذورُ الشَّوكِ بين أزاهرٍ =وسَرَتْ بها تُدمي الزهورَ دِماكِ

* * *=* * *

ما زلتِ يا دنيا الشَّقاءِ شهيةً =رغمَ انسحاقِ العدلِ بينَ رَحاكِ

نذرٌ عليَّ إذا كَرُمتِ بنظرةٍ =تمحو ظلامي من بريقِ سَناكِ

لأُساقيَنَّ الحورَ صهباءَ المُنى =وأُراودنَّ العينَ في سُقياكِ

ولأَبلغنَّ بكلِّ كأسٍ بُغْيةً =عزَّتْ على الزُّهادِ والنُّساكِ

فتعسَّفي ما شئتِ لسْتَ مُصانعاً =فالصُّبحُ يَكمنُ خلفَ عَسفِ دُجاكِ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:19 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (9)



الرحـيل




دعوني قد تملَّكَني الذُّهولُ =فكُلِّي ذكرياتٌ لا تزولُ

تملَّكَني الذهولُ فَصِرتُ عبداً =فهل للعِتقِ عندكَمُ سبيلُ

يمُرُّ شريطُ أيامي سريعاً =فَتُشجيني المنازلُ والطُّلولُ

وما لي حين يملِكُني ذُهولٌ =يدانِ إلى الوصولِ فلا وُصولُ

* * *=* * *

إذا عزفتْ بناتُ الشعرِ لحناً =على كَبِدي تنهَّدَ مستحيلُ

وغرَّدَ بُلبلُ الشوقِ المُعنَّى =ورَنَّ بصوتِهِ النَّغمُ الأصيلُ

وعاودني الحنينُ إلى زمانٍ =على أعتابِهِ نَبتَ الخميلُ

رضعتُ به لبانَ الحبِّ كهلاً =وجرَّحَ خافقي الطَّرْفُ الكحيلُ

وأَوْرقَ كرمُ أحلامي ورفَّتْ =طيورُ السَّعدِ يُسعدُها الهديلُ

نسيتُ طفولتي وربيعَ عمْري =وهِمْتُ يشدُّني الخصرُ النحيلُ

وَأدتُ جراحَ أيامي بقلبي =وأينعَ في دمي أملٌ بَليْلُ

أدلِّلُه .. أداعبُه وأحنو =عليه لعلَّ بارقَهُ يطولُ

* * *=* * *

تبدَّلتِ الحياةُ فكلُّ شيءٍ =عدا من راحَ يحسدُني جميلُ

وما بدَّلتُ ألواني فما لي =وإنْ بدَّلتُ عن خُلُقي بديلُ

* * *=* * *

ومرَّ العامُ تِلوَ العامِ حتى =تمكَّنَ من سنا أملي الأُفولُ

وأظلمتِ الحياةُ وشابَ قلبي =فكلُّ المُوحشاتِ به مُثولُ

تَنكَّرَ لي أحبَّائي وأهلي =وضاعَ الدَّربُ وانتحر الدَّليلُ

فعُدْتُ أَلمُّ أوراقي وأخلو =بآثامي .. لقد قَرُبَ الرَّحيلُ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:25 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (10)




سورة النجم




صدِّقوني إذا كذبتُ عليكمْ =إنَّني شاعرٌ بلغتُ الثُّريا

أمقتُ الصِّدقَ أشتري بضميري =أُمنياتي ولن أكونَ أبيَّا

قد تعوَّدتُ أن أُطأطئِ رأسي وتعوَّدتُ أن أكونَ طريَّا

وتعوَّدتُ كيفَ أدفنُ نفسي =وتعوَّدتُ كيف أبكي عليَّا

* * *=* * *

كم قطفتُ النجومَ نجماً فنجماً =ثمَّ صُغْتُ القريضَ عذباً سنيَّا

أنا يا قومُ واحدٌ من ألوفٍ =من ملايينَ زَيَّفتْ عبقريَّا

أنا يا قومُ واحدٌ من ألوفٍ =من ملايينَ لم تُصدِّقْ نبيَّا

علَّمتني الأيَّامُ كيفَ التَّخلي =عن حيائي وكنتُ دوماً حَيِيَّا

زَيَّفَ الناسُ مَنطقي وشعوري =فاستحالَ الضياءُ ليلاً عتيَّا

* * *=* * *

كنتُ في كلِّ ذرةٍ من دمائي =أتلظَّى بالصَّمتِ في جانحيَّا

كنتُ أرنو إلى الحياةِ بعينٍ =تعشقُ النورَ والصباحَ النديَّا

ليتني كنتُ .. ليتني كنتُ ميْتاً =قبل صَحوي وقبل عَوْدي إليَّا

* * *=* * *

أنا في الليلِ كمْ أُصلِّي وأتلو =سورةَ النجمِ بُكرةٌ وعشيَّا

ما هوى النجمُ ليتَه اليومَ يهوي =أو أرى بارقاً يُطلُّ عليَّا

* * *=* * *

قيِّدوني بقيدِكم واضربوني =بسياطٍ ممَّا صَنَعْنا سويَّا

نحنُ من بعضِنا سُلالةُ قيدٍ=وظلامٌ يمزِّقُ الأريحيَّا

* * *=* * *

كذِّبوني إذا صدقتُ فإنِّي =رُغمَ عزمي أحبو على رُكبتيَّا

أَطلقوني ولو لبِضعِ ثَوانٍ =ثم شُدُّوا الوثاقَ شيئاً فشيَّا

لا تخافوا الضياءَ ليلي طويلٌ =سوفَ أبقى مدى الحياةِ شقيَّا

أنا يا قومُ منكُمُ وإليكمْ =فليصدِّقْ من كانَ مثلي غبيَّا

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:29 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (11)




الصـمت الرهيـب



في بُروجٍ مشيَّداتٍ من الوهْــــــــــــــمِ تعالتْ إلى عَنان السماءِ

في كهوفٍ من الظَّلامِ تناءى الْــــــقلبُ فيها عن سائرِ الأضواءِ

في سراديبَ مُوحشاتٍ تهاوتْ .... أنجمُ السَّعدِ فوقَ قبرِ رجائي

في بحارٍ أمواجُها الحُمرُ تَغلي ......... بدماءِ الوفاءِ والأوفياءِ

كان صوتي كالرَّعدِ بين ضُلوعي ... يطلُبُ الثأرَ لاغتيالِ إبائي

مزَّقوني بأحرفِ النَّصب والـــــــــــجَّر وأَغروا أنذالَهم بهِجائي

وتَمادوا بالغدرِ حتى تَخلّوا ........ عن بقايا الضميرِ دونَ حياءِ

وأشاعوا أنِّي قضيتُ فقالوا ..... ماتَ صَبراً على دُروبِ الجَّفاءِ

ساءهمْ أنَّني أشعُّ ضياءً ............... من ظلامِ القبورِ للأحياءِ

حمَّلوني وِزرَ الغناءِ فقالوا ........ مُطربُ القومِ مُمعنٌ بالهُراءِ

* * *

أيُّها الصوتُ إن صمتي رهيبٌ ..... لم يُحطِّمْ مداهُ من كِبريائي

رُبَّ صمتٍ أَمرّ منْ شَططِ القو........لِ وأقسى بمسمع الأعداءِ

ولهيبُ الجِّراحِ في الصدرِ أَورى . من مَسيلِ الدِّما على الغبراءِ

* * *

يا بروجَ الخيالِ والوهمِ حسبي ......... أنَّني فيكِ أَكتوي بندائي

يا كهوفَ الظَّلامِ في صَحوةِ المو......تِ أُغنِّي يا ليلُ أينَ ضيائي

يا سراديبَ وَحشتي وضياعي .. كيف أمحو باليأسِ سِفْرَ شَقائي

يا بحارَ الدِّماءِ إنَّ شِراعي .............. مزَّقتْهُ وساوسٌ بدمائي

أَقفرَ العُمرُ واستبدَّ بقلبي .......... هاتفُ الموتِ وانتظارُ فنائي

* * *

أيُّها العائمونَ في أَبْحرِ الزّيْــــفِ تعرَّوا من عارياتِ الرِّياءِ

واهجروا ظُلمةَ القبورِ وهيَّا .... نَغتنمْ صفوَ عمرِنا بالوفاءِ

وتعالوا نُطهِّرِ الروحَ بالحــــــــــــبِّ ونَغسلْ نفوسَنا بالإخاءِ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:55 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (12)



ابتهــال





بعينيكِ يحلو لي التَّصوُّف والغزلْ =فباللهِ هذا السِّحرُ كم عاشقاً قتلْ

بعينيكِ شوقٌ وابتهالٌ وفتنةٌ =وإنِّي إلى عينيكِ يا(...) أبتهِلْ

بعينيكِ سرٌّ كَحَّل الطرفَ غامضٌ =فمن أيِّ كُحلٍ ذوَّبَ الطَّرفُ واكتحلْ

من أيِّ بحرٍ نضَّدَ الثَّغرُ لؤلؤاً =ومن أيِّ عَتمٍ أظلمَ الشَّعرُ وانْسدلْ

ومن أيِّ دوحٍ أفرعَ الغصنُ حاملاً =على الصدرِ رُماناً يباهي بما حَصلْ

فمنْ ليْ وقد تيَّمتِ قلبي بنظرةٍ =إلى قلبِكِ الخفَّاقِ يا (...) بالأملْ

ومنْ لي وما لي عنكِ في البُعدِ سلوةٌ =وقلبُك رغمَ الشوقِ بالحبِّ ما وصلْ

* * *=* * *

أراكِ فأَستحييْ وأكتمُ لوعتي =وأُخفي أَنيني في هواكِ ولم أزلْ

وأقسمُ لو واصلتِ قلبي بلهفةٍ =لأَرقصتُ أسرابَ البلابلِ بالغزلْ

وصغتُ لكِ الأطواقَ دُرَّاً وعَسجداً =وحرَّكتُ قلبَ الصَّخرِ بالقولِ والعملْ

فإنِّي مُحبٌّ طيبُ القلبِ هائمٌ =أبيٌّ كريمُ النَّفسِ أخشى من الزَّلَلْ

أُحبُّكِ في صمتٍ وشوقٍ وحُرقةٍ =وكدتُ لطولِ الصمتِ ينتابُني المَللْ

أُذيبُ قوافي الشعرِ بالعطرِ والنَّدى =وأهتفُ يا رُوحي فقولي .. أجلْ .. أجلْ

وإنِّي بما أَشقى سعيدٌ وإنَّما =أخافُ بطولِ العَهدِ يَطوينيَ الأجلْ

وإنِّي وإنْ داريتُ يا (...) عاشقٌ =يُشاغلُ قلبي الغيدُ عنكِ وما انْشغلْ

فحسبي هوى عينيكِ يشعلُ خافقي =ولولا هوى عينيكِ يا (...) ما اشتعلْ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:57 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (13)




هـروب




عادتْ لِتسألَني وتعلمُ أنَّني =أهوى التي بجحيمِها أتقلَّبُ

أهوى العذابَ بقربِها يا ليتَها =عرفتْ حليفَ السُّهدِ كيف يُعذَّبُ

يا ليتها عرفتْ جنونَ مشاعري =وأنا لِكشفِ جنونِها أترقَّبُ

ينهلُّ كالمسكِ الفتيقِ حديثُها =وأنا بعطرِ حديثِها أتطيَّبُ

وتضيءُ مثلَ الشمسِ إنْ هيَ أسفرتْ =وتنيرُ مثلَ البدرِ إذ تُحجَّبُ

وتنمُّ عن شَغَفِ الفؤادِ لحاظُها =فتشُدُّني لغةُ العيونِ تُرحِّبُ

وتظلُّ بينَ تجاوبٍ وتمنُّعٍ =حتى إذا غلبَ الرِّضا تتهرَّبُ

وتعودُ تلعبُ بي كسالفِ عهدِها =وكأنَّها تخشى الهوى فتُجرِّبُ

تنأى عن الآمالِ وهي قريبةٌ =ومتى ابتعدتُ فإنَّها تَتقرَّبُ

فيَحارُ فكري كيفَ أملكُ قلبَها =وهي التي في لحظةٍ تتقلَّبُ

وتعودُ تسألُني وما ليَ مَهْربٌ =إلا لصمتيَ والسُّؤالُ مُحبَّبُ

أأقولُ يا عمريْ وأعلمُ أنَّها =لن تستجيبَ وبالحَيا تتجلْبَبُ

أمْ أكتمُ الأشواقَ وهي حرائقٌ =وأظلُّ مشبوبَ الهوى أتلهَّبُ

وأنا مع الستينَ يرمقُني الرَّدى=ويمزِّقُ الآمالَ شعرٌ أشيبُ

طَوراً أصدِّقُ في هوايَ مشاعري =ويهزُّني صوتُ الحِجا فأكذِّبُ

وأُنمِّقُ الكلماتِ أخطبُ ودَّها =فتُشيحُ بالوجهِ الصَّبيحِ وتغضبُ

فألفِّقُ الأعذارَ مثلَ مُخادِعٍ =فتريشُ لي سهمَ الهوى وتصوِّبُ

* * *=* * *

يا أنتِ .. يا هبةَ السَّماءِ لشاعرٍ =وافى إلى قُدسِ الهوى يترهَّبُ

أوَتسألينَ وأنتِ أَدرى بالتي =صادتْهُ حبَّاً وانزَوتْ تَترقَّبُ

لا تُرهقيهِ بـ منْ ؟ وكيفَ ؟ وربَّما =لا تسأليهِ فإنَّه يتهرَّبُ

عبدالسلام زريق
01-29-2011, 09:59 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (14)




لنْ تَأْثمـي





لا تكتمي "أهواكَ" لا لن تأثَمي =فالحبُّ للأرواحِ غيرُ محرمٌ

بوحي .. أَبُحْ بهوايَ إنِّي خائفٌ =نكرانَ حبِّكِ يا مُنايَ تكلَّمي

وأخافُ ألسنةَ الوشاةِ تلوكُنا =وغموضَ ردِّكِ عندَ أولِ موسمِ

وأخافُ مِنكِ عليكِ إن صَدَقَ الهوى =أن تكْتوي بالشَّوقِ أو تتألَّمي

أَغريتِني بنقاءِ وجهٍ مُشرقٍ =وصفاءِ صوتٍ ساحرٍ مترنِّمِ

إنِّي أُحاولُ أن أُعلِِّمَكِ الهوى =شِعراً وطَرفاً آسراً فتعلَّمي

هيا اجهريْ بالحبِّ لا تتهرَّبي =فحديثُ طرفِكِ جاءَ غيرَ مُتَرجَمِ

إنْ كنتِ خائفةً فسرُّكِ غامضٌ =لا يَنجلي حتى يُراقَ له دَمي

أو كنتِ خجلى من أحاديثِ الهوى =فَدَعي حياءَك لحظةً وتقدَّمي

سيزولُ خوفكِ عندَ أولِ همسةٍ =قولي " أُحِبُّكَ " مرةً وتبسَّمي

وإذا حياؤكِ حالَ دونَ سماعِها =من ثغرِكِ الفتَّانِ لا تتوهَّمي

مُدِّي يديكِ فعندَ أولِ لمسةٍ =من راحتيَّ يزولُ كلُّ تَوهُّمِ

وَدعيْ عيونَكِ تبتسمْ لي مرةً =عند اللِّقاءِ ترِقُّ نارُ جهنَّمِ

فإذا سَعِدْنا بالحديثِ وأُطفِئتْ =نيرانُ خوفٍ لاهبٍ متضرِّمِ

عودي لخوفِكِ عندَ أوَّلِ همسةٍ =واستغفري بعدَ اللقاءِ وتَمتمي

* * *=* * *

يا فتنةً حَرُمَتْ وزادَ فتونَها =تحريمُها إنِّي بظلِّكِ أَحتمي

جودي بقربكِ إنَّ بُعدَكِ مَغْرَمٌ =وجميلُ قربِكِ يا حبيبةُ مَغنمي

أخشى إذا غدرَ الزمانُ وقُطِّعتْ=بالبعدِ أسبابُ اللِّقا أنْ تَندمي

وتعود أيامُ الشقاءِ ونكتوي =ندماً يطولُ ولاتَ ساعةَ مندمِ

فاستسلمي لنداءِ قلبِكِ بل صِلي =بالرُّوحِ في طُهْرِ المُنى لن تَأْثمي

حماة 1995

عبدالقادر دياب
01-30-2011, 12:36 AM
أخي العزيز الشاعر الجميل عبدالسلام

أقرأ بصمت وهيبة وإجلال وتقدير

وأنتظر انتهاء النشر لكي أشاركك اعجابك بالشاعر الكبير محمد حسن المنجد

محبتي وتحايايwriye

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 12:48 PM
أخي العزيز الشاعر الجميل عبدالسلام

أقرأ بصمت وهيبة وإجلال وتقدير

وأنتظر انتهاء النشر لكي أشاركك اعجابك بالشاعر الكبير محمد حسن المنجد

محبتي وتحايايwriye

السلام عليك
الأخ الحبيب الشاعر عبد القادر دياب
أهلاً بحضورك الكريم هنا ...
كن في القرب يا صديقي
تقديري واحترامي

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 12:51 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (15)



عـرسُ الوفـاءِ



ألقيت في الحفل التكريمي لأستاذي
المربي الكبير هاشم الصيَّادي في
المركز الثقافي العربي في حماة




من مهبطِ الوحيِ في تسبيحةِ السحرِ =من رفرَفِ النُّورِ في إشراقةِ القمرِ

من نبضِ قلبيَ من أحلى هوىً وندىً =من كوثر الحبِّ من ترنيمةِ الوترِ

منَ الصفاءِ ومنْ كنزِ العطاءِ ومنْ =محضِ الوفاءِ من الأهدابِ والحورِ

لصانعِ المجدِ للبانيْ صروحَ هُدىً =منْ أصغريهِ لمن أسلمتُهُ قَدَري

جمعتُ أضمومةً من روضةٍ حَليَتْ =وجئتُ أنثُرُها في حفلهِ العَطِرِ

* * *=* * *

يا مُنقذي من ظلامِ الجهلِ تمنحُني =جناحِ نَسرٍ على التَّحليقِ مُقتدِرِ

أَرشدْتَني بجميلِ النُّصحِ تهتفُ بي =إلى الأمامِ لَجنْيِ الشَّهدِ من إبرِ

اِقرأْ وجوِّدْ كتابَ الشعرِ في بلدٍ =عاصيهِ* أصبحَ مِطواعاً على العُصُرِ

تَلقَ الوفاءَ كَذَوْبِ الشهدِ مُمتزجاً =بكلِّ حرفٍ بشالِ الحُسنِ مؤتزِرِ

وامدُدْ يديكَ لمنْ غذَّيتَهم أَدباً =تَجِدْ عطاءكَ مثلَ النقشِ في الحجرِ

* * *=* * *

ماذا أقولُ وهل تسطيعُ قافيتي =ردَّ الجميلِ بما أبدعتُ من صُورِ

أنا الذي لم أدعْ للشعرِ صَومعةً =إلا نقشتُ على محرابِها سُوَري

وما عبرتُ صحارى الوجدِ محترِقاً =إلا تطايرَ من كثبانِها شَرري

وكم أثرتُ من الأشواقِ زوبعةً =صيفيَّةَ السُّحبِ لم يهطُلْ بها مطري

وطوَّقتْ أَحرفي جِيدَ الجمالِ بما =نضَّدتُه من لآلي السِّحْرِ في السَّحَرِ

وعدتُ بالشيبِ والإخفاقِ يحملُني =موجُ النَّدامةِ في دوَّامةِ السَّفرِ

* * *=* * *

هذا شريطٌ حصادُ الذِّكرياتِ بهِ =سجلتُه بدموعِ الصَّحوِ والخدرِ

فيهِ الوفاءُ بنبضِ القلبِ مرتهنٌ =يداعبُ الشوقَ في سمعي وفي بَصري

أيامَ كُنتَ وكان الفصلُ يجمعُنا =بصُحبةٍ كالنجومِ الزُّهرِ كالزَّهَرِ

وأنتَ كالبدرِ تجلو ليلَنا بيدٍ =تَجري على اللَّوحِ تروي أَروعَ السِّيرِ

لقَّنتَنا العلمَ والأخلاقَ مُدَّرعاً =بالصَّبرِ حيناً وأحياناً بذي خَطَرِ

ينهلُّ كالمُزنِ في توضيحِ مسألةٍ =عَزَّتْ على كل غوَّاصٍ على الدُّرَرِ

ونقرأُ الحبَّ في عينيكَ نلمَسُهُ =في راحتيكَ وفي التَّهديدِ والنُّذُرِ

حتى أضأتَ ظلامَ الليلِ في شُعَلِ =أوقدتَها من شظايا النفسِ والعُمُرِ

* * *=* * *

هذي غراسُكَ .. طِبْ نفساً فإنَّ لهمْ =في كلِّ علمٍ كتاباً واضحَ الفِكَرِ

يا مُسكِرَ الجيلِ من أنخابِ كرمكِ لا =تعتبْ على الناسِ والأيامِ والقدرِ

إنّا شريكانِ في النَّجوى يوحِّدُنا =همٌّ مقيمٌ مع الأحلامِ في السُّرُرِ

أما ترانيْ وقد شابَ الهوى بدمي =وأقفرَ العُمرُ إلا من لَظى الذِّكرِ

حتى وصلتُ إلى بيداءَ مُوحشةٍ =إلا من اليأسِ ظِلَّاً يَقتني أَثَري

أنَّى رحلتُ عيونٌ منه ترصدُني =وحيثما كنتُ ضاقَ الكونُ في نَظَري

وما ظفرتُ بوصلٍ في ربيعِ هوىً =حلَّ الخريفُ يُداري ذلَّ معتذر

كأنَّني ما عزفتُ الشوقَ أغنيةً =عذراءَ رنَّحتِ الأنسامَ من سَكَرِ

وما حملتُ يَراعاً مُشرقاً أبداً =يهدهدُ الهمَّ بالإبداعِ في سَهَري

* * *=* * *

فدعْ ملامةَ من باعوا ضمائرَهم =في سوقِ مُحتكرٍ بالصِّدقِ مُتَّجِر

مداهنونُ لهمْ في كل معتَرَكٍ =وكرٌ تسوَّرَ بالبُهتانِ والأَشَرَ

وجُلُّهم من فراشِ الليلِ رفَّ على =أضواءِ مُحترقٍ في عيشِه البطِرِ

* * *=* * *

يا واهبَ النفسِ أعصاباً تَناهبَها =سكْبُ العطاءِ بمدروسٍ ومبتَكَرِ

اِفتحْ كتابَكَ .. اِقرأْ .. نَستمعْ شغَفاً =وحدِّثِ القومَ عن أيامِكَ الغُرَرِ

ولا تلُمني إذا قصَّرتُ إن يدي =مشلولةٌ ولساني قُدَّ من حَجَرِ

أُصارعُ الغدرَ حتى كادَ يصرعُني =بأَكؤسٍ من سُمومِ الزَّيفِ والكَدرِ

أعدى عليَّ زماني كلَّ خائنةٍ =راحتْ تمزِّقُني بالنابِ والظُّفُرِ

حتى وصلتُ لحالٍ كم شقيتُ بها =إذ عدتُ أجمعُ بعضَ القوتِ بالإبَرِ

ومن رآني على ذي الحالِ ألهبَني =لسانُهُ بغليظِ القولِ مُسْتَعِرِ

فأُشعلُ الشِّعرَ إيذاناً بعاصفةٍ =فاسألْ قوافي اللَّظى والعَصفِ عن خبري

وكم طلعتُ على الدُّنيا بقافيةٍ =حمراءَ تقدحُ تحتَ الليلِ بالشَّررِ

وكمْ دفنتُ يراعي في مساومةٍ =تحتَ الرَّمادِ لكي يَخفى بهِ أَثري

* * *=* * *

فاعذرْ فديتُكَ تلميذاً أضرَّ به =عصفُ الهمومِ ونابُ الدهر من صَفَرِ

عرفتَهُ في ربيعِ العمرِ مجتهداً =طوراً .. طوراً بليداً قاصرَ النظرِ

واغفرْ جموحَ يراعٍ حشوهُ ألمٌ =يُعاكسُ القدرَ المكتوبَ من ضَجَرِ

ما لانَ للدَّهرِ يوماً في مُنازلةٍ =حتى يُوارى أبيَّاً أضيقَ الحُفَرِ

هناك يبرأُ من آلامِ غربتهِ =فالعيشُ في عصرِنا كالعيشِ في سَقَرِ

هذا يُعربدُ مَزهوَّاً بمرتَفعٍ =وذاكَ يهبطُ مَذموماً بمنحدَرِ

وذنبُ كلِّ لئامِ الناسِ مغتفرٌ =وذنبُ كلِّ كريمٍ غيرُ مغتفَرِ

* * *=* * *

فاحبسْ دموعَكَ إن حدَّثتَ في سَمَرٍ =تلقَ الصفاءَ يُضيءُ النفسَ في السَّمَرِ

واطرحْ همومَكَ في بحرِ الحياةِ وطُفْ=في جنَّةِ الحبِّ بينَ الماءِ والشَّجرِ

* * *=* * *

هذي جهودُكَ رغمَ العاصفاتِ نَمتْ =وأَينعتْ وزهتْ بالزَّهرِ والثَّمَرِ

فما لكَ اليومَ تأسى كلما ذُكرتْ =تلكَ العهودُ وتُدمي قلبَ مدَّكرِ؟

إنِّي عرفتُكَ طَوداً شامخاً أبداً =وما أظنُّكَ هيَّاباً على كِبرِ

وأنتَ في العينِ ما دامَ الضياءُ بها =وأنتَ في القلبِ حتى آخر العُمُرِ

وأنتَ من أنتَ في دفعِ الخُطوبِ وكمْ =سخرتَ منها فمالتْ عنكَ في حَذَرِ

* * *=* * *

يا رائدَ العلمِ والأخلاقِ دمتَ لنا =أباً تقيَّاً .. نقيَّاً .. خالدَ الأثَرِ

أيقظتَ فينا حُداءَ المجدِ في زمنٍ =كانتْ ذئابُ الخَنا تعويْ على النُّهُرِ

وقدتَنا نحو شُطآنٍ مذهَّبةٍ =بالعلمِ نجري على الألواحِ والدُّسُرِ

فكنتَ كالبحرِ تخشى الشُّمُّ غضبتَهُ =وحين يهدأُ يصحو الأُنسُ في الجُزُرِ

* * *=* * *

يا هادياً في دُجى الأجيالِ يا علماً =نسعى إليهِ من الوديانِ والحفرِ

دارَ الثقافةِ كم شرَّفتَ منبرَها =إذْ كنتَ في ساحِها الوثَّابِ كالنَّمِرِ

لئنْ تعمَّدتُ إغفالاً لما شهدِتْ =لكَ المواسمٌ من صفوٍ ومن كَدَرِ

فذاكَ أنَّ بياني عاجزٌ وهنتْ =منهُ الحروفُ فلم أَبلغْ بهِ وَطَري

* * *=* * *

يا بسمةَ الزَّهرِ في فصلِ العطاءِ أتى =فصلُ الوفاءِ وهذا أولُ المطرِ

إنَّ النفوسَ ظِماءٌ فاروِ غُلَّتَها =من خمرِ كرمِكَ من تاريخِكَ العَطِرِ

وابسمْ فديتُكَ تغنمْ في الحياةِ رضىً =والعمرُ يُزهرُ رغمَ الشيبِ والغِيَرِ

* * *=* * *

يا ملهِمي كُلَّ ما أبدعتُ من كَلِمٍ=عذراً لماضيَّ فاقبلْ راضياً عُذُري

أيامَ كنتُ عَقوقاً مزعجاً شرساً =أُلقيْ بنفسي إلى الإيذاءِ والضَّرَرِ

وكنتَ بالحبِّ تدعوني إلى هدفٍ =أسعى إليهِ بطولِ الدَّأْبِ والسَّهرِ

حتى وصلتُ بأفكاري لمنطلَقٍ =من الظَّلامِ إلى الأضواءِ والظَّفَرِ

* * *=* * *

يا غارسَ الكرمِ عندي كلُّ مُسكرةٍ =تصبو إليكَ فهاتِ الكأسَ وابتدِرِ

غداً يطوفُ على العُشاقِ سامرُهُمْ =بأكؤسٍ من حُميَّاً غرسِكَ النَّضِرِ

واغفرْ فديتُكَ لا تعتبْ على نَفَرٍ =يُكدِّرونَ صفاءَ النبعِ بالعَكَرِ

فغايةُ العيشِ إيثارٌ وتضحيةٌ =وصاحبُ الفضلِ فيهِ أسعدُ البشرِ

وأنتَ من آثرَ الأجيالَ فاغتنمتْ =عُرسَ الوفاءِ تُباهي الكونَ بالخَيَرِ
* العاصي .. النهر الذي يشطر مدينة حماة

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 12:55 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (16)




مـرايا الكهـف



أنا والصّمتُ والجدرانُ نُوري =زِنادَ الفكرِ في ليلِ الشتاءِ

نكلِّمُ بعضَنا همساً ونرنو =إلى الأشباحِ في الكهفِ المُضاءِ

ونسمعُ أغنياتِ القومِ تعلو =ويختلطُ الغناءُ مع البكاءِ

وخلفَ ستائرِ البلَّورِ تبدو =رسومٌ للحرائرِ والإماءِ

وتختلطُ الرُّسومُ ويعتريْها =ذُبولُ اللونِ في زمنِ الرِّياءِ

هناكَ تُعربدُ الدُّنيا وتغفو =نفوسٌ أدمنتْ طعنَ الإباءِ

* * *=* * *

هنا عصرٌ وضمنَ الكهفِ عصرٌ =ونحنُ وهمْ على حدٍّ سواءِ

يعشِّشُ في دِمانا الصمتُ حتى =تعاتبنا الهمومُ على الولاءِ

ويقتلنا الوباءُ إذا مَضيْنا =نمنِّي النفسَ نحلُمُ بالدواءِ

وتلكَ حياتُنا أضحتْ هُراءً =فبئسَ العيشُ في الزمنِ الهُراءِ

وكمْ عاشتْ أمانينا وماتتْ=على وعدٍ تَسربلَ بالدِّماءِ

* * *=* * *

أنا والصمتُ والجدرانُ أسعى =إلى حَتْفي بلا زادٍ و ماءِ

وأحدو ركبَ منْ ركبوا الرَّزايا =وأتركُ كلَّ نائحةٍ ورائي

أقاومُ ما استطعتُ جموحَ فكري =وأَضحكُ من دهاقنةِ الدَّهاءِ

وأحملُهمْ على بُغضي وعَذلي =وأسبقُهمْ على دربِ الجَّفاءِ

وأتركُهمْ ورائي لا أُبالي =بمدحِ الخانعينَ أو الهجاءِ

فمنهمْ من تشبَّثَ في ذُيولي =ومنهم من تعلَّقَ في حذائي

وحسبي إنْ مَضيتُ إلى تحدٍّ =سلكتُ الدربَ أَهزأُ بالفناءِ

* * *=* * *

أنا والصمتُ والجدرانُ عزفٌ =على أوتارِ نازلةِ القضاءِ

أرى حولي دُعاةَ السِّلمِ جيشاً =تسلَّحَ بالدَّسائسِ والرِّياءِ

يقودُ زحوفَهم شخصٌ غريبٌ =تنمَّرَ تحتَ ثوبٍ من فراءِ

يثورُ مُعربِداً طوراً .. وطوراً =يُخبِّئُ رأسَهُ تحتَ الغطاءِ

ويمضي نحو سورِ السِّلمِ حتى =إذا وافاهُ أمعنَ بالثَّناءِ

فيُفتحُ بابُه ويُطلُّ عبدٌ =شَروه ضمنَ قائمةِ الشِّراءِ

ينادي .. من ببابِ السُّورِ يُثني =على الدُّخلاء يجأرُ بالدعاءِ

ويدخلُ قائدُ الزَّحفِ المُرجَّى =حصار السلمِ ينعمُ باللقاءِ

وينسى جندَهُ خلفَ المرايا =يُقيمونَ الصلاةَ على الوفاءِ

* * *=* * *

أنا والصمتُ والجدرانُ طَودٌ =به أَنفٌ يجلُّ عنِ الغُثاءِ

نرودُ معارجَ الأفاقِ نسمو =بأجنحةِ الشآمِ إلى العَلاءِ

نُجرِّدُ في بروجِ الشمسِ سيفاً =شآميَّاً تحفَّزَ للمضاءِ

نسالمُ منْ يسالمُنا فإمَّا =تمادى الخصمُ نمعنُ في العداءِ

فنحنُ المانعونَ إذا قبضْنا =ونحنُ الباسطونَ يدَ السَّخاءِ

ونحنُ الباذلونَ إذا مَضينا =دماً حُرَّاً على نغمِ الحُداءِ

ونحنُ على مدارِ الكونِ قومٌ =نَسُلُّ البُرْءَ من رَحِمِ البلاءِ

فما كانَ السلامُ لنا سلاماً =ومنَّا من تشرَّدَ في العراءِ

وتشرينُ الفداءِ سقى كُروماً =وأينعَ غرسُهُ يومَ الفداءِ

ولقَّنَ من عدا درساً فهلَّاً =وعى " رابينُ " ملحمةَ الإباءِ

فكيفَ يجيءُ حفلُ السلمِ يدعو؟=لمائدةِ النِّفاقِ بلا حياءِ

إذا كانَ السلامُ لهم بقاءً =على أرضي ثكلتُكِ يا دمائي

* * *=* * *

فيا ليلاً يعُمُّ بلا هلالٍ =ويا فجراً يُطلُّ بلا ذُكاءِ

أجيبا كيفَ نعطي الذئبَ سلماً =وقدسُ اللهِ يجهشُ بالبكاءِ

ينادي الواقفينَ إلى المرايا =ألا هُبّوا لمهدِ الأنبياءِ

خليلُ اللهِ صدَّقَ ما رآهُ =ولم يعثرْ على كبشِ الفداءِ

فأغمدَ نصلَهُ ومضى حزيناً =يناجي اللهَ يُوغلُ في اختفاءِ

* * *=* * *

أنا والصمتُ يا تشرينُ نمحو =عن الجُّدرانِ مُسوَّدَ الطلاءِ

فإنْ وافيتَنا بصفاءِ فَجرٍ =فأهلاً بالضِّياءِ وبالصَّفاءِ

وأهلاً حينَ تشرِقُ في الرَّوابي =على الجولانِ في يومِ الجلاءِ

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:01 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (17)


نشـيد الدم




نضَّدتُ من مِزَقِ الجراحِ عُقودا =وضَممتُ من عَبَقِ الدِّماءِ ورودا

وفَتلتُ حبلَ الوصلِ بين قصائدي =والطِّفلَ فانبثقَ النهارُ وليدا

وكتبتُ ملحمةَ الدَّماءِ بأحرفٍ =رفَّتْ على شَفةِ الخلودِ خلودا

* * *=* * *

آمنتُ بالإنسانِ يبذلُ روحَهُ =وكفرتُ فيه مصفَّداً مَجهودا

آمنتُ بالأطفالِ من كَبِدِ اللَّظى =يرمونَ بالحجرِ الوريِّ يَهودا

تتعشَّقُ الأسماعُ وقعَ نعالِهم =يتسابقونَ إلى الفداءِ وُفودا

يا أيُّها الأطفالُ نَزْفُ دمائِكمْ =نسجَ الصُّمودَ على البِطاحِ بُنودا

قسماً بأيديكم بمسقطِ رأسِكمْ =بالمهدِ بالأقصى يزفُّ شهيدا

بالحافظينَ عهودَ منْ عشقوا الثَّرى =بمكبِّرينَ يُدمدمونَ رُعودا

بالحاملينَ النارَ بينَ ضلوعِهم =يتواثبونَ على العدوِّ أُسودا

لَنمزِّقنَّ الغدرَ لو بأظافرٍ =بأكفِّ من صَدقوا تفلُّ حديدا

* * *=* * *

يا ثورةَ الطِّفلِ الذي بهرَ الدُّنى =عزماً وإقداماً فدىً وصُمودا

قدرُ العروبةِ أن تكوني ثورةً =لا تقبلُ التدجينَ والتَّهويدا

يا أيُّها الأطفالُ أيُّ قصيدةٍ =تَرقى لطُهرِ دمائكمْ تَمجيدا

بدمي إذا جفَّ اليَراعُ قصائدٌ =حمْرٌ تُردَّدُ في دمي تَرديدا

عوَّذتُ ثورتَكم بطُهرِ دمائِكم =بالأكرمينَ محاتِداً وجُدودا

بالمؤمنينَ بزحفِكم وهتافِكم =اللهُ أكبرُ همَّةً وصُمودا

بالمانعينَ الواهبينَ دماءهم =الرَّافعينَ من الضِّياءِ عَمودا

العاقدينَ الغارَ فوقَ رؤوسِهم=تيجانَ عزٍّ ترفضُ التَّهديدا

عوَّذتُها بالنَّاذرينَ شُبولةً =بالأمِّ تدفعُ خالداً وسعيدا

من خانعينَ على الطريقِ تَساقطوا =من كلِّ مشلولٍ يجرُّ قَعيدا

* * *=* * *

ثُوروا فلسطينُ السليبةُ كلُّها =مثوى الجدودِ مَفاوزاً ونُجودا

لولا جلالُ اللهِ لم أشركْ بهِ =لتَخذْتُ من أحجارِها معبودا

فتقحَّموا الغمراتِ لا تَهِنوا ولا =يَحزنْكمو من بدَّدوا تَبديدا

حَسِبوا انتفاضتَكم تموتُ بضربةٍ =تلوي إذا عصَفَ الحديدُ زُنودا

حشدوا عليكمْ كلَّ باغٍ خائفٍ =من كفِّ طفلٍ تقذفُ الجّلمودا

خسئوا وخابَ الغدارونَ وسعيُهم =خسئوا وخابوا لن نخرَّ سُجودا

شُلَّتْ أياديهمْ تُكسِّرُ أنملاً =وتدكُّ أبنيةً تخافُ مُهودا

يا خائضينَ غمارَ ملحمةِ الفِدا =يا باذلينَ لها دماً وكُبودا

يا زارعينَ الليل آمالاً على =أنوارِها جَرَتِ الحروفُ قصيدا

أَلقُ الجراحِ يضيءُ دربَ نضالِكم =ويعيدُ وجهاً للجهادِ جديدا

أنتمْ نجومٌ في دَياجي أمَّةٍ =لطمتْ على فقدِ النهارِ خُدودا

ردُّوا لأوردةِ العروبةِ نبضَها =ردُّوا لها نفَسَ الكفاحِ مَديدا

شرفُ العروبةِ يُستردُّ بأَنمُلٍ =ترمي وتكتبُ بالدِّماءِ نشيدا

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:05 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (18)



أغنيةٌ إلى تشـرين




غنَّيتُ تشرينَ يا أعيادَ تشرينِ =حتى تعبتُ وخانتْني شراييني

غنَّيتُ تشرينَ تصحيحاً وملحمةً =وكانَ جمرُ حروفِ النارِ يكويني

تهوَّدَ الكونُ يا تشرينُ فانطفأتْ =كلُّ الحروفِ على أوتارِ تلحيني

هذي المشاعلُ خابَ اليومَ موقدُها =لقد أضاؤوا بها أحلامَ "رابينِ"

* * *=* * *

ما للسياساتِ تهوي فوقَ ساستِها=فتنتشي طرباً آمالُ صُهيونِ

ماذا أقولُ: أأحدو ركبَ قافلةٍ =حرابُها أُغمدتْ في صدرِ مطعونِ

أمْ أدفنُ الجُّرحَ في أحزانِ قافيةٍ =ألبستُها حقبةً ثوبَ التَّآبينِ

واللهِ لو أنَّ لي ظفراً أحكُّ به=لمزَّقت أَظفُري جلدَ الثَّعابينِ

* * *=* * *

ما للمواجعِ أُقصيها فتعصفُ بي =تَفتُّ من عَضُدي عمداً وتلويني

إذا تذكَّرتُ أيامي وما حفلتْ=به السنون جراحُ اليأسِ تكويني

* * *=* * *

قالوا احترسْ: قلتُ هل في الكونِ مُحترسٌ =مثلي يوثِّقُ بين اللامِ والنونِ

هذي أَجنَّةُ أفكاري لقد ولدتْ =بعدَ المخاضِ الذي ما زالَ يُضنيني

أستغفرُ الشعرَ كم ضيَّعتُ قافيةً =عذراءَ أنشدتُها بين الطَّواحينِ

تلكَ المنابرُ تبكي اليومَ سادتَها =ملَّتْ مسامعُها زَيْفَ المضامينِ

كم اعتلاها سفيهٌ لا خَلاقَ لهُ =وكم غزاها دعيٌّ باسمِ تنينِ

وكم تلفَّتُّ حولي لا أرى أحداً =ممنْ أحبُّ على حبٍّ يناديني

لَهْفي على بلدي لَهفي على وطني =لَهْفي على العُربِ من حُمْرِ السَّكاكينِ

سنُّوا القوانينَ باسمِ العدلِ مُغريةً =ما أضيعَ الحقَّ في هذي القوانينِ

إنِّي لأكفرُ بالتاريخِ يكتبُه من =منْ أَسرجوا غيظَهم من يومِ حطِّينِ

* * *=* * *

قولي لتشرينَ يا أعيادَ تشرينِ =جفَّت دمائي ولم تُزهرْ بساتيني

وأقفرَ الرَّوضُ ماتتْ كلُّ صادحةٍ =والبومُ ينعقُ بين الحينِ والحينِ

أستغفرُ الصبرَ كم لوَّنتُ مئزرَه =وكمْ رميتُ عليه غصنَ زيتونِ

وكم زرعتُ حروفي في مشاتلِه =وما حصدتُ وراحَ الشَّوكُ يثنيني

فعدتُ أبحثُ عن زيتٍ أُضيءُ به =فتيلَ حرفٍ على وهنٍ يُعزِّيني

* * *=* * *

وراعَني الزَّيتُ في الآبارِ مُشتعلاً =يضيءُ ... يظلمُ أكواخَ الملايينِ

قد أطفأوا بدَمي أُولى حرائقِهِ =فنامَ تحتَ رمادي كالبراكينِ

لو أنَّ لحظةَ صدقٍ عانقتْ أملاً =يداعبُ الحقَّ لم أذبحْ قرابيني

* * *=* * *

قالوا السلامَ : فصُغنا ألفَ ملحمةٍ =تشدو السلامَ على أنَّاتِ مَحزونِ

فكمْ أقمْنا لهُ حفلاً نباركُه =وكم رقصنا على لحنٍ فلسطيني

نبثُّ أحزانَنا نشكو مواجعَنا =لمجلسِ الأمنِ بين الخفضِ واللِّينِ

تظلُّ أعلامُنا البيضاءُ باردةً =فنستظِلُّ بها في الضَّعفِ والهونِ

ونعقدُ الرايةَ الحمراءَ لاهبةً =بينَ الأشقَّاءِ في شتى الميادينِ

* * *=* * *

يا عاقدَ السِّلمِ ما غيَّرتَ مُعتقدي =مهما استعنتَ عليهِ بالشياطينِ

فكيفَ بالعارِ تمحو العارَ مُعتصِماً =بخيطِ سلمٍ بحبلِ الغدرِ مَقرونِ

أستغفرُ اللهَ كم أشهدتُه علناً =وكمْ حلفتُ وعادَ الشكُّ يَعروني

حتى توضَّحَ لي ما كنتُ أحسبُهُ =وهماً وكان بريقُ القصفِ يُعميني

فرحتُ أبحثُ عن وكرٍ ألوذُ بهِ =خوفَ الرّعودِ لعلَّ الوكرَ يحميني

* * *=* * *

يا قِبلتي وظُبى تشرينَ شاهدةٌ =قد عادَ يُسخطُني ظنِّي ويُرضيني

طوراً أكذِّبُ ظنِّي حين يُسخِطُني =وتارةً صوتُكِ الدَّاوي يُواسيني

فما فتحتُ كتابَ العشقِ مُنتشياً =إلا وطالعَني وجدٌ يُعنِّيني

وما لبستُ ثيابَ الزُّهدِ مُعتكِفاً =إلا وألهبَني دمعٌ يعزِّيني

* * *=* * *

يا قِبلتي ورياحُ الشكِّ تعصفُ بي =لا تَصلبيني على وعدِ السَّلاطينِ

هذي ملاعبُ حبِّي كم رتَعتُ بها =وكم شممْتُ بها عطرَ الرَّياحينِ

وكم رسمتُ على أشجارِها صُوراً =لخافقي وسهامُ الحبِّ تُرديني

وها أنا في حِمى الخمسينَ ما برحتْ =مجامري رغمَ طولِ العهدِ تُوريني

لا تكتبيني سطوراً لستُ أفهمُها =وجرِّديني بلا وحيٍ وتلقينِ

إنِّي سئمتُ عباراتٍ مؤنَّقةً =لا تُرهقيني بآلافِ العناوينِ

* * *=* * *

يا شامُ .. يا قِبلتي يا من بكعبتِها =وقفتُ شِعري لتشرينٍ وتشرينِ

لولاكِ يا شامُ يا مهدَ الجمالِ ويا =أمَّ البطولاتِ لم تنبضْ شراييني

أنتِ الحضاراتُ والأيامُ شاهدةٌ =من مغربِ الشمسِ حتى الهند والصينِ

مرَّتْ تشارينُ أعوامي وأجملُها =تشرينُ زحفكِ من كلِّ التَّشارينِ

فعانِقي الشمسَ في تشرينَ ما طلعتْ =كتائبُ النَّصرِ بالغُرِّ الميامينِ

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:19 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (19)



يا فارسَ الحـرف



في رثاء الشاعر
سعيد قندقجي




باقٍ مدى الدهرِ والفاني هو الجسدُ =يا فارسَ الحرفِ هل أرداكَ منتقدُ

يا مُسكِرَ الروضِ من أنخابِ قافيةٍ =ومُلهبَ الزَّحفِ والراياتُ تنعقدُ

يا منْ ملأتَ لنا الأقداحَ صافيةً =من كرمِكِ البكرِ راحُ الشِّعرِ تَرتفدُ

قمْ " يا سعيدُ " تَنكَّب كلَّ قافيةٍ =واركبْ بحوراً بها الأمواجُ تطَّردُ

أهكذا يا أخي تَمضي على عَجلٍ =ولِمْ تعجَّلتَ هلَّا كنتَ تتَّئِدُ

* * *=* * *

كم يا أخي كنتَ سباقاً لمعترَكٍ =واليومَ تسبقُنا والجَّمعُ محتشِدُ

بالأمسِ كنَّا على العاصي يغازلُنا =صوتُ النواعيرِ والأنسامُ والرَّأدُ

ماذا جرى ؟ كيفَ ضاقَ العِقدُ وانفرطتْ =حبَّاتُه في الدُّجى ما عادَ ينعقدُ

ماذا جرى يا رياضَ الشِّعرِ هل عصفتْ =بكَ السُّمومُ وأغرى صفوكَ النَّكدُ

أين العنادلُ في أعراسِ أمَّتِهم =أينَ الفوارسُ للأخطارِ تَنجردُ

أينَ الذين إذا هزَّتْ يراعتَهم =نسائمُ الحبِّ سالَ العطرُ والشَّهَدُ

في كلِّ عامٍ خليلٌ راحلٌ صُعقتْ له المنابرُ والأقلامُ والبلدُ

فلا تبسَّمَ فجرٌ بعدما رحلوا =ولا تلألأَ نجمٌ بعدما خَمدوا

تجري الثواني بنا في كلِّ ثانيةٍ =موتٌ فنحنُ إلى آجالِنا نَرِدُ

* * *=* * *

لا تسبقوني رفاقي ليسَ لي جَلَدٌ =على الفراقِ لقد جافانيَ الجَّلدُ

ماتَ البشيرُ على الأعتابِ وا أَسفي =وخيَّمَ الحزنُ والأوهامُ والكمَدُ

قضى الصِّحابُ وكانوا أُنسَ مجلسِنا =وأقفرَ الرَّوضُ لم يأنسْ به أحدُ

فلا سعيدٌ بنادي الشِّعرِ يطربُنا =ولا عليٌّ * بصافي النقدِ يَنتقدُ

* * *=* * *

أفقْ سعيدُ وقُمْ هذي ملاحمُنا =في كلِّ حاليةٍ وِردٌ لمن يَرِدُ

على المنابرِ أفواهٌ محنَّطةٌ =وفي الدواوينِ قيءٌ كلُّه زَبَدُ

مجدِّدونَ بلا معنى وغايتُهم =أنْ يُوهِموا كلَّ غرٍّ أنَّهم جُدُدُ

ويحملونَ على الفُصحى بلا خجلٍ =ويَفترونَ وما في القلبِ مُعتقدُ

هم يضمرونَ لنا الأحقادَ ويحَهُمُ =ونحنُ للحبِّ والإخلاصِ نجتهدُ

ويزرعونَ لنا الأشواكَ لاهبةً =لكنَّ زرعَهمُ المحمومَ قد حصدوا

قُمْ يا سعيدُ فأوصالي مقطَّعةٌ=طالَ انتظاري ولمَّا يأتِني مَدَدُ

قلْ للذينَ تمادوا في أذيَّتِهم =لا تُسرفوا في الأذى يا قومُ واقتصدوا

غداً يحطِّمُ قيدَ الذُّلِّ معتقلٌ =في الموحِشَيْنِ ويُوري الكونَ مضطهدُ

إنِّي لأُقسمُ أنَّ الحقَّ مُنبلِجٌ=كالصُّبحِ مهما تولّوا عنهُ أو جَحَدوا

* * *=* * *

يا فارساً درعهُ الفُصحى رماهُ ضُحىً سهمُ المنونِ ألمْ يشفعْ لكَ الزَّردُ ؟

لو تُفتدى يا أبا معنٍ لكنتُ فدىً =لنورِ عينيكَ والأصحابُ والولدُ

فاغفرْ سعيدُ بُكائي لا تَلُمْ قلمي =ما عادَ يَقوى على تصويرِ ما أَجِدُ

تناثرتْ أَدمُعي وهناً على جَدَثٍ =كما تناثرَ فوقَ الجَّوهرِ البَرَدُ

وعقَّني الشعرُ حتى كادَ يقتلُني =صمتٌ تحالفَ فيه السُّقمُ والسَّهَدُ

حتى غدوتُ من الأحزانِ مُلتهباً =روحاً وجسماً من الآلامِ يَرتعدُ

* * *=* * *

قمْ يا سعيدُ وهَبْني منكَ قافيةً =في أربعينكَ منْ عُقْمِ الرَّدى تَلِدُ

قلْ للرُّماةِ وقد أغرى طلائعَهم =جمعُ الغنائمِ أينَ العقلُ والرَّشَدُ

تركتُمُ أُحُداً للغدرِ يركبُه =حتى بكى خجلاً ممَّا جرى أُحُدُ

لو تَعقلونَ لما سارتْ كتائبُكم =أو تُبصرونَ لما ضلَّتْ بكمْ عددُ

أو أنَّ ذرَّةَ نُصحٍ لامستْ عَصَباً =في سمعكمْ لانجلتْ عن دارِكم إدَدُ

قمُ يا سعيدُ وهاتِ الشعرَ أَروعَهُ =يشهدْ لك القاتلانِ الحبُّ والحسَدُ

جرِّدْ يراعَك أُكتبْ كلَّ رائعةٍ =أنشدْ سعيدُ فأنتَ الشَّاعرُ الغَرِدُ

وداعبِ الحُلْمَ في أجفانِ غافيةٍ =جَيْداءَ يَسكرُ من صهبائِك الجيَدُ

ودعْ فؤادي على جمرِ الأسى مِزَقاً =لعلَّهُ حينَ ألقى اللهَ يَبْترِدُ

* * *=* * *

يا شاعراً أَسرجَ العلياءَ فانطلقتْ =إلى الخلودِ بهِ في ركبِ من خَلدوا

لك القوافي الغَيارى كمْ دفعتَ بها =خَطباً تحطَّمَ فيهِ الزَّندُ والعَضُدُ

من كلِّ ساطعةٍ كالبرقِ يتبعُها =رعدٌ يُدمدمُ حينَ البغيُ يَحْتشدُ

وكمْ أتيتَ بها عذراءَ ضاحكةً =يزهو بها الفاتنان الحسْنُ والصَّيَدُ

وكم جلوتَ بها رأياً أصبتَ بهِ =قلبَ الحقيقةِ لم ينبضْ بهِ فَنَدُ

تشفُّ حتى يُرى نبضُ القلوبِ بها =وحينَ يخبو ضرامُ الحقِّ تتَّقدُ

مزيَّةٌ لكَ في نظمِ القصيدِ على =قيثارةٍ ألهبتْ أوتارَها الكَبِدُ

* * *=* * *

ماذا أقولُ لقد شقَّ الأسى كبِدي =فرحتُ أمضغُ آلامي وأَزْدَردُ

ماذا أقولُ ؟ وجرحي نازفٌ أبداً =من الفراقِ وما لي في البقاءِ يَدُ

إنِّي أراكَ أمامي تَنبري جَذلاً =إلى المنابرِ رُوحاً زفَّها الجَّسدُ

فأقبلتْ كرفيفِ النُّور هاتفةً=لا تندبوا كنزَكم حبِّي له رَصَدُ

إنِّي أحومُ على العاصي * مرفرفةً =لعلَّ طوقَ اللآلي فيهِ يَنعقدُ

* علي دمر .. من شعراء حماة
* العاصي .. النهر الذي يشطر مدينة حماة

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:24 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (20)


نداء على جسر العبور



في رثاء المرحوم
المفكر والأديب
سهيل عثمان




تألَّقْ في الجِّنانِ وفي الضميرِ =وحلِّقْ في السماءِ مع النسورِ

تألَّقْ يا سهيلُ ودعْ يَراعي =يبثُّ لهيبَهُ بينَ السُّطورِ

أتمضي يا سهيلُ بلا وداعٍ ؟=وحولَكَ من يدقُّ على الصُّدورِ

وتمضي يا سهيلُ بلا تأنٍّ =تخالفُ كلَّ شاراتِ المرورِ

أجبْني إن في كَبِدي احتراقاً =تأجَّجَ بالشَّهيقِ وبالزَّفيرِ

أذيبُ الهمَّ حتى أَحتسيْهِ =وأُعرضُ عن مغازلةِ الزُّهورِ

فلولا أنَّ لي كَبِداً تلظَّتْ وأدمنَ وقدُها لفْحَ الهجيرِ

لصافحتُ الحياةَ وعشتُ عُمْري =أساقي الحُورَ صهباءَ السّحورِ

فهلْ تصفو الحياةُ وكلُّ يومٍ =يقرِّبُني من النَّزعِ الأخيرِ

وفي نفسي حدائقُ من رِغابٍ =وفي صدري حرائقُ من سعيرِ

كأنِّي يا سهيلُ على اتّفاقٍ =مع البلوى وداهيةِ الأمورِ

كأنِّي حقلُ أحزانٍ وقلبي =ترابُ الغرسِ شفَّ عن الجذورِ

أعضُّ على الأصابعِ من حريقٍ =ويُسلمُني الحريقُ لزمهريرِ

فأَمتشقُ اليراعَ وأيُّ قولٍ =يردُّ غوائلَ القدرِ الغريرِ

* * *=* * *

أَجبني يا سهيلُ لعلَّ ومضاً =من الإلهامِ يُنبئُ بالبشيرِ

وقلْ لي ما وراءَ الموتِ إنِّي =أضعتُ العمرَ في الحلِّ العسيرِ

فإنِّي أجهلُ الجهلاءِ علماً =بأسرارِ المماتِ وبالنُّشورِ

فهل آثرتَ أنْ تمضي سريعاً =لحلِّ اللُّغزِ في صمتِ القبورِ

وهل أبكيكَ أم أبكي بقائي =وعيشي اليومَ كالطَّيرِ الكسيرِ

أَدِفُّ فلا جناحيْ باتَ يَقوى =على التَّحليقِ في جوِّ السرورِ

ولا قدمايَ من وهنٍ وعَجزٍ =تُغذَّانِ الخُطى عندَ المسيرِ

وأُفجعُ بالأحبَّةِ كلَّ يومِ =وينتحرُ الغناءُ على سُطوري

فتلكَ مآتمُ الأحبابِ تَترى =فألمحُ في مآتمِهمْ مصيري

وأُبصرُ نعشَ موتي بانتظاري =وتابوتي وباقاتِ الزُّهور

وأسمعُ صوتَ أحبابٍ تولّوا =يُناديني على جسرِ العُبورِ

فأحملُ ثقْلَ آلامي وأمضي =بطيءَ الخطوِ أَعثرُ في شعوري

فما عيشُ الأديبِ بمُستطابٍ =إذا عُدَّ البُغاثُ مع النُّسورِ

وليسَ لنا بدوحتِنا مُقامٌ =وقد هربَ الغناءُ من الطُّيورِ

* * *=* * *

تألَّقْ يا " سهيلُ " فأنتَ حيٌّ =بما نضَّدتَ من دُرٍّ نَثيرِ

فنحنُ على التّنائي في اتصالٍ =فروعٌ تستمدُّ من الجُّذورِ

تموتُ جسومُنا ونعيشُ فِكراً =بأذهانِ الأنامِ على العصورِ

تواضَعْنا فلم نغترّ يوماً =بموهبةٍ مُقدّسةِ البَخُورِ

وغيرُ العالمينَ يعيشُ مَيْتاً =وينعمُ بالجّهالةِ والغرورِ

* * *

تألَّقْ يا " سهيلُ " وهَبْ يَراعي=ضياءَ الحرفِ يزخرُ بالعبيرِ

لقد علَّمتَنا أنَّ التّسامي=بسكبِ العلمِ من نارٍ ونورِ

فكمْ جئناكَ للتَّحكيم نبغي =صوابَ الرأيِ في الأمرِ الخطيرِ

فكنتَ الفصلَ في كلِّ اختلافٍ=برأيِ العالمِ الفَطِنِ الخبيرِ

وعشتَ مدى حياتِكِ في عراكٍ =مع الأفكارِ للرَّمقِ الأخيرِ

ترشُّ العطرَ في غُررِ الأماسي =وتبتكرُ المعارفَ في البُكورِ

كأنَّ حديثَكَ الشَّهدُ المُصفَّى =على صُحفٍ تَموَّجُ بالعُطورِ

* * *

إمامَ الفكرِ يا علماً تَسامى =على عرشِ الإمارةِ والأميرِ

بنورِ العلمِ تَنكشفُ الرَّزايا =ويجلو الفكرُ غاشيةَ المصيرِ

صُعقتَ لأمَّةٍ نُكبتْ بغدرٍ =يهوديٍّ تمَّرسَ بالشُّرورِ

فلم تركَنْ لما حشدَ الأعادي=على الأوطانِ من لَهَبِ السَّعيرِ

لقد عادوا أفاعيَ زاحفاتٍ =بأسلحةِ السَّلامِ المُستجيرِ

وبعضُ الحاكمينَ يصمُّ أذْناً =وبعضهُمُ تخلَّعَ في القصورِ

وآخَرُ ثائرٌ ألقى سلاحاً =بصفقةِ خاسرٍ فَدْمٍ * غريرِ

تنازلَ فارتضى علَماً عدواً =يهوديَّاً يرفُّ على الثُّغورِ

لقد فرشوا له سُرُراً فأَغفى =على سُرُرِ المهانةِ في سُرورِ

وأطفالُ الحجارةِ في تحدٍّ =ونصلُ الغدرِ يطعنُ في الظُّهورِ

* * *

تألَّقْ يا " سهيلُ " بدارِ خُلْدٍ =وغرِّدْ في الجنانِ مع الطُّيورِ

أَدِرْ خمرَ الخلودِ على النّدامى =وفُزْ بالأُنسِ والعيشِ النَّضيرِ

ودعني يا " سهيلُ " على جحيمٍ =من الآلامِ يقتلُني شُعوري

لقد غادرتَنَا جسداً طهوراً =لتسكنَ في العقولِ وفي الضَّميرِ

فإنَّكَ لم تمتُ ستظلُّ حياً =تحلِّقُ في السَّماءِ مع النُّسورِ

*الفَدْمُ من الناس... العييُّ عن الحجة والكلام

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:32 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (21)


بـذورُ اليأس




إلى المرآةِ أجلسُ كلَّ يومٍ =أحدِّقُ باحثاً عنِّي طويلا

أفتِّشُ في المحارقِ والزَّوايا =فأُبصرُ في تمرُّدها ذليلا

تراني من أكونُ ؟ ويعتريني =ذهولٌ ما عرفتُ لهُ مثيلا

أإنسانٌ أنا ؟ وينزُّ جُرحٌ =بقلبي يفسدُ الحُلُم الجميلا

يعيدُ ليَ المواجعَ في المرايا =وقد أَلِفتْ مكابَرتي عليلا

فلم أُبصرْ بها نفسي ولكنْ =رأيتُ على تمرُّدها دليلا

* * *=* * *

رأيتُ طموحَها لغدٍ وريفٍ =وظلَّاً في حدائقِهِ ظَليلا

وأزهاراً تُوشِّي الكونَ حُبَّاً =لمن أعطى ولم يأخذْ بديلا

تحدَّيتُ الأساودَ والأفاعي =وداءً كادَ يفتكُ بي وبيلا

زمانَ نذرتُ للعلياءِ رُوحي =وكنتُ إخالُني رجلاً نبيلا

أقمتُ الليلَ في صلواتِ حبٍّ لمن صدقَ الهوى إلا قليلا

ورحتُ أصوغُ من كَبِدي شموعاً =ولم أكُ في صياغتِها بخيلا

وأُشعلها بإيماني وصدقي =ولم أطفئْ لأحبابي فتيلا

أُضيءُ دروبَ أجيالٍ تسامتْ =بأفكاري تحقِّقُ مُستحيلا

* * *=* * *

وملَّتني المحارقُ والزوايا =وكادَ اليأسُ يسقطُني قتيلا

أحبَّائي الذين سَمَوا بحبِّي =قَلَوْني حين لم أجدِ المقيلا

فرحتُ أذودُ عن نفسي بشعري =وأرسلُ من كآبتِها هَديلا

وأطفئُ شمعَ أحزاني لأروي =من الآمالِ في كَبِدي غليلا

فلم أظفرْ بغيرِ الوهمِ يَسري =بأوردتي ويملؤها عويلا

أأرجعُ للنِّزالِ ولا أُبالي ؟=وأحملُ في دمي عِبئاً ثقيلا

وهل لي حينَ يخذلُني اعتقادي =سبيلٌ يخدمُ الهدفَ الجليلا ؟!

إذا نبتتْ بذورُ اليأسِ شاختْ =أماني العمرِ وانتحرتْ أصيلا

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:35 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (22)


خَيبـةُ الدِّلاء




ليالي العمرِ تُمعنُ في ابتلائي =وتتركُني بلا زادٍ ولا ماءِ

وزادي من مَجاني الفكرِ يحلو =ومائي من ينابيعِ الوفاءِ

وكنتُ بعالمِ الأرواحِ رُوحاً =وذرَّاتٍ تُهوِّم في الفضاءِ

أتيتُ إلى الحياةِ كأيِّ طفلٍ =يُطلُّ على الحياةِ مع البكاءِ

يجودُ عليه ثديُ الأمِ حبَّاً =وتَحنانا فينعمُ بارتواءِ

وينقلبُ البكاءُ إلى ابتسامٍ =بريءٍ كانبثاقاتِ الضِّياءِ

* * *=* * *

ولكنِّي بدأتُ العمرُ طفلاً =شقيَّاً مُذْ بُعثتُ من الخفاءِ

حبوتُ على القتادِ* بلا وِجاءٍ =لقد أكلتْ مواسمُه وِجائي

وألقتْني إلى عَنَتِ اللَّيالي =يجرِّحُني ويشربُ من دمائي

ولما أنْ كبرتُ وشاقَ روحي =طموحٌ مستبدٌّ للعلاء

تكالبتِ الهمومُ عليَّ حتى =رأيتُ الشَّمسَ تُظلمُ في سمائي

* * *=* * *

رجوتُ بَنيَّ حينَ عتا زماني =فخيَّبَ كلُّ أولادي رجائي

ولكنِّي تحدَّيتُ الليالي =وأشعلتُ الكواكبَ من عطائي

وأدليتُ الأمانيَّ العذارى =فخيَّبَ وِردُ أحلامي دلائي

وغادرَني على ظمأٍ أُغنِّي =فجفَّ اللحنُ حين جرى غنائي

وغصَّتْ بالأنينِ لهاةُ شعري =فأشعلَ نارَ غصَّتِها إبائي

وأَلهبَ أَحرفي فغدتْ جحيماً =صُراخاً زاخراً بالكبرياءِ

إذا لزمَ الشقاءُ حياةَ حُرٍّ =أضاءَ الفجرَ من كَبِدِ الشقاءِ

وصاغَ من القريضِ عُقودَ ماسٍ =تُزيِّنُ جِيدَ مُتْرفَةِ البهاءِ

وأوقدَ نارَ ملحمةِ القوافي =ولم يأبهْ لداعيةِ الرِّياءِ

ولم يجلسْ ليَطعمَ سُمَّ عيشٍ =بمأدُبةِ اللئامِ على ولاءِ

كرهتُ العيشَ في وطني ويَبقى =يُشرِّفُني إلى وطني انتمائي

برُوحي أفتديهِ وإن قَلاني =وغيَّبني وأمعنَ بالخفاءِ

وحمَّلَني همومَ العيشِ كُرهاً =ونازعَني الخلاصَ من البلاءِ

وأطعمني على جوعي فُتاتاً =وأَطعمَ شانئاً دَسِمَ الغذاءِ

فكمْ من جاهلٍ يختالُ عُجباً =وينعمُ بالهناءةِ والرَّخاءِ

وكمْ من مُشرعٍ حرفاً حقوداً =تبنَّتهُ المنابرُ باحتفاءِ

فراحَ يعبُّ أضواءَ النوادي=ليظلمَها بأمواجِ الغُثاءِ

أنا الألقُ المقدَّسُ يا بلادي =لأجلكِ أَنتضي قلمَ الفداءِ

لئنْ نسيَ التُّرابُ هوى انتمائي =فهل نسيتْ قداستُهُ حُدائي

وهل طلعَ الصَّباحُ عليهِ يوماً =ولم يسمعْ صُداحيَ للمساءِ ؟

فَلِمْ لا أستحمُّ ببحرِ حُبِّي =وَلِمْ لا أستريحُ إلى الهواءِ

وهل بحرُ الهوى وقْفٌ لقومٍ =وأنسامُ الهواءِ لمنْ يُرائي ؟!

* * *=* * *

أحبُّكَ يا ثرى وطني لَوانِّي =لقيتُ عليكَ ألوانَ العَناءِ

أحبُّكَ فاحتضنْ جسدي طَهورا =إذا ما الشعرُ جَلْجَلَ في رِثائي

*القتاد ... شجرٌ له شوك

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 01:38 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (23)


فصـلُ الخطـاب



لا تَزيدي الجَّوى بطولِ الغياب =أنتِ أَدرى بلوعتي وعذابي

أنا أهوى عينيكِ بوحاً حنوناً =قرِّبيني إليكِ دونَ ارتيابِ

وامنحيني من نورِ عينيكِ وَمْضاً =يشعلُ الشَّوقَ في عروقِ التَّصابي

لا تَغيبي وتُطفئي نارَ وجدي =نارُ وجدي تزيدُ عندَ اقترابي

أنا أهواكِ حاكماً مستبداً =بفؤادي بخيلةً بالثَّوابِ

أنا أهواكِ صرخةً في دمائي =وهدوءاً ينسابُ في أَعصابي

وابتهالاً ورِقَّةً ودلالاً =وانطلاقاً إلى الذُّرا والشِّعابِ

وربيعاً من الهوى وشتاءً =وخريفاً يُزري بصيفِ الشبابِ

أنا أهواكِ بسمةً في شقائي =ودموعاً في وَحشتي واغترابي

لا تُطيلي الغيابَ فالعمرُ أضحى =قابَ قوسينِ من نزولِ التُّرابِ

نحنُ للحبِّ والحنانِ خُلقنا =وحَرِيٌّ بنا ارتشاف الرّضابِ

وحَرِيٌّ بمن يحبُّ ويهوى =أنْ يُذيبَ المُنى بكأسِ الشَّرابِ

رُبَّ يومٍ للوصلِ ينجبُ سعْداً =يدفنُ اليأسَ في وميضِ السَّرابِ

نحن كالوردِ رقةً وعبيراً =وجديرٌ بالوردِ نفحُ المَلابِ

فتعالي يا عَذبةِ الرُّوحِ نَحيا =في بُروجِ المنى بدُنيا الرِّغابِ

وتعالي نعقدْ من الفجرِ شالاً =فوقَ خصرِ الأصيلِ قبلَ الغيابِ

وَلْنطوِّقْ بالنورِ عُنْقَ الليالي =ولْنُضمِّخْ بالعطرِ فجرَ الرَّوابي

فاكتُبيني بضوءِ عينيكِ سطراً =يفضحُ السرَّ في غُموضِ الجوابِ

واجعليني عنوانَ حُبٍّ قديمٍ =لصراخٍ * قدَّمتُ فيهِ كتابي

آهِ يا شمعتي الحزينةَ زِيدي =في انصهارٍ وأمعني في التهابِ

آهِ يا بسمتي النديَّةَ طُوفي =بارتياحٍ وأَجمِلي في العِتابِ

آهِ يا خمرتي التي لم تُعتَّقْ =لمُجونٍ بل عُتِّقتْ لاحتسابِ

لا تقولي مضى الشبابُ وولَّى =أمتعُ الحبِّ في سِنيِّ التّصابي

أنتِ أحلى في الأربعينَ وأَبهى =فاتَّقي اللهَ عندَ فَصلِ الخِطابِ

*صراخ ... ينوه الشاعر بديوانه
الأول (صراخ الجحيم)

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:16 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (1)


إجهاض الحلم


أملٌ أضاءَ وأطفأتْه ظنوني=فهوى عليَّ وما اتَّقتهُ يميني

حاولتُ أمنعهُ السقوط بهمةٍ=نبذت خلايا الذُّلِّ من تكويني

مُذْ كنتُ أقتنصُ النجوم وأنثني =وهناً وأودعها سواد عيوني

أحسستُ أني بالشقاء مقيدٌ=أُقصيُ رؤاه ولم يزل يدنيني

فأنام أنتظر الصباح لعلَّني=بنداهُ أطفئُ حرقةً بجفوني

وأفيقُ يبعثني الضياء محملاً=بالأمنيات مدججاً بحنيني

***=***

وأغيبُ في صور النهار تشدُّني=بالمغريات إلى طريق مجونِ

أتسلق السفح المريبَ لقمَّةٍ =شمَّاءَ كلَّلها السنا بفتونِ

حتى وصلت وفي الطريق تبخَّرتْ=أحلام عمري تحت حَرِّ شجوني

ورأيت ملحمة السراب وقد غدتْ=وهماً توضَّح فوق قبر ظنوني

وتخضَّبت بدماء جهدي علَّتي =فرسمتُ لوحاتي بصمت حزينِ

وجمعتُ أوراق الخريف دفاتراً=وكتبتها شعراً بماءِ شؤوني

***=***

وبدأت مرحلة الهبوط مشيَّعاً=بدم السقوط على غضون جبيني

ألقي أخاديد الزمان بسلةٍ=من غَزلِ أوهامي ونسج جنوني

حتى إذا امتلأتْ حملتُ جمارها =ومضيتُ أطفئها ببرد يقيني

ورجعت ألفظ ما ألوكُ من الحصى =عمراً وكان قوامُها يغريني

أيام كنتُ رهينَ كبتِ عواطفي =ورؤى الشباب بجمرها تكويني

وغدت حساباتي تعبِّر عن مدى =حُمقي وتقذف بي لبحر سكونِ

تترصَّد الحيتانُ نُبلَ مشاعري =لتنالَ من مِزَقي و عَظْمِ أنيني

فسرى دبيبُ الوهن يقتلُ في دمي =حَملاً فأجهضني ومات جنيني

18-11-1996

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:20 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (2)



دماء الخوف





أعيش الخوف أحلم بالأمانِ =بغاشية الزمان من الزمانِ

أعيشُ الخوفَ منذُ جريتُ دفقاً =وسوَّى الله من حَمأٍ بَناني

خرجتُ من الظلام وكان حتماً =خروجي من دياجير المكانِ

وواجهت الضياء وزاد خوفي =يقيني أنني لابدَّ فانِ

لأُحشر للحساب وأيُّ حشرٍ =يطيشُ لهولِ مشهدِهِ جناني

***=***

أعيشُ الخوفَ حين السعد يبدو =ويرهقني التباعد والتداني

وتتركني المخاوف حين يصحو=جنوني في مسابقة الثواني

ويحسدني الجهول على جنوني =وسيري في الحياة بلا عِنانِ

ويحسب أنني مازلت غرَّاً =مع الستين أخسر في رهاني

فلا أنا من ذوي " المليار " مالاً =ولا أنا من قراصنة البيانِ

وجُلُّ الحاسدين عبيدُ مالٍ=تفانوا بالجواهر والجُّمانِ

وحسبي أنني بضياء شعري=غزوتُ الشمس بالغُررِ الحسانِ

دماءُ الخوف تصهل في عروقي =وتتركني أعاني ما أعاني

أُسابقها بطيءَ الخطوِ أعدو =فتسبقني وتنخرُ في كياني

وتُسلمني لمفرقٍ مريب =تلوح به سراباتُ الأماني

وأرجعُ والضباب يلفُّ عمري =لأوغل في سحابات الدُّخانِ

أُقطِّر من دموع اليأس حلْماً =خريفيَّاً تُعتِّقُـــه دناني

وأزرع فيه كل شتات عمري =فتحصده نيوب الأفعوانِ

***=***

أعيش الخوفَ من أمواج وهمي =وجهلي للشواطئ والمواني

وتقذفني رياحٌ عاتياتٌ =إلى جُزُرٍ يُشلُّ بها لساني

تُميتُ الشعر في قلبي وتُحيي=أحاديثَ الرياءِ بمهرجانِ

أعيش الخوف ينهشني ضميري=إذا أحكمتُ أقنعة الجبانِ

وجرَّبتُ الشجاعة دون رأيٍ=وحطَّم كلَّ سامقةٍ سناني

وحاولتُ العبورَ إلى مكانٍ =بلا صحوٍ يضيع به حناني

***=***

أعيش الخوفَ من نزواتِ نفسي =إذا جمحتْ وغادرني اتِّزاني

وخلَّفني أسيرَ هوايَ أمضي =على جُرُفِ المذَلَّةِ والهوانِ

فأبلغُ ذِلَّتي وألوكُ يأسي =وأُعرِضُ عن مغازلة الغواني

***=***

أعيشُ الخوفَ من ربِّي وأخشى =ظلام القبر يحطمُ عنفواني

وأخشى الفكر يهزمني جزوعاً =ومالي حين يهزمني يدانِ

ولم أعلم مقامي عند ربِّي =أفي نار الجحيم أم الجنانِ

ولولا أنَّ لي أملاً بعفو ٍ =لأزهقتُ الحياة بلا توانِ

ولكني عرفتُ حدود عقلي =وأنِّي في حدود العقلِ وانِ

فآثرتُ الرضى وتركتُ روحي =على الآمال تحلُمُ بالأماني

كذا الدنيا شقاءٌ مستمرٌ =وخوفٌ دائمٌ في كل آنِ

فسُحقاً للذي يرجو بقاءً =ويعلم أنَّه لابُدَّ فانِ

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:33 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (3)




الشوق القاتل





أَعدُّوا عصا الترحال إنِّيَ راحلُ=فشوقي لهجر الحيِّ شوقٌ مقاتلُ

أَعِدُّوا عصا الترحال ثمَّ ترقَّبوا =رحيلي لحيٍ ليس فيه منازلُ

سئمت حياتي بين أهلي وصُحبتي =وبتُّ غريباً في بلادي أناضلُ

أحاولُ كسب القوت في بُؤر اللظى=وفي غُرَفِ التبريد أيضاً أحاولُ

وأبرزُ في ساح القتال معانداً =وأسلُسُ في ساح الهوى فأغازلُ

أنوءُ بما يرضي الجمال فأنحني =كما تنحني وقت الحصاد السَّنابلُ

وأمشي على شوك الترفُّع حافياً =وفي همَّتي شُمُّ الجبال أطاولُ

وما كنت غِرَّاً بين أهلي ولم أجدْ =لنفسي مثيلاً للزمان يصاولُ

ويسعى حقودٌ بالوقيعةِ بيننا=ويغبطه في السعي نذلٌ وسافلُ

كذا الناس رعديدٌ وصِلُّ وغادرٌ=فهل من جذور اليأسِ ينمو التفاؤلُ

تمدُّ ليَ الأيام كفَّ مسالِمٍ =وتقطع بي حبلَ الرَّجا فأقاتلُ

***=***

ولما رأيتُ الناس حولي أساوداً=وأنيابُهم فيها الحتوفُ مواثلُ

توقَّفتُ في صمتٍ أفتش في يدي =لعلَّ بها عوناً لما أنا فاعلُ

فلم أرَ فيها غير ريشة شاعرٍ =أبيٍّ إذا جدَّ النزال ينازلُ

ينام على نارٍ ويصحو على لظىً=يحاذرُ أن يطغى الأسى فيواصلُ

وتولدُ في عينيه ألفُ مريبةٍ=تُشاغِلُهُ عمَّا يرى فيُشاغلُ

ويغمضُ أجفانَ الظلام لعلها =تلوح له خلف الظَّلام أصائلُ

يُجاري سوادَ الناس فيما تعوَّدوا =فطوراً يجافيهم وطوراً يجاملُ

ويجمع بين الخوف والأمن مُجهَداً =وتفصله عما يروم فواصلُ

ويسعى إلى النُّعمى بكل وسيلةٍ=وهيهات أن تسعى إليه الوسائلُ

فيرسلُ آياتِ البيان صواعقاً=ويترك للأحفاد ما هو قائلُ

***=***

سأمضي ولا أُصغي لحكمةِ ناصحٍ=فإنَّ دعيَّ النُّصحِ خِبٌّ مُخاتلُ

أخِبُّ مع الستين أبحث عن دمي =فهل جفَّ ؟ أم صُبَّتْ عليه السوائلُ ؟

وهل أنا مقتولٌ بعدلي وظلمهم =وهل أنا في رفع الظلامة قاتلُ

لقد حِرتُ في ردِّ الجواب ولم أزلْ =برغم ضياعي في السؤالِ أُسائلُ


2-9-1999

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:36 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (4)


طفلةُ النهدين



أحبُّك حبَّ الروض للطلِّ والندى=أحبُّك حبَّ العشبِ للغيمةِ البكْرِ

أحبُكِ هل تدرين أنِّيَ عابدٌ =وأنَّكِ مهوى الروح في السرِّ والجهرِ

رعى الله أيام الشباب لقد مضتْ =ولم يبقَ إلا فضلةَ الكأس من عمري

ولم يبق إلا أنْ أثوبَ وأرعوي =فقد جفَّتِ الآمال في المهمه القفرِ

***=***

حنانيكِ لم يترك لي الدهر غايةً=ألوذ بها وهناً وقد عقَّني دهري

ولم يبقَ لي إلاكِ أُنساً لوحشتي =فأنتِ شُعاعُ النور في ظلمتي يسري

وأنتِ مُدامي حين يصهرني الأسى=دبيبكِ أحلى في دمائي من الخمرِ

***=***

فيا ليلةً قمراء جُنَّ بها الهوى =غدوتُ بها كالظلِّ من شدَّة السُكرِ

جعلتُ بها كأسي لَماكِ وبسمةً =تُشِيعُ بروحي الدفء في موسم القرِّ

وأنت على شوقٍ تذوبين رقةً=تقولين يا روحي .. أقول:أيا عمري

حنانيكِ يا أحلى عذابٍ عشقتُه=أبثُّ له شوقي على ضفَّة النهرِ

وأفضحُ أسراري لديه وأنثني =أُلملمُ أشواقي وأحنو على سِرِّي

وألمحُ في عينيك عاصفة النوى=فأجمعُ أوراقي وأُخفي بها أمري

***=***

حليفةَ آلامي ويأسي وغربتي =وملهمتي الآياتِ إن عقَّني شعري

كلانا بماء الصبر يروي غليله=فهل تورقُ الأغصانُ في موسمِ الصبرِ

نُجرِّحُ صمتَ الليل في صحوة الهوى =ونستغفرُ الآهاتِ تصحو على الجمرِ

وليس لنا إلا التصبُّرُ في الأسى =لنقلبَ عُسرَ الأمنياتِ إلى يسرِ

***=***

فيا طفلةَ النهدين يا كهلةَ الهوى =رويدكِ في وصلي .. رويدك في هجري

وصلتِ ولم يطفئْ وصالُك حُرقةً=وهاجتْ قوافي الشوقِ كالموج في صدري

وصرتُ أخاف البعد عنكِ لأنَّني=ترشَّفتُ ذوبَ الشهد من خمرة الثغرِ

وحُمتُ على الأزهار أجني مواسماً =أَرِفُّ رفيفَ النحل في غابة الزهرِ

أَعبُّ رحيقاً في دمائي أُحيله=شراباً طَهوراً عبر أوردتي يسري

فهيَّا إلى روضي .. تعالي إلى الهوى=نُخَلِّصْ بقايا العمرِ من قبضةِ الدهرِ
15-8-1997

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:51 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (5)



رحلةٌ من الكوخِ إلى القصرِ





قالت تعاتبُني وقد سكن الهوى=ماذا كتبتَ ؟ وأجهشتْ ببكاءِ

ماذا فعلتُ لتستبيحَ عواطفي=وتقيم مأدبةً على أشلائي

هذي " الفساتين " التي مزَّقتُها =بأظافرٍ نفذتْ إلى أحشائي

هذي الملايين التي جمَّعتها=وصبغتها زيفاً بلون ضيائي

هذي القصائد والرسائل والدُّمى =والمغرياتُ وحجرةُ الأضواءِ

والأمنياتُ .. الأُعطياتُ وباقة ٌ =محمومةُ الأزهار والأنداءِ

والقائمون القاعدون تزلُّفاً =والراكعون الساجدون ورائي

هذي وتلك وهؤلاء جميعهم =رقصوا على جسدي فمات إبائي

***=***

وأتيتُ أزحفُ والهوان يعضُّني =وبقية الأُجراء والعملاءِ

فإذا زحفتُ إلى الأمام تنكَّبوا =أسيافَ شهوتهم بدون حياءِ

وإذا انكفأتُ إلى الوراء تحلَّقوا=حولي وأمسكَ رأسُهم بحذائي

***=***

فوقفتُ أنتظرُ الغروب لعلَّني =بعد الغروب ألوذُ بالظلماءِ

ومضيتُ في الليل المعكَّرِ صفوه =بضجيجِ من سكروا من البُلهاءِ

أتلمَّسُ الجدرانَ أعثرُ بالرؤى =وأَشقُّ دربي .. أختفي بردائي

طوراً تقاذفُني الظنونُ وتارةً =تمضي بيَ الأوهام في خيلاءِ

ولقد ألفتُ العُرْيَ بعد هنيهةٍ =فخلعتُ جلدي بعد قصِّ فرائي

وألفتُ طعم الغدر بعد تقيؤٍ =فأكلتُ عهدي واحتسيتُ وفائي

***=***

ووصلتُ منتصف الطريق وراعني =شخصٌ تنكر تحت ثوب رياءِ

فوقفتُ أنظر من خلال أصابعي =طوراً وطوراً من ثقوب غطائي

حتى مَللتُ من الوقوف وساقني =حُمقي وحُمَّى اليأسِ في أعضائي

فجذبتُه نحوي ليسقط برقعٌ =فإذا به من عُصبةِ اللقطاءِ

وتركتُه بالوحل يغسلُ وجهَه =ومضيتُ ألعنُ فطنتي وذكائي

وسمعتُه يهذي يتمتمُ قائلاً :=هذا طلاءٌ فاحتقرتُ غبائي

***=***

ووصلتُ قصرك والجراح مشاعلٌ=تقتاتُ زيتَ الهمِّ والبُرحاءِ

فثقبتُ أسوارَ الرياء بنظرةٍ =نفذتْ لداخل قصرك المُتنائي

ورأيتُ ما وسع الخيال تصوُّراً =من خِسَّةِ اللؤماءِ والسُّفهاءِ

العاهراتُ العارياتُ حرائقٌ =بدمِ الزُّناةِ وأضلع الجهلاءِ

لم يعرفوا أن الطريق لضربنا =رُصفتْ بأوَّل دعوةٍ لبغاءِ

***=***

أنهتْ حديثَ العتب ثم تنهدتْ =ورنتْ إليَّ بنظرةٍ خرساءِ

فهرَعتُ للكوخ الذي ما ضمَّنا =إلا ليبعدَنا لغير لقاءِ

أمسكتُ مِعولَ خيبتي وهدمتُهُ =لأعيش حلمَ السعد بعد شقائي

ونسجتُ من غَزْلِ القريضِ قصائداً =كفناً لصوتي حين مات ندائي

***=***

هذي قصائديَ التي ما صُغتُها =إلا لأُلقيها على البُسطاءِ

نضَّدتُ أحرفَها المشعَّةَ خلسةً =من أعين النقادِ والأدباء

وجعلت آيةَ حسنها مجلوَّةً =عند الرواةِ ومعشر الشعراءِ

28-2-1978

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:53 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (6)




شوقُ المبدعين




لعينيك لا للفرقدين أشيرُ =إذا رام عزاً شاعرٌ وأميرُ

لعينيك قلبي يا حبيبةُ جدولٌ =من العشق سكران الضفافِ نميرُ

لعينيك صلَّى الشوقُ وابتهلَ الهوى =وسبَّحَ وجدٌ واستفاقَ غديرُ

فهامَ تقيُّ القصد في ألقِ المُنى =وشبَّ بأضلاع الشقيِّ سعيرُ

***=***

حبيبةَ عمري يا هزاراً ألفتُه =حزيناً بأجواءِ الضبابِ يسيرُ

يُجرِّحُ ليلَ الصمت وجداً ولوعةً =وحيداً على جيشِ الهموم يغيرُ

يحاول جمعَ الأمنياتِ غنائماً =وليس له رغم الوفاءِ نصيرُ

***=***

عشقتُ بك الآلامَ تصهلُ في دمي =شهيقاً وموت الأمنياتِ زفيرُ

عشقتُ سخيَّاتِ الدموعِ مواطراً=ليزهرَ من موتِ المصيرِ مصيرُ

***=***

حنانيك يا كلَّ الوجود مصوراً=بعينيَّ إنِّي في ضياكِ بصيرُ

أجيبي حليفَ السُّهد يعصرُ كرمه =عبيراً فهل يشفي الجراح عبيرُ

وقولي إذا ما الشوق برعمَ أحرفاً =من الشعر شوقُ المبدعين خطيرُ

وأنِّي بأجواء الضباب طليقةٌ=ولكنَّ قلبي في الظلام أسيرُ

ولولا حنيني للصباحِ ونورِه =لضاق بحُلْمي مخدعٌ وسريرُ

وأنت محبٌّ شاعرٌ متعلِّقٌ =بأهدابِ وصلٍ والوصال عسيرُ

أخاف إذا ما الكرمُ أورقَ واغتنى=وأينعَ عنقودٌ وفاض غديرُ

تبادرُ كرمي حاطباً ومُعرِّياً =وقد نال من خُضرِ الغراس هجيرُ

فآليتُ ألا أغرس الكرمَ بالمنى=ولو حلَّ فصلٌ بالشقاء مطيرُ
7-11-1996

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 04:55 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (7)




اتهام




ويتهمونني بالحب زوراً =وأنِّي عالقٌ بشباك دعدِ

وأنَّ قصائدي تنساب نهراً =إذا ما لاحَ جفناها بوعدِ

فقلت : رويدكم إني محبٌّ =وحبِّي للجمال قديم عهدِ

وأني عالقٌ بشباك ليلى =ومالي في هوى دعدٍ وهندِ

تهيمُ بأحرفي إن قلتُ شعراً =وتُلهبني ابتسامتها بوقدِ

تَجاهلُني إذا ألمحتُ يوماً =لصدقِ هوايَ في أخذٍ وردِّ

وتُعرِضُ عن مجاراتي بقولٍ =فتُسلمني لآهاتي وسهدي

وتَلقاني إذا ما غبتُ يوماً=معاتِبةً على نأيي وبُعدي

فأَلمحُ في العتاب بريقَ شوقٍ =ومن خلف العتاب يُطلُّ سعدي

***=***

وكم راحتْ تُشاغِلني بلحظٍ =وتلعب بي على قصدٍ وعمدِ

وتحلو لي مشاغلتي فأرضى=بما يُرضي تدلُّلها ووجدي

وتُسكرني الحروف مُدلَّلاتٍ=تَقَطَّرُ من فمٍ ريَّان وردي

وأغرقُ في الذهول إذا تبدَّى =ضياءُ الفجر من جيدٍ وخدِّ

ويوقظني العبير وكل عمري=فدىً لعبير شلالٍ ونهدِ

وكم أسرفتُ في التَّهيام حتى =أضعتُ بلُجَّةِ التَّهيام رُشدي

نسيتُ ترفُّعي وسموَّ نفسي =وآثرتُ التملُّقَ دون حمدِ

وما مَلقي لها إلا ابتهالٌ=إليها والجزاءُ جميلُ صدِّ

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 05:33 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (8)



لا تسأليني ما اسمها





لا تسأليني من أحبُّ فإنَّها =نورٌ جرى بدمي أضاءَ حياتي

لا تسأليني لمْ أُجبْك فإنَّني =أحببتُ نورَ الله في مشكاتي

نوراً أضاء لي الحياةَ فأزهرتْ=ودفنتُ في أزهارها مأساتي

***=***

أحببتُ عينيها وبسمةَ ثغرها =ونقاءَ وجهٍ مشرق البسماتِ

أحببتُ لون الورد في وجناتها =وعبيرها الفواح من خُصُلاتِ

وتناسقَ النغماتِ في خطواتها =وسماع موسيقى من الخطواتِ

***=***

أحببتها وكتمتُ حبِّي لم أجدْ=سبباً يشدُّ صِلاتِها بصِلاتي

أحببتها حبَّ الشقي بصحوةٍ =يرجو الإله بأصدق الدعواتِ

فأنا مع الستين قلبي واجفٌ=إنِّي لأَخجل من سنين حياتي

لا تسأليني ما اسمها ما عُمْرها لا أستطيع الردَّ بالكلماتِ

عمرُ الحبيب لديَّ عمرُ غرامه =والحبُّ لا أحصيه بالسنواتِ

***=***

أنا يا مُنى روحي شقيٌّ عاشقٌ=متعبدٌ لله في خلواتي

أتلو على اسمِ الله آياتِ الهوى =وأقيمُ ليل الحب في صلواتي

طهَّرتُ وردَ النفس من أدرانه =فأنا بريءُ النفس من نزواتِ

وجعلت حبِّي للجمال منزَّهاً =عن خِسَّةِ الأخلاق والنزعاتِ

أهفو لها بحنين قلبٍ شاعرٍ =وأهيمُ في صمتي مع العبراتِ

سيظلُّ جرحي نازفاً بجوانحي =يروي غرامكِ من دماء حياتي

8-8-1994

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 05:36 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (9)




مكالمة هاتفية





راحتْ تحدِّثني بصوتٍ ساحرٍ =لمَّا هتفتُ لها بقلبٍ واجفِ

قالت: وقد سكر الأثيرُ بصوتها =وتلمَّظتْ عبر الأثير مراشفي

هل من جديدٍ في (ال) وذابَ حديثها=كفتيتِ مسكٍ من رحيق عواطفِ

وسمعتُ ضحكتًها ترنُّ بمسمعي =فسرى عبير الشوق يُسكرُ هاتفي

***=***

الله : يا وترَ الخلود لشاعرٍ =يروي هواك بلحن حبٍّ راعفِ

طوراً يطيرُ به الخيال وتارةً =تذرو أمانيه رياحُ عواصفِ

لولا ابتسامتك النديَّة لارتمى=مِزَقاً على أمواج سيلٍ جارفِ

ومضى إلى بحر الضَّياع يشدُّه =نهرُ الأصيل لظلِّ صمتٍ وارفِ

***=***

فدعي هوى عينيك يغسلُ روحه =من كلِّ آثام الزمان السالفِ

وتقدَّمي طوعاً إلى قدر الهوى =ومتى سئمتِ من الوصال فخالفي

وخذي شراعَ نعبرُ خلسةً =بحرَ انشطاراتٍ لِبرِّ تآلفِ

لا تتركي أيام عمرك تنقضي =هرباً تلاحقُها ظلالُ مخاوفِ

إنِّي أخاف عليكِ إنْ عصفَ الهوى =ومضت مواسمُه كبرقٍ خاطفِ

أن تَشرقي بدموعِ حزنٍ قاتلٍ =وتعاقري أنخابَ يأسٍ عاصفِ

فاستسلمي للحبِّ لا تَستبدِلي =أحلام تائهةٍ بنبل مواقفي

فبِكلِّ حرفٍ من حروف قصائدي=نبضٌ يحرِّكُ كل قلبٍ تالفِ

إنِّي طرحتُ اليومَ أسمالَ الهوى =ولبستُ للحبِّ الجديدِ مطارفي
27-12-1996

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 05:38 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (10)


عصرُ الانطلاق




أحبُّكِ هل عرفتِ مدى اشتياقي=وقد أحكمتِ يا قدري وثاقي

أحبُّكِ فامنحيني العذر إنِّي =أخافُ عليك من زمن الفراقِ

تعالي لا تخافي القربَ مني =فسرُّك في حنايا الصدر باقي

ولا تَخشيْ عذولاً راح يسعى =لفصم عُرى المودةِ والوفاقِ

***=***

أحبُّكِ شاعراً فخذي خيالي=وطيري وارتقي أعلى المراقي

وعودي من فضاءاتِ المعاني =إلى عُشِّ الحنينِ والاشتياقِ

لعلِّي حين تخذلني القوافي =أَفيءُ إليكِ أَطمع بالسواقي

وأنهلُ من لظى شفتيك عذباً =يخفِّفُ برده لهَبَ احتراقي

وتنطلق الحروف معربداتٍ=على شفة اليراعِ بلا نفاقِ

فأقسم بالهوى والشعرِ أنِّي =سَريتُ بمن أحبُّ على بُراقِ

من الشوق القديم وذكرياتٍ =من الماضي السحيقِ إلى انعتاقِ

إلى آفاق كونٍ من خيالٍ =نُحقِّقُه بصومعةِ التلاقي

نقدِّس فيه جوهرَ كلِّ حبٍّ=عفيفٍ طاهرِ النزواتِ راقِ

ونكسرُ فيه عَقربةَ الثواني =ونوقفُ كلَّ أزمنةِ السباقِ

تعالي لا تغيبي عن ضيائي =وقد هربَ الظلامُ من انبثاقي

وأورقَ غصنُ سعدي بعد يبْسٍ =ودرَّت بعدما نضبتْ نياقي

فهيَّا يا حبيبةُ واستظِلِّي =بأهدابي ونامي في المآقي

ولا تَدَعيْ هواكِ بلا انطلاقٍ =فهذا العصرُ عصرُ الاِنطلاق

10-5-1995

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 06:13 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (11)




عذراً يا بني وطني




أصوغُ شعري على اسم الله والوطنِ =حتى يُشَقَّ على دربِ الهدى كفني

أصوغُ شعري فلا الصُّلبانُ تسمعه =ولا الأهلَّةُ في دوَّامةِ المدنِ

حتى برمتُ به وزناً وقافيةً =وفكرةً في بحار الصمتِ تغرقني

***=***

تميَّزَ الشعر غيظاً إذ برمتُ به =وعقَّني معرضاً عني فأغضبني

وأدبر الحرف مذعوراً أطارِدُه =حتى وقعتُ على فكرٍ يشوهني

فما حملتُ يراعي في مساومةٍ =إلا وشقَّ عصا الإذعانِ يرفضني

***=***

أستغفرُ الشعر كم أسرجتُ صهوتَهُ =وكم ترجَّلتُ فاسترخى يُهدهدني

وكم تثاءبَ في أوكارِ ذاكرتي =وكم غفا تحت ملحاحٍ من الوسنِ

فعدتُ أبحثُ عن أشتات قافيةٍ =كادتْ لشدَّة ما أسرفتُ تهجرني

حتى ملكتُ سنا الإبداع فانتظمتْ =حباتُ عقدي وعادَ الشعر يملكني

يا سارياً بدمي أرَّقتْ أوردتي =لما غفوتَ على الأوجاع و الدَّرنِ

إني رجعتُ إلى هَدْيِ الأُلى فهوتْ =هياكلٌ بدَّدتْ ما كان يقلقني

أغريتُ سرب عذارى الشعر فانطلقتْ =على لساني القوافي البكرُ تطلقني

أفق عدمتكَ إن لم تنطلق حمماً =تجري على موجها رغم اللظى سُفُني

إني سئمت قوافي الشعر باردةً =فَلْتحترقْ في جحيم القول يا وثني

وقد صبأتُ فلا الحسناء تشغلني =ولا المدائح والأذكارُ عن سَنَني*

***=***

أفقْ تقحَّمْ جدار الصمت مُدَّرعاً =بالمعجزين كتابِ الله والسُّنن

وانشر جناحين من علمٍ ومعتقدٍ =تلقَ الحروفَ بنور الحقِّ تكتبني

لَكَمْ شحذتُ يراعي وانطلقتُ به =أغزو المفاتنَ حتى كاد يفتنني

أيام كنتُ الحب أسيرَ الحبِّ يملكني =شوقٌ لعينيْ حبيبٍ كانَ يشغلني

فرحتُ أُلجِمُ أفكاري أروِّضها =حتى تهادتْ على الإيمان تحملني

ما جئتُ بِدعاً ولكن صاغني قدرٌ =بأحرفٍ من سنا الإلهام تبدعني

ويشهدُ الله ما رتَّلتُ قافيةً =إلا استعنتُ بوحيٍ منه يلهمني

فبوركتْ ومضَةُ الإشراق من قلمي =تطوي صحائفَ من عمري فتنشرني

***=***

غنَّيتُ للصبر ما غنَّيتُ فانتحرتْ =كلُّ الأماني على مزماره الخَشِن

حتى تفجَّرتُ كالبركان تقذفني =ثوابتٌ حرَّكتْ ما كان يُمسكني

ما أقبحَ الشعرَ إن لم يَغْدُ صاعقةً =على الرؤوس وما أحلاهُ يصعقني

***=***

تجاهلتني أفاعي السُّمِ في وطنٍ =لا عُذرَ فيه لمن في السَّاِح يجهلني

أَغروا صنائعهمْ بي فانتهوا بَدداً =لما رتقتُ عشاء الطَّبلِ في أذني

ورحتُ أُشعلُ بالإيمان محرقتي =فاسَّاقطوا وتهاوت غلطةُ الزَّمنِ

أّفقْ تنكَّبْ سلاحَ الحرف مُنصلتاً =على الرقاب بعزم الواهبِ الفطنِ

أشعلْ جراحي بهمِّ النور مبتكراً =واعتقْ لسانيَ تلقَ الصمت يعتقني

لا تلجُمنِّي بما ترضاه لي هدفاً =لا كنتُ .. لا كنتُ إن حاولتَ تلجمني

لم أحترقْ بشهيقِ النار ما احتدمتْ =لكن أحسُّ زفيرَ الصمت يحرقني

***=***

هذي الملايينُ صرعى الزيفِ يبصقها =عصرُ الحضارة في ماخورهِ النتنِ

أضحوا على العتباتِ السودِ يجذبهم =نهرُ الظلامِ إلى بوابةِ العفنِ

***=***

فانظرْ بعينِ الرِّضا والسُّخط حين ترى =إرادةَ القوم بين العزم والوهنِ

ناموا مع الفجر لا نامتْ عيونُهُمُ =وأسرجوا الخوفَ والإذعانَ في المحنِ

صاموا عن الحقِّ والإيمانِ حين أتى =شهرُ الصيام وجاؤوا الفطرَ بالفتنِ

هذي منابرهم في كلِّ مُنعطفٍ =تروي حكاية مسلوبٍ ومرتهنِ

دبَّ الخنوع بهم حتى لتحسبهم =أشباحَ قومٍ .. دبيبَ السُّكرِ في البدنِ

باعوا دماء الضحايا فاستهان بهم =من راح يذبح كبش السِّلمِ في الدِّمنِ

***=***

ماذا أقول وقد جفَّ المدادُ ولم =يَجْرِ القريض سَرِيَّاً غيرَ ذي أَسَنِ

فرحت أوقظُ من ناموا بثاقبةٍ =حمراءَ تنذزُ أهل الصمتِ في وطني

***=***

يا حاملينَ عصا التّرحال من وجعي =هاتوا اللهيب لعلَّ الكيَّ يُبرئني

شُقُّوا الغيوم رياح الغيث ساكنةٌ =لعلَّ صحوَ سماء الفكر يمطرني

***=***

هُزُّوا النخيلَ أرى العذراء ضارعةً =وطفلها ناحلاً من نُدرةِ اللبنِ

لم يطَّرحْ رُطَباً حتى تقرَّ بها =عينُ التي أحصنتْ فرجاً ولم تَخُن

هُزُّوا النخيلَ أرى الجدران باكيةً =وصخرةُ المسجد الأقصى تؤنبني

هُزُّوا النخيلَ أرى الزيتونَ قد صَبأتْ =أغصانُه بثمار الكفر تقذفني

يا ابن الوليد صراخي ضاعَ في نَهَرٍ =صوتُ الضفادع في شطَّيْهِ يزعجني

ما لامستْ كلماتي جرحَ منتفخٍ =هل في القبور طري الجرح يسمعني ؟

***=***

هُزُّوا النخيل أرى الآبار قد نضبتْ =بل صودرتْ وتفشَّى الزيت في الحَزَن

تلك الجذوعُ التي غصَّتْ بما حملتْ =يجوع في ظلِّها طفلٌ يمزقني

تثاقلتْ وارتمتْ إذ راحَ صاحبها =يقايضُ الزيتَ والآمال بالمؤنِ

والجائعون حيارى في مواسمهمْ =لم يحصدوا القمحَ بل ناموا على ضَغَن

ونحن نوغلُ في أحشاء منتنةٍ =بحثاً عن العطر في سرٍّ وفي عَلَنِ

كأنَّنا سربُ طيرٍ دون أجنحةٍ =نهوى البقاء بلا أهلٍ ولا سكنِ

فاستغفروا ليَ إنْ حمَّلتُ قافيتي =ما لا تطيقُ من الآلامِ والشجنِ

إنِّي شربتُ دمائي في مقامرةٍ =وما ارتويتُ فعُذراً يا بني وطني
30-6-1997

* السَّنَن ... الطريقة

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 06:16 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (12)



الرَّجمُ بالحرف



قالها في الردِّ على
بعض دعاة أشكال
الحداثة المقيتة



تربَّصوا سوف ترمي النار بالشررِ =لن يوأدَ الحقُّ في دوَّامة الأشرِ

تربَّصوا لا تغالوا في أذيَّتكم =لا توغلوا في غموض الرمز والصورِ

تربَّصوا لن تفروا من مصارعكم =لن تفلتوا خلسةً من قبضة القدرِ

تربَّصوا فالردى ينسابُ في دمكم =لا يدفعُ الموتَ نبضُ الخائف الحذرِ

تربَّصوا سوف تهوي الشمس من حَنَقٍ =ويصعدُ الليل يطوي صفحة القمرِ

وسوف تظلِمُ دنياكم وتهجرها =حمائمُ السعد تخشى رعشة الشجرِ

***=***

أنا القضاءُ فلا طودٌ يزيح يدي =عن الرقاب ولا سيلٌ بمنحدرِ

تشدُّني لغة القرآن هاديةً =فمن أراد الهدى فليتَّبعْ أثري

***=***

فهل حسبتم بأنَّ العذر منتصرٌ =وأنَّ مركبه يمضي إلى الظفرِ

وأنَّ من يَبْهتُ الأطهار يَعْصِمُهُ =من قبضة الحق فحشٌ من فمٍ قَذِرِ

حتى إذا لم يَدعْ للغدرِ من سببٍ=أجرى مدامع مظلومٍ ومنكسرِ

***=***

لا والذي في دمي يجتاح أوردتي =طهراً وحباً لذات الكحل والحورِ

لن يصمد الليل في وجه الظلام وإنْ =أغفتْ كواكبُه حيناً ولم تدرِ

***=***

يا والغين بما يرضي ضمائركم =في كل شهمٍ كريمٍ طاهرٍ عَطِرِ

شاهت وجوهُكُمُ .. رُدَّتْ مكائدكم =إلى النُّحورِ وجاء الصيف بالمطرِ

خابتْ ثعابينُكم .. خابتْ عقاربُكم =فسُمُّكم لم يعد يقوى على ضرري

إن كان كسبُ رضى النقاد لي وطراً =فيما أقول فبئس الكسب من وطرِ

لكنه زاخرٌ تغري كوامنُه =فليبحثِ الضفدع الغواصُ عن دُرري

***=***

يا شاربين دمَ الاجداد في صلفٍ =هذا الغرورُ قضى في عتمةِ الحفرِ

إنِّي لأقسمُ بالستين أسحبُها =من قبضةِ اليأس سَحبَ الخيط بالإبرِ

لأَرجُمَنَّكمُ بالحرف متَّقداً =رجمَ الزناة لمحو الإثم بالحجرِ

وأَصلبَنَّكُمُ في كل قافيةٍ =على الأصول لكشفِ الزَّيف والخطرِ

إنِّي شحذتُ يَراعي وانبريتُ إلى =كلِّ الصوامع ذات الهيكل النَّخِرِ

أزيحُ ما حولها من زُخرفٍ دَنِسٍ =يؤذي الشعورَ وألقيها إلى سقرِ

فكمْ حبستُ لساني في مهاترةٍ =شوهاء تملأ جوَّ الأنس بالضَّجرِ

فاستعذبَ الكاشحون الصمتَ وانطلقوا =يتاجرون به في أفحشِ السيرِ

وكم صفحتُ فلم ألجأْ لرداعةٍ =بمارجٍ من جحيمِ القول مستعرِ

نزاعةٍ للشوى تغلي قذائفها =كأنَّها حِممٌ من جوف منفجرِ

ولو عمدتُ إلى كشفٍ وتعريةٍ =للمارقينَ لصاروا عبرةَ العبرِ

فما توهَّمتُ ناراً في مواقدهم =إلا وأرهقَني بحثٌ عن الشررِ

لكنَّني لم أجدْ ناراً ولا شرراً =حتى لا ومضةً تُنبي عن الأثرِ

لقد وجدتُ غُثاءً حشوُه زَبدٌ =وكلُّ ما فيه هذرٌ جاء بالكدرِ

تفسَّخَ الحرفُ في أفواههم فغدا =نَتناً كريهاً على الأسماعِ والنظرِ

إنِّي لأعجبُ ممَّن راح يغبطهم=زوراً ويُثني على التهجينِ للفكرِ

ألمْ يَخفْ ماضياً للضاد منجرداً =فراح يُسلمُ سكيناً لمنتحرِ

أم أنَّه كان من عجزٍ ومن خَورٍ =يبري السِّهام ويعطيها لمندحرِ

***=***

فيا أذلَّاء لمْ تُبْقِ النسورُ لكم=إلا جناحاً مهيضاً غير مقتدرِ

هلَّا نسجتمْ لنا ثوباً تزيِّنه=حداثةٌ تخلقُ الإعجاز في الصُّورِ

أم أعجزَ البحر ملاحاً بلا ثقةٍ =تقاذفته خيول الموج في ذعُرِ

لم يُجدِه طولُ مجذافٍ وبوصلةٌ =وفي الشراع ثقوبُ الضعف والخورِ

فلم يَرَ الدُّرَّ في قاع البحور ومن =لم يبصرِ الدُّرَّ أعمى القلبِ والبصرِ

وغادرَ البحر مدحوراً يسفِّهُهُ =ليبدأَ البحثَ والتنقيب في البؤرِ

حتى إذا لم يَجدْ في جوفها قَبَساً =شقَّ القبور يواري سَوْأةَ الفكرِ

وانهالَ يشتمُ أوزاناً وقافيةً =ما انفكَّ ينعتها بالمسلك الوَعِرِ

أعيتهُ ساحرةُ الأنغامِ صادحةً =فانقضَّ يخدشُ وجه الشمسِ بالظُّفُرِ

وعادَ يسحب ذيلَ الخزي مُنتضياً =بذاءةَ القول في أنَّاتِ مُحتَضَرِ

***=***

يا آكلين لحوم القول باردةً =لقد أَثِمْتُم بحقِّ الضاد والبشرِ

رويدكم لا تُديفوا السُّمَ في دسمٍ =لا تفسدوا راحنا بالمرِّ والعكَرِ

تربَّصوا واسمعوا من وحينا عجباً =من عبقر الشعر لا من سوق مُتَّجِرِ

هاتوا معاييرَكم هاتوا ذرائعكم =هاتوا نصوصاً من التجديد في الأُطُرِ

وحاذروا أن يضلَّ الشعرُ غايته =وحاذروا أن يطيرَ السهمُ من وتري

وأقفلوا باب تعريضٍ وتعريةٍ =في كلِّ سانحةٍ أو كلِّ مؤتمرِ

ولينطلقْ كلُّ غِرِّيدٍ على فننٍ =كما يشاءُ بلا حقدٍ ولا حذرِ

ولنعتمدْ كلَّ قولٍ هادفٍ فإذا =تغلَّبَ الحبُّ جاء الشِّعرُ بالغُررِ

سَيُظهِرُ الضِّدُّ حُسنَ الضِّدِّ فاغتنموا =مواسمَ الحبِّ تجنوا أطيب الثمرِ

20-10-1996

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 06:20 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (13)


حلفتُ بالشام



حلفتُ بالشام ما سُلَّتْ مواضيها=وأومضتْ كبروقٍ في دياجيها

حلفتُ بالشام بعد الله ما شمختْ =زهواً يغازل أشعاري فيغريها

لأقبضنَّ على قلبي أمزِّقه =إذا تحول يوماً عن مباديها

وأصلبنَّ يراعي في ملاعبها =إذا تجرَّأ أن يشكو الأسى فيها

***=***

حبيبتي الشامُ من بُصرى إلى حلبٍ =من الفراتِ إلى أعلى أعاليها

من شاطئ البحر للأعلام منحدراً =إلى حماةَ يرشُّ العطر عاصيها

تشابكَ الحسنُ كم من فتنةٍ عجبٍ =أغرتْ سحاب الهدى فانهلَّ يسقيها

خُطَّابُها المجد والإيمان مُذْ جَدَلَتْ =ضفائرَ الشمس إكليلاً لحاديها

فأورقَ الغارُ مَزْهُواً على بردى =وراح يغمرُ بالنعمى بواديها

تسابق العصر إنجازاتُ حاضرها =وتبهر الكونَ إشراقاتُ ماضيها

أحبُّها وهواها عالقٌ بدمي =قلبي أسيرُ الغواني في مغانيها

في تُربها التبرِ أجدادي قضوا شرفاً =فكحَّلوا الطرفَ من أجفانِ واديها

مواسمُ النصر في تاريخها عبقٌ =الجدُّ يغرس والأحفادُ تجنيها

***=***

أفديكِ يا شامُ أفدي الأُسْدَ رابضةً =يزمجرُ الكونُ من تَزآرِ حاديها

كُرمى لعينيكِ كم أسرجتُ قافيةً =من العتاقِ بساح الشِّعر أُجريها

تبرَّجتْ في بروج الضاد مترفةً =وبالجناحين عزَّتْ في تساميها

تبارتِ الغيدُ في إنشادها ومضتْ =عرائسُ الجنِّ تَنشى في معانيها

حُسَّادها حطَّموا فيها معاولهم =وهناً ولم يفلحوا هدماً وتشويها

فأَخلدوا لظلام اليأس يحطِمُهمْ =وأرهفوا سمعَهم صبحاً لتاليها

***=***

يا شامُ يا قبلةَ الدنيا وكعبتَها=طافَ الحجيجُ بها يرجو أدياديها

شهران للحجِّ في البطحاء تلبيةً=لبيكِ .. لبَّيكِ .. ما ننفكُّ نُعليها

وفي دمشق طواف القادمين لها =وللطواف هديرٌ في نواحيها

دعاؤهم زغرداتُ الجرح منتفضاً =وسورة الفتح تُتلى في نواديها

***=***

أستغفرُ الله ما غيَّرتُ معتقدي =وما أسلتُ يراعي مترفاً تيها

لكنني وهوى الأبطالِ يسكبُ لي =كأسَ الوفاء على العاصي أُصفِّيها

أغنيتُ شعريَ بالإيمان في بلدي =والله يشهدُ أنِّي لا أُحابيها

ورحتُ أملأُ أقداح الهوى غَرِداً =بالشعر يُسكِرُ قاصيها ودانيها

فللأذان هديلٌ في مآذنِها =وللنواقيسِ ألحانٌ تُناغيها

وللأسودِ زئيرٌ في مرابضها =وللنسور دويٌّ في أعاليها

وللزهورِ تَثَنٍّ في خمائلها =والسنديانُ تحدٍّ في رواسيها

هذي الشام زئيرُ الليث منَّعها=لولاه لم ترهبِ الدُّنيا مواضيها

يعطي ويمنعُ جوَّاداً ومقتدِراً =عطاؤه السُّحبُ باسمِ الله يجريها

ويمنعُ العادياتِ السود مُدَّرعاً =بالشعب يُسقطُ عاديها وشانيها

***=***

يا شامُ يا شامةَ الدنيا أُحسُّ لظىً =في أضلعي بمكاوي السِّلمِ يكويها

والمرجِفون تباروا في دوائره =أفعى تفحُّ وثعبانٌ يناجيها

والساجدون على أعتابِ سادتِهم =يؤلِّهون دعاةَ السلمِ تأليها

أقعوا أمامَ الثكالى للعزاءِ فهل =أدَّوا (لياهو)* طقوساً واحتموا فيها

وهل نَسوا شهداءَ الفجرِ يوم مضتْ =أرواحهم سُجَّداً تشكو لباريها

وهل بكوا لضحايا الغدرِ يوم بكت =( قانا )** وجفَّتْ من البلوى مآقيها

واليوم يكشفُ (بنيامين)* عورتَهُ =لكل محترقٍ شوقاً يناديها

فآثروا خيفةً ذئباً يسالمُهم =أنيابه الحمر في شِدقيه يخفيها

تَبَّتْ أياديهمُ في كل معركةٍ =تبغي السلام وتبَّتْ كفُّ راعيها

يا شامُ عفوكِ إنْ ألهبتُ قافيتي=في يوم عيدكِ فالآلامُ تُذكيها

كنَّا إذا ذُكرتْ (صِهيون) نلعنُها =ما بالنا اليوم بالتطبيع نُجزيها ؟

فأيُّ سلمٍ وقُدسُ الله داميةٌ =تشكو إلى الله آلاماً تعانيها

يبغونها ليهودِ الأرضِ عاصمةً =(صهيونُ) خابتْ وخابتْ من تُواليها

ماتَ المصلُّون في المحرابِ واأسفاً =على المحارمِ تشكو ذُلَّ أهليها

وأَذَّنَ الفجرَ حاخامٌ فما طلعتْ =شمسٌ عليها ولا شعَّتْ دراريها

كأنَّ أحمدَ ما صلَّى بمسجدها=وابن البتولِ طريداً لم يزلْ فيها

***=***

أعوذُ بالله من شيطانِ من نصبوا =مظلةَ الذُّلِّ باسمِ السلم تمويها

ويدَّعون سلاماً أي متَّجِر =هذا الذي سفَّهَ الإقدامَ تسفيها

والطفلُ من رحمِ الأحزان شبَّ على =حجارةَ النصر يُوريها ويرميها

يمضي على قدرٍ عاشتْ أنامله =ترمي فتوسعُ فكرَ الكونِ تنبيها

***=***

يا تاجرَ السِّلم شاةُ السلم قد ذُبِحتْ =(بنصلِ فيتو) وماتَ اليوم راعيها

نَكِّسْ بنودَك واهجرْ ساحَ ملعبنا =نحنُ الحماةُ ويَخسا من يُدانيها

ونحن من أذهلَ الدُّنيا بكوكبةٍ =من الطفولةِ تفديها وتحميها

غداً يُسطِّرُ في اليرموك خالدُنا =ملاحمَ النصرِ والأقصى يُغنِّيها

***=***

يا قائدَ الزحفِ لبِّ القدسَ يا أسداً =فليسَ إلَّاكَ زَآرٌ يُلبِّيها

واضربْ بسيفِ رسول الله مقتدراً =تلقَ الخطوبَ وقد شابتْ نواصيها

فنحن للسلمِ ما عزَّ السلامُ بنا =ونحن للحربِ باسمِ الله نصليها

فازحمْ بنا الراسياتِ الشمَّ يا قدراً =وافى الشآمَ يُحَيِّيْها فيُحْييها

واهنأْ بكلِّ فريدٍ من جواهرها =عِقداً نَظيماً تسامى من لآليها
8-4-1998


* ياهو .. بنيامين ... بنيامين نتنياهو الجزَّار الصهيوني المعروف
** قانا ... البلدة اللبنانية التي حصلت فيها المجزرة

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 06:23 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (14)



لبنانُ يا شرفَ العروبة




أرأيتَ كيف تجرَّأَ العدوانُ =أعرفتَ من أدماكَ يا لبنانُ ؟

أعرفتَ أنَّا أمةٌ عربيةٌ =يَطغى عليها الخوف والإذعانُ ؟

***=***

هدأَ المحيط فلم تثرْ أمواجه =ورنا الخليج وجفنُه وسنانُ

وتصافحتْ دولٌ يهنِّئُ بعضها =بعضاً ويشكر سعيها الطغيانُ

وتثاءبت أممٌ وأثلجَ صدرها =قصفٌ على جدواه قام رهانُ

كانوا قد اتفقوا عليه بمجلسٍ =جمعَ الصِّلالَ ونفَّذ الثعبانُ

فتخضَّبتْ أرجاء قانا بالدِّما =وبكى على أزهارها نيسانُ

وتعهَّدوا وقفَ الدمار بموعدٍ=وكبيرُ من خفُّوا إليه جبانُ

***=***

أسمعتَ يا لبنانُ صوتَ عوائهم ؟=وكشفتَ ما يسعى له الذُّؤبانُ

قتلوا البراءةَ والطفولة وارتدوا =ثوبَ البراءة فاستحى الشيطانُ

فشكتْ دماءُ الأبرياء لربِّها =هربَ الضمير وقد صحا السجانُ

يا حامليْ نعشَ الضمير مجرَّداً =أنِفَتْ تلفُّ ضميرَكم أكفانُ

أَتخادعون الكونَ في استعطافكم =وسلامُكم يسعى به الغيلانُ

صحتِ الشعوبُ فلا مَردَّ لحكمها =وتعانقَ الإنجيلُ والقرآنُ

وهوتْ بأقبيةِ الخنا توراتُكم =فجميع مانادت به بُطلانُ

وقضتْ بنصلِ السلم تدفنُ نفسها =أُمُ الفتوح فما لها عنوانُ

وصحا على بردى الإباءُ وأرعدتْ =الله أكبر إنَّه الطوفانُ

متوثِّبٌ أبداً لكل عظيمةٍ=وبضفتيهِ لعاشقِيْه أمانُ

***=***

يا قاتليْ صوتَ الشعوب بصيحةٍ=تحيا الشعوبُ ويسقطُ السلطانُ

هذي دمشقُ وكم قرأتُ كتابَها =حرباً وسلماً خطَّهُ الإيمانُ

قَبَستْ من التاريخ سرَّ ضيائها =فالزيتُ في زيتونها نيرانُ

تتلمَّسُ النبضاتِ في يد أمةٍ =(ذي قار) في تاريخها عنوانُ

والخائفون على العروشِ تساقطوا =فمتى يضيقُ بصمته البركانُ ؟

***=***

يا صانعي قيدَ السلام رويدَكم =لن تُفلحَ الأبواقُ والتيجانُ

هذي عناقيدُ السلام تفجَّرتْ =حقداً ينوءُ بحمله لبنانُ

ودمُ الضحايا لن يجفَّ وإن دعا =للسلم بوقٌ خائنٌ وبيانُ

وصراخُ (شاتيلا) و(صبرا) لم يزلْ =في مسمعِ الدُّنيا له إرنانُ

وتطلُّ (قِبيةُ) بالحدادِ يحفُّها =من (ديرِ ياسينٍ) ذوتْ أغصانُ

هذي الضحايا الصِّيدُ أَعيتْ شاعراً =في جانحيه تمرَّدَ الإنسانُ

غنَّى السلامَ على الغصونِ وعقَّه=لما بكاهُ الطيرُ والأفنانُ

عذراً بني قومي لقد عصفَ الأسى =وعصتْنيَ الأقلامُ والألوانُ

***=***

لله درُّكِ يا شآمُ ومن سوى =حادي الشآم لما عزمتُ ضمانُ

فتقحَّمي هولَ الخطوبِ وزَمجري =فلكلِّ خطبٍ شدةٌ ولِيانُ

ودعي السلامَ لعاجزين جهودهم =ذلٌ يغلِّفُ سعيَها وهوانُ

لبنانُ ياشرفَ العروبة ينتضي =سيفَ الجهاد وجرحُه نشوانُ

قاومْ حشودَ بني قريظةِ لاتَهُنْ=حتى وإنْ جندُ الكرامةِ هانوا

واهدمْ حصونَ بني النَّضيرِ مُكبِّراً =وليَرتفعْ فوقَ الرعودِ أذانُ

ولتسمعِ الدُّنيا هديرَك معلِناً =أنَّ المدافعَ للسلامِ ضمانُ

11-5-1996

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 06:30 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (15)




شوِّهْ كما شئت






شوَّهتُ صورةَ من أهوى وقُلتُ لها =ترقَّبي سوف أمحو لوحةَ الأَشِرِ

سأنتهي من ضلالاتٍ شقيتُ بها =وأقتلُ الشوقَ في نايي وفي وتروي

وأدفنُ الأمسَ في أوكارِ ذاكرتي =وأنشُرُ الميْتَ في ذهني من الفكرِ

إني سئمتُ هوىً يحيا على أملٍ =مُنذُ الثلاثين في خوفٍ وفي حذرِ

تناهبتْني به الأعوامُ ساخرةً =عامٌ يطلُ وعامٌ يقتفي أثري

***=***

تبسَّمتْ من خلالِ الرسمِ قائلةً : =ماذا فعلتَ بمن يهواكَ يا عُمُري ؟

ولِمْ تعمَّدتَ تشويهاً لما نثرتْ =عليه منكَ القوافي أجملَ الدُّررِ

هل كنتَ تقصدُ قتل الحب ؟ لا..أبداً =من كانَ مثلكَ لا يقوى على الضَّررِ

من كان مثلكَ لم يحملْ جنينَ هوىً =عمراً ومن ثمَّ يلقيه إلى سقرِ

إنِّي أحبُّكَ شوِّهْ ما تشاءُ فإنْ =ضننتُ بالوصلِ يا روحي فلي عُذُري

لم أجنِ ذنباً ولم أكفرْ كما كفرتْ =(فلانةٌ) بالهوى يا ضيعةَ العمُرِ

لم أرتكبْ في الهوى إثماً فلا طلعتْ =شمسٌ عليَّ إذا استسلمتُ للوطرِ

كذا قضى اللهُ في روضٍ ذوى عطشاً =أَظما وتَظما بلا وعدٍ مع المطرِ

وهل تخيَّلتَ يوماً أن أرشَّ على =ضفافِ جرحيَ ملحَ الصمت والخدرِ

جرحُ الكرامة لا لم يندملْ نَزِقٌ =ولو تعمَّدتُ ما أُخفيه من ضجرِ

إنِّي أحبُّ جراحَ الأمس نازفةً =لعلَّها تنبئُ الأحبابَ عن خبري

فاحصدْ مواسمَ من جُرحي الذي نضجتْ=فيه النوازعُ بين الوِردِ والصَّدَرِ

وارقصْ على بيدر النسيانِ حين ترى =أني سأحفظ ما جمعت من ذِكَرِ

***=***

يا من زرعتَ نصالَ البينِ لاهبةً =تمضي بقلبي على الآهاتِ للخطرِ

لا تبتئسْ يوم تلقاني أسيرُ على =جسرِ الهمومِ إلى بوَّابةِ القدرِ

فربما تعبسُ الأقدارُ ثانيةً =وربما تزدهي بالموسمِ العَطِرِ

وربما .. ربما .. يلهو بأُمنيتي =من كنتُ أرجوه بعد اليأسِ للظفرِ

***=***

شوِّهْ كما شئتَ في رسمي بلا خجلٍ =لكن حذارِ من التشويهِ في سِيَري

ولستُ عاتبةً مهما فعلتَ فلا =تمنُنْ عليَّ ببعضِ العطفِ بالنظرِ

لا أقبلُ العطفَ ممَّن راحَ يرمُقني =بنظرةٍ تقتلُ الآمالَ كالإبرِ

واسخرْ كما شئتَ من سُهدي إذا لمحتْ =عيناكَ يوماً بوجهي صُفرةَ السَّهرِ

وارجعْ إلى آلةِ التصويرِ في حَنَقٍ =وحطِّمِ العينَ منها تحترقْ صوري

فلستُ أنساكَ يا من شوَّهتْ يدُه =رسمي ليطفئَ في ليلِ الضنى شرري

11-9-1997

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 09:09 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (16)



سيد العشاق


في رثاء الشاعر الطبيب
وجيه البارودي




في جنَّةِ الخُلدِ أشرقْ بالسَّنا العطِرِ =يا شاعراً وطبيباً خالدَ الأثر

يا صائدَ اللؤلؤِ المكنونِ تنظمه=قلائداً لعذارى الجنِّ والبشرِ

لقد بقيتَ عصيَّاً في مُنازلةٍ =على الفناء تشقُّ الصمتَ في الحُفَرِ

فكيف أبكيكَ ؟ أجفاني مقرَّحةٌ =تحاذرُ الدمعَ تخشى فتكةَ الخطرِ

وكيف أبكيكَ ؟ أقلامي معطلةٌ =ما بين مُنثلمٍ حدَّاً ومنكِسرِ

***=***

يا سورةً فُصِّلتْ آياتُها عجباً =شعراً وطباً أطاحتْ بالدُّجى العَكِرِ

أفقْ.. تلفتْ.. وقمْ .. أقبلْ وخذْ قلما ً=وقلِّدِ الغيدَ أطواقاً من الدُّررِ

وامسحْ بكفَّيكَ جرحَ الشعر ملتمِساً =له الشفاءَ من الإيهامِ والهذَرِ

وانشرْ قصائدَ عشقٍ حيَّرتْ زمناً =شيطانَ شعرك بين البدوِ والحضَرِ

هي المصابيحُ في المِشكاةِ موقدةٌ =تُغري الورى بقيام الليلِ للسَّحَرِ

فليسمعِ الكونُ من تحت الترابِ صدى =عزفِ القوافي على الأزمانِ والعُصُر

***=***

يا مُبدعَ السِّحرِ في طبٍّ وقافيةٍ =في مُعجزيكَ تبارتْ أروعُ السُّوَرِ

كم من مريضٍ أتى يشكو مواجعه =وكاعبٍ من لهيبِ الشوقِ في خَطَرِ

أسَغْتَ بالمُعجزينِ البُرْءَ مقتدِراً =برقَّةِ الشعر أو بالوخزِ من إبرِ

***=***

يا شاعراً غازلَ الدُّنيا وغادرها =مسطِّراً في دُجاها أنصعَ السِّيَرِ

جريتَ تُغدِقُ كالعاصي تشاطرُه =ريَّ العطاش بموروثٍ ومبتَكَرِ

كلٌّ يغازلُ ليلاهُ بصافيةٍ =تضوعُ كالمسك مسكوباً على النَهَرِ

فكنتما كوثرَ الوادي يفيضُ ندىً =وشاعرَ العِشقِ ملءَ السمعِ والبصرِ

***=***

يا سيِّدَ العشق لي عتبٌ عليك أما =أغرتْ دموعكَ ضراءٌ مدى العُمُرِ

أم كنتَ أصبرَ من أيوبَ يوم دعا =قد مسَّني الضُّرُ يا رباهُ فانتصرِ

وعشتَ بين الغواني شاعراً غزِلاً =هل أنتَ من نَسَبٍ يُعزى إلى عُمَرِ ؟

***=***

يا عاشقَ الحسنِ كم سبَّحتَ مُبتهلاً =في هيكل الحُسنِ للأهدابِ والحَوَرِ

راضٍ ببسمةِ محبوبٍ على كبرٍ=لم تشكُ يوماً من الإرهاقِ والكِبَرِ

والناس حولك من طاوٍ ومن بَطِرٍ =ومن دعيٍّ بثوبِ الزيف مستتِِرِ

وبين هذا وهذا أنتَ متَّهمٌ =بقلَّةِ السَّمع أو في دقَّةِ النظرِ

***=***

كم أَرجفوا عنك في رأيٍ ومُعتقدٍ =قولاً يُخلَّدُ فيه المرءُ في سَقَرِ

هجوتَهم تبتغي إصلاحَهم فمتى =كانَ الهجاءُ دواءَ الجوعِ والبطَرِ ؟

ماتَ الذين أشاعوا عنكَ فاندثروا =وقد بقيتَ تراثاً غيرَ مُندثرِ

***=***

يا سيِّدَ العشقِ كم أسرفتَ في ولَهٍ =أكنتَ في حُلُمٍ أم كنتَ في خَدَرِ

أم دغدغتْ نغماتُ السِّحرِ فيكَ هوىً =لفتنةٍ صوتُها كالسَّلْسَلِ الخَضِرِ*

أصفيتَها الودَّ والتسعون ساخرةٌ =وحُمْتَ كالنحلة الظَّمأى على الزَّهَرِ

أم نازعتكَ عروسُ الفنِّ أغنيةً =فرحتَ تشدو بألحانِ الهوى العذُري

وقلتَ لي في غدٍ يشدو الملاكُ لنا =وثغرُ ميادةٍ يفترُّ عن دُرري

***=***

يا سيِّدَ العشقِ والعشَّاقِ أرهقَني =طولُ المسير وما أنفقتُ من عُمُري

علَّمتَني الحبَّ شعراً كيف أكتبُه ؟=وكيف أُرقِصُ من أهوى على وتري ؟

لكَ النسيبُ ولي في الشعرِ شاهدةٌ =تركتُ فيها القوافي البكرَ في سَكَرِ

ولي جناحانِ من شعرٍ كسوتُهُما =حبَّاً وطرتُ فلم أهبطْ بمنحدَرِ

ولم أزلْ دائمَ التحليقِ منطلِقاً =لولاكَ يا سيِّدَ العُشاق لم أَطِرِ

تشدُّني راعداتُ الشعرِ ماطرةً =فينبتُ الحرفُ مُخضَّراً من الحَجَرِ

***=***

يا كوكباً في سماءِ الشعر يا علماً =في عالمِ الطبِّ شقَّ اليأسَ بالظُفُرِ

لك الخلودُ ولي نايٌ يفيضُ أسىً =يُبكي الصِّحابَ ويرجو رحمةَ القدرِ

تجهَّمَ العيشُ مذْ غابتْ كواكبُهم =فصرتُ أَسري بلا ضوءٍ ولا شَرَرِ

وبتُّ أخشى الرَّدى يُبدي نواجذَه =وينطوي في غياباتِ الثَّرى خَبَري

فامنُنْ عليَّ بوحيٍ منكَ يحملُني =إلى الخلودِ ويُغري النفسَ بالسفرِ

فالعيشُ أضحى ذميماً بعدما عصفتْ =بنا السنونُ وجئنا أرذلَ العُمُرِ

مُحمَّلونَ جراحاً كيف نكتبُها =شعراً وفي دمنا نهرٌ من الضَّجَرِ

كنا نهيمُ بدُنيا الشعرِ في سَمَرٍ =واليوم صرنا نخافُ الشِّعر في السَّمرِ

نصبُّ أفكارَنا صِرفاً ويفسدُها =من راحَ يمضغُ ما يُخزي من الفِكَرِ

حتى الأغاني التي كانتْ تُهَدْهِدُنا =قد أصبحتْ صُوراً للخوفِ والكدرِ

يا شاعري وطبيبي يومَ أَنهكَني =طولُ الرُّقادِ حليف السقمِ والسَّهرِ

هذي حياتكَ في أمِّ الفداء لقد =صوَّرتُها بقصيدي أصدقَ الصورِ

فيها نشأتَ .. ولكن ما انطويتَ أجلْ:=هل انطويتَ ؟ أجِبْ يا صاحبَ الغُررِ

أصبحتَ كنزاً بها شعَّتْ جواهرُه =(تيهي حماةُ بهذا الكَنزِ وافتخري)

وانعمْ وجيهُ بجنَّاتِ الخلودِ لقد =(بقيتَ حيَّاً بقاءَ الشمسِ والقمرِ)

1-4-1996


* يذكر هنا علاقة الشاعر بالمطربة ميادة الحناوي

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 09:15 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (17)



صرخةُ الصمت





أين اخضراري ربيعُ العمر جافاني =وجفَّ من نبضاتِ القلبِ تَحناني

ما عدتُ أُورِقُ أغصانُ المنى يبستْ =مرَّ الخريفُ على روضي فعرَّاني

وأجفلَ الطيرُ فالأعشاشُ خاويةٌ =إلا من البومِ في الأسحارِ يَنعاني

تكسَّرتْ كلُّ أغصانِ الهوى وهوتْ =وبتُّ أغرقُ في يأسي وحرماني

تغتالني أغنياتُ الدوحِ تملؤني =رعباً وعهدي بها تستافُ ألحاني

عهدي بناعورةِ العاصي تبادلني =أنخابَ شوقٍ وأرعاها وترعاني

عهدي بها تُغدقُ الأمواه دائرةً =وقلبُها العاشقُ الولهانُ يهواني

ما بالها أصبحتْ تجري مدامعُها ؟=على الضفافِ بإعوالٍ وإرنانِ

كانت تغنِّي على أنغامِ قافيتي =واليوم تُحرقُ أعصابي وتنساني

كأنَّني لم أكنْ بالأمس أُنشدُها =شعري وأُرهفُ للترجيعِ آذاني


***=***

قلبي الذي سَلسلتْ دقاتُه ولهي =ضنَّتْ شرايينُه الملأى فأضناني

تهمُّ كلُّ غريراتِ الهوى بدمي =تهفو فتوقفُها في الصدرِ أشجاني

أُغازلُ الزهرَ أُغريه بمُرقصةٍ =فينفثُ العطرَ محموماً بوجداني

كأنَّني والأسى وقفٌ على كبدي =طيرٌ وسهمٌ طريُّ القوسِ أرداني

تضرَّجتْ بدمي أزهارُ قافيتي =فكلُّ بيتٍ زها من نَزْفِ شرياني


***=***

هذا جحيمُ حياتي إنَّه قَدَري =مازلتُ أضحكُ منه منذُ أبكاني

فكم أطلَّتْ من الآلامِ بارقةٌ =حرصاً على ومضِها أطبقتُ أجفاني

ورحتُ أحلمُ أعواماً غدتْ مِزَقاً =من دفترِ العمر تدعوني وتَنهاني

تنمُّ عن ذكرياتٍ كم شقيتُ بها =تخيطُ أشباحُها في الليلِ أكفاني

وقد نعمتُ بها حيناً فمزَّقني =من كنتُ أرجوهُ يمحو سِفْرَ أحزاني

أهمُّ أوقظُها بالحبِّ أسفحُه =كيما تجذَّرَ في أعماقِ بستاني

أيامَ كنتُ شباباً زاخراً عَرِماً =واليومَ يربو على الستين ميزاني

تمضي بيَ الراعفاتُ الحمرُ يدفعُها =موجٌ يلاطمُ صخراً عند شطآني

يرتدُّ للبحرِ مدحوراً تعاتبُه =نوارسٌ في دمي تسعى لرُضواني

لكنها أرسلتْ أغصانها نَزَقاً=من الجحيمِ تُغذِّي نارَ بركاني

أَغلي وتعصفُ بي ريحُ السنين فهل =تَقَوى على دحرِ عصفِ الريحِ جُدراني


***=***

كم من ربيعٍ أذابَ اليأسُ بهجتَه =حتى استحالَ هشيماً بين أحضاني

تذروهُ ريحُ الثواني الجارياتِ على =أنقاضِ عمري فيَهوي صرحُ بُنياني

وكم تجرَّعتُ ماءَ الصبرِ من أَنَفٍ =حتى إذا غاضَ صارَ الهمُّ سُلواني

فما كسرتُ يراعاً في مُنازلةٍ =ولا خفضتُ جناحاً عند سلطانِ

لهفيْ عليَّ إذا لملمتُ أمتعتي =ورحتُ أُوغلُ في أعماقِ نسيانِ

أمشي إلى مأتمي مشيَ الغريبِ إلى =حفلٍ تزنِّرُه أحقادُ غيلانِ

***=***

يا صرخةَ الصَّمتِ كم أطلقتُ راعدةً =وقد تساوى بها سِرِّي وإعلاني

كم من غريبٍ بكفِّ الحبِّ صافحَني =ومن قريبٍ بكفِّ الغدرِ حيَّاني

نقشتُ عنوانَ أحبابي على كَبِدي=لكنَّهم ضيَّعوا يا قلبُ عنواني

لو أنَّهم أرهفوا سمعاً لما صدحتْ =به المنابرُ في أعيادِ أوطاني

لتوَّجوا هامتي بالغارِ أو رفعوا =باسمي مناراً و أعلوا في الحمى شاني

20-4-1998

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 09:20 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (18)


كبرُ الجراح




من شُعلةِ الفكرِ تكوي القلبَ باللهبِ =حملتُ كبرَ جراحي مذ عرفتُ أبي

لم أشكُ يوماً من الجرحِ الذي انفجرتْ =دماؤه وجرتْ حبراً على كُتُبي

خمسين عاماً أصوغُ الشعرَ ما وهنتْ =منِّي الحروفُ ولا زارَ الوَنى أدبي

إذا شدوتُ رأيتَ البسمةَ ارتسمتْ =على شفاهِ ندامى الشعرِ من طربِ

وانْ زأرتُ فأصدائي مدوِّيةٌ =وإن بكيتُ فدمعي آيةُ العجبِ

هتكتُ سترَ وجوه الزيفِ فاحترقتْ =جدائلُ الغدرِ من حمَّالةِ الحطبِ

وخضتُ ملحمةَ الإبداعِ فاحتدمتْ =لمَّا حملتُ على دعوى أبي لهبِ

ورحتُ أُزهقُ بالآياتِ باطلَه =حتى غدا زبداً في العارمِ اللَجِبِ

فاقرأْ مراحلَ عمري بين أسطرها =تسمعْ صدى صوتيَ المرتدّ في غضبِ

تسمعْ نداءاتِ قلبٍ خفقه شرسٌ =تهتزُّ منه جذورُ الصخرِ في رَهَبِ

تراكمتْ فيه أنقاضُ الجراحِ فلم =يحفل بما خلَّفَ الزلزالُ من رُعُب

ما لانَ للدهرِ إلا حين رقَّقَه =في موسمِ الحبِّ طرفٌ مُترف الهُدُب

ألقى ثلاثينَ عاماً في بحارِ هوىً =أمواجُها اصطخبتْ باللومِ والعَتَبِ

حتى أطلَّ على الستين منفرداً =إلا مع اليأسِ يُذكي النارَ في الحطبِ

عانيتُ منه كما عانى أخو وجعٍ =من مُعضلِ الداءِ في سيَّالةِ العصبِ

وسوف أمضي ويبقى ما تخطُّ يدي =وما تفتَّقَ عنه الفكرُ للحِقَبِ

فإن قضيتُ فلا تأسوا عليَّ ولا =يَحْزَنْ محبٌ لعلَّ القبرَ أرحمُ بي

***=***

قضيتُ عمري ألوكُ اليأسَ أمضغُه =فصرتُ أدرد بين الهمِّ والنَّصَبِ

تغتالُني ذكرياتي إنْ مررتُ بها =مرورَ طيفٍ يزورُ الأمسَ في تعبِ

وتزدري كلَّ أحلامي التي سقطتْ =في بؤرةِ الوهمِ تمحو الصدقَ بالكذبِ

حتى وصلتُ إلى ما ليس يحسدُني =عليه غِرٌّ يُعاديني بلا سببِ

ما زالَ يحملُ أثقالاً يتيهُ بها =من الجهالةِ في جِدٍّ وفي لعبِ

تراهُ كالحيَّةِ الرقطاءِ أقلقَها =سمٌّ بأنيابها تُخفيه للعطبِ

فإن توجَّسَ خوفاً في منازلةٍ =ممن يراوغُ غدراً لاذَ بالهربِ

***=***

حتَّامَ أمضغُ آلامي و أبصقُها =في وجهِ من ظلموا واستنكروا دَأَبي

حتَّامَ أَلأمُ جُرحي ثم ينكؤه =وغدٌ تسوَّرَ بالأرقامِ واللقبِ

إن كان لا بدَّ لي حتى أنالَ رضى =مَنْ أسرجوا الحقدَ من زُلفى لذي رُتَبِ

فلتحترقْ أمنياتُ العمرِ في لهبٍ =من عزَّةِ النفسِ لا من ذِلَّةِ الذهبِ

15-10-1997

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 09:45 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (19)


أيُّها القلب





صحوةُ الشوقِ أم سلافُ الدوالي =أشعلتْ في دمي رمادَ الليالي

أم تراني بدَّلتُ قلبي بقلبٍ =يتلظَّى على النوى لا يُبالي

***=***

قلبُ .. يا قلبُ .. يا أسيرَ الأماني =شمسُ محياك آذنتْ بالزوالِ

أنتَ في الصحوِ حاكمٌ مستبدٌّ =ولدى السُكْرِ باذخٌ باختيالِ

يهربُ النورُ من خلاياكَ ليلاً =وتغيبُ النجومُ قبلَ الهلالِ

كم تمنيتَ مُسرِفاً بالأماني =وتفاءلتَ تحت حدِّ النصالِ

تتحدى المنونَ في كلِّ نبضٍ =بسباقٍ على حدودِ المُحالِ

وكأنَّ الدماءَ في كلِّ عرقٍ =جارياتٌ جَرْيَ السنين الخوالي

يسهرُ الشوقُ في خلاياكَ كُرهاً =ويغيبُ الخيالُ خلفَ الخيالِ

ويطولُ السُّهادُ والحلمُ غافٍ =في ضميرِ الأيامِ تحت الظلالِ

وطرحتَ السؤالَ ترجو جواباً =فعبرتَ السنينَ رهنَ السؤالِ

وتمطَّى الجوابُ عريانُ يجلو =ظلمةَ الشكِّ بعد ليلِ الضلالِ

فاستقمْ يا غبيُّ فالعمرُ ولَّى =واسمعِ الشيبَ مُنذراً بارتحالِ

لا تقلْ لي : أهوى الجمالَ وحسبي =من كنوزِ الجمالِ نظمَ اللآلي

أنتَ يا قلبُ عاشقٌ مُستهامٌ =ضيَّعَ العمرَ حالماً بالوصالِ

فصَّلَ الحبَّ أحرفاً من جُمانٍ =فاستدارتْ عِقداً بجيدِ الجمالِ

يستهينُ الخليُّ فيما تعاني=ويقيمُ العشاقُ عرسَ ابتهالِ

فتوسَّدْ شوكَ الظنونِ غريباً =بعدما ضعتَ بين قيلٍ وقالِ

***=***

أيُّها القلبُ يا غريراً تمادى =يا عزيزاً على قلوبِ الغوالي

قد يموتُ السؤالُ حيناً وتصحو =وسراجُ الأحلامِ دونَ اشتعالِ

وتسوق الدلالَ شمسُ الأماني =فالصباحاتُ رهنُ قيدِ الدلالِ

ألسنُ النارِ في الحشا لاهباتٌ =رغمُ طولِ الأسى وطولِ النضالِ

فتمرَّدْ على الحريقِ وأطفئْ =حُرقةَ الصمتِ في عروقِ الدوالي

واقطفِ النورَ من بريقِ سرابٍ =فشهيُّ اليقينِ صعبُ المنالِ

وغداً تذبلُ الزهورُ وتَذوي=وتَغيضُ المياهُ تحتَ الرمالِ

ينقضي العمْرُ بين مدٍّ وجَزْرٍ =وتموتُ الأحلامُ دون اكتمالِ

18-5-1998

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 09:50 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (20)



عنوانُ الهوى





اكتُبيني فوقَ الهوى عنوانا =واسحبي الخوفَ وامنحيني الأمانا

واسكبيني في ليلِ عينيكِ نوراً =يطلعُ الفجرُ من ظلامِ هوانا

لا تقولي ولَّى زمانُكَ فاذرفْ =أَدمُعَ اليأسِ لن تنالَ رضانا

لا تقولي ودِّعْ غِراسَ الأماني =أنا ما زلتُ للهوى بُستانا

لا تقولي نسيتُ حبَّكَ فابحثْ=عن محبٍّ في الحبِّ يَفنى سوانا

أنا أدرى بقلبِ منْ يتفادى =خائناتِ العيونِ إذ يتوانى

فأجيبي نداءَ قلبِكِ قولي :=يا حبيباً أضناهُ ما أَضنانا

شفَّنا الوجدُ فاشتعلنا حنيناً =وحنينُ العشاقِ ينسى الهوانا

نحن كنَّا إلفَينِ نغفو ونصحو =نملأُ العيشَ رِقةً وحنانا

يعشقُ الروضُ شدوَنا في الأماسي = وتُنَدِّي فجرَ المنى نَجوانا

ما تَغنَّى في الروضِ طائرُ عشقٍ = بنشيدِ الهيامِ إلا عَنانا

كم تركنا عيونَنا مُصغياتٍ = لحديثٍ لم تحكِه شفتانا

تستحي جوقةُ العَنادلِ منَّا = حين نشدو وتُرهِفُ الآذانا

***=***

كم جلسنا نبني جسورَ وصالٍ = مذْ عشقنا فما انتهتْ بُنيانا

يستبيحُ النسيمُ خلوتَنا البِكـ = ـكرَ فنَنشى إذ يُستباحُ حمانا

***=***

كم لهونا وكم ضحِكنا فلمَّا = أورقَ العمرُ أُدميتْ مُقلتانا

فانكفأْنا وراحَ يسخرُ منَّا = برعمُ الضوءِ لم يفتِّحْ جُمانا

ثم عُدنا أبهى سَنىً وجمالا = زادنا الوجدُ والنوى عُنفوانا

يستريحُ الحنينُ في جانِحينا =ويضوعُ العفافُ من مُبتغانا

أَمرعَ العمرُ فالمُنى مُخصباتٌ =والمواويلُ أزهرتْ أُقحوانا

فاسكبي خمرةَ اللقاءِ حلالاً = واشربي الكأسَ واسكِري إيمانا

يا جحيمي وجنَّتي واشتعالي = وانطفائي في مهرجانِ لقانا

نحنُ شوقُ الطيورِ للأفُقِ الرحْـ = ــبِ وسجنُ السنينَ يمحو الزمانا

نحنُ عطرُ الربيعِ في موسمِ الزهْـ = ــرِ وعطرُ الربيعِ يُغري الحِسانا

نحنُ شمسُ الأصيلِ في روضةِ العمْـ = ــرِ وشمسُ الأصيلِ تَحكي ضُحانا

وغداً يشرقُ الغروبُ ونمضي = ويَحارُ الأصيلُ فيما دهانا

***=***

فتعالي يا زهوَ نارِ احتراقي =نُطفئُ النارَ في جحيمِ دِمانا

نَعتصرْ كلَّ لحظةٍ من لقانا =زادها الصيفُ والخريفُ افتتانا

ولنُعتِّقْ خمراً ألذ وأشهى =من خمورِ الصبا ونَملا دنانا

ولنطرِّزْ بالوصلِ ثوبَ الليالي =ولنزركشْ بالمغرياتِ مُنانا

فتحدَّي بالوصلِ جوعَ الليالي =روعةُ الوصلِ سوف تمحو شقانا

***=***

يا نعيميْ وما نعيميَ إلا = باحتراقيْ على الندى ريَّانا

نَيْسَنَ الحبُّ أحرفي باخضرارٍ= فذوى الشوكُ لم يُطقْ نَيسانا

ربما تولدُ الحياةُ أصيلاً = فتعالَيْ نعقدْ له مِهرجانا

أيُّ ذنبٍ لعاشقٍ مُستهامٍ ؟=ضيَّعَ العمرَ يكتوي حِرمانا

فنَضَا عنه ثوبَ زُهدٍ عقيمٍ=وأتى الماءَ يُطفئُ النيرانا

فاسألي اللهَ أن يتوبَ علينا =إنْ عصيناهُ واطْلُبي غُفرانا

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 10:03 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (21)







بقايا الحسن





نصبتْ شِباكَ الحسنِ بعد مَشيبي =ورمتْ فُتاتَ جمالِها بدروبي

أنَّى اتَّجهتُ وجدتُ زهرةَ فُلةٍ =حمقاءَ سوَّرَها الظما بشُحوبِ

هي من بقايا الحسنِ ضاعَ أريجُها =ما بين سالفِ طاعتي وذُنوبي

أيامَ كنتُ أشمُّ رثَّ ثيابِها =والشوقُ يَقلبُ ريحَها لطُيوبِ

فلَكمْ سرقتُ من الثيابِ قُصاصةً =نعمتْ بحملِ غريرِها المصلوبِ

ولكمْ وقعتُ على السَّريرِ بغفلةٍ =منها بوضعٍ في الظلامِ مريبِ

وعلى وسادتِها كمِ اشتعلَ الجَّوى=والقلبُ يخفقُ مُمعِناً بوجيبِ

***=***

يا ليتَها علمتْ بما فعلَ النَّوى =والشكُّ يُسْلِمُني لفرطِ نحيبِ

حتى بلغتُ الأربعينَ وهالني =شيبي وروَّعَني دُنوَ غُروبي

فلجأتُ للنسيانِ وابتهلَ الهوى =حتى أعودَ لصبوتي ونَسيبي

لكنَّها الستونَ تصرخُ في دمي =قفْ يا غبيُّ .. أما نهتْكَ عُيوبي

في الأربعينَ غرقتُ في بُؤرِ الأسى =وخرجتُ من حلباتِها بنُدوبِ

وأطلَّتِ الخمسونَ تعقدُ حبلَها =حولَ انتظاركَ للغدِ المرغوبِ

وتقولُ للستينَ دونَ تَحفُّظٍ =أهلاً بثلجكِ بعد حرِّ لهيبي

***=***

ورجعتُ للمرآةِ أخطبُ ودَّها =فبدتْ حقائقُ خَيبتي وهُروبي

شيخٌ أنا .. وتطلُّ ملحمةُ الردى =ويطلُّ من أُفُقِ الشقاءِ مَغيبي

دالَ الزمانُ وغابَ نجمُ مَطامحي =وبدا ظلامُ القبرِ جِدَّ قريبِ

شحَّتْ مواسميَ القديمةُ وانتهى =زمنُ العطاءِ وجاءَ وقتُ نضوبي

ووقفتُ أختصرُ السنينَ مودِّعاً =وحملتُ ذُلَّ هزيمتي بحروبي

وتركتُها ترمي فُتاتَ جمالِها =لتضيعَ بين مُغامرٍ وكَذوبِ

6-8-1997

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 10:17 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (22)



لقاءٌ مع النفس




خلوتُ بنفسي لم أجدْ ليَ ملجأً =سواها فإنَّ النفسَ خيرُ صديقِ

وقلتُ لها يا نفسُ حسبُك ما مضى =أطعتُك عمراً فالضياعُ طريقي

أطعتُكِ لا أدري إلى أين أنتهي=وقد شبَّ طيشي واستبدَّ عقوقي

تركتُ مقاليدَ الأمورِ لخافقي =وسِرْتُ بليلِ الوهمِ دونَ شروقِ

أحاولُ ما أستطيعُ شدَّ مَفاصلي =لأسبقَ صوتَ الرعدِ قبل بروقي

وأمسكُ أطرافَ السحابِ أقودُه=ليسكبَ أمطارَ المُنى بعروقي

كأنِّي وأحلامُ الشبابِ تصعَّدتْ =طريدٌ سرى في الليلِ دون رفيقِ

وما لي وقد أخفقتُ في العيشِ حيلةً =فكلُّ دروبي أُغْلِقتْ بحريقِ

***=***

فوا أسفاً أَمضي وتمضي مواسمي =زفيري بها عَبْرَ الأسى كشهيقي

ووا عجباً للنفسِ تنسى مواجعي =وقد شابَ في دربِ الشفاءِ وثوقي

ولكنَّني ما زلتُ غُصناً بروضةٍ=تَؤمُّ رفوفُ النحلِ حُلوَ رحيقي

وتعشقُ أسرابُ الطيورِ مواسمي =لتحملَ حبَّاتي لكلِّ طليقِ

يجوبُ فضاءاتِ الحياةِ موشَّحاً =بفجرٍ جديدِ الأُمنياتِ أنيقِ

فإنِّي رهينٌ في الرياضِ يشدُّني =رباطٌ إلى الأفنانِ جِدُّ وَثيقِ

***=***

وتقذفُ بي ريحُ التَّجهُّمِ بغتةً =إلى جُرُفٍ هاري الضفافِ سحيقِ

أغالبُ أمواجَ السقوطِ بأذرعٍ =يحرِّكُها خوفُ الردى كغريقِ

ويغتالُني صوتي فأصرخُ صامتاً =ليرتدَّ صوتُ الصمتِ دون مُعيقِ

فأجمعُ أصدائي بريشةِ شاعرٍ =خبيرٍ بتصويرِ الحياةِ خليقِ

وأملأُ كأسي من حُميَّا قصائدي=فتغدو صَبوحي في الأسى وغَبوقي

فأشربُ آلامَ السقوطِ تَعِلَّةً =وأمضغُ يأسي كافراً بحقوقي

***=***

كذلك نفسُ الحُرِّ إن ضِيْمَ أينعتْ =كغصنٍ على خُضْرِ الضفافِ وريقِ

تُكلِّلهُ الأزهارُ في كلِّ موسمٍ =فيزهو بمسكٍ في الرياضِ فَتيقِ

فغايةُ ما أصبو إليه توافقٌ =مع النفسِ حتى أستعيدَ بَريقي


8-11-1997

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 10:21 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (23)




صحراء النفس



صحراءَ نفسيْ أَلفتُ الرملَ ملتهبا=فهاتِ صمتَكِ يسكرْ خمرُه العنبا

جفَّتْ ينابيعُ عمري فاستهنتُ بها =ورحتُ أشربُ دمعَ العينِ مُنسكبا

فبعدَ صارخةِ الستينَ لستُ أرى =إلا المواجعَ والعزمَ والذي نَضَبا

تسلَّلَ الحزنُ للقلبِ الذي عرفتْ =دقَّاتُه صحبةَ الآمالِ يومَ صَبا

كانتْ شرايينُه تسابُ في جسدي=نوراً وعطراً وإلهاماً ونهرَ صِبا

وكنتُ أُودِعُه الأسرارَ يحفظُها =حتى أطلَّ على الستينَ فانقلبا

أفشى جميعَ الذي استودعتُه ومضى =يذيعُ من موطنِ الأسرارِ ما رَغِبا

***=***

أسرفتَ يا خافقي بالبوحِ مبتهلاً =إليَّ حتى أُداري كبوتي كَذِبا

وكيفَ أكتمُ ما بيْ من جوىً وأسىً =وكلَّ يومٍ أرى حيني قد اقتربا

لعلَّني باخعٌ نفسي وذا قدري =وكيفُ أهربُ منه بعد ما كُتِبا

فكم حدوتُ رجائي واستبدَّ به =وهمٌ فأفلتَ من أصفادِه وحَبا

حتى إذا اشتدَّ لم أبلغْ به أَرَباً =إذ راحَ يحلُمُ حتى ضيَّعَ الأَربا

واليومَ يصرخُ بالستين يدفعُها =إلى النهوضِ فناءَ القلبُ واضطربا

***=***

تأنقي يا رؤايَ الخُضرَ وانتظري =كيما أردَّ من الألوانِ ما سُلبا

كانتْ غريراتُ أحلامي تراودُني =عن نفسِها يومَ خِلتُ المبتدا لَعِبا

مرَّتْ بساحِ أماني العمرِ مسرجةً =شرخَ الشبابِ لنجمِ السعدِ حين خَبا

حتى وصلتُ إلى ما ليس يحسدُني =عليه غرٌّ أضاعَ العمرَ مُنتحبا

فكم تمنَّيتُ ان أحظى ببارقةٍ = وأحتسي من لَمى الآمالِ ما عَذُبا

***=***

لا تُسرعي يا خُطا عُمْري على مَهَلٍ=لعلَّني أمسكُ الوردَ الذي انسربا

لا تنكري وَلهي يوم امتطيتُ إلى =شعابِ مجدكِ شوقاً رابضاً وَثِبا

تواثَبي يا عزيزاتي فإنَّ دمي = وقفٌ لكلِّ جوادٍ في السباقِ كبا

لا ترجُميني بماضٍ كم سكبتُ له = روحي ليشربَ كأسَ السَّعدِ ما شربا

وراحَ يبحثُ عن لمعِ السرابِ على= وعد ٍمع النفسِ أن يَحظى بما طلبا

لكنَّه عاد ملفوفاً بخيبته =مطوَّقاً بالدَّواهي أينما ذهبا

***=***

واليومَ يا جمرةَ العمرِ التي خَمدتْ =ما كان أغلاكِ لو أحرقتِ ما صَعبا

ما كان أحلاكِ نوراً أستضيءُ به =من غيرِ أنْ تُحرقي الشِّريان والعصبا

حتى غدوتُ رماداً فوق مُتكأٍ =من السنين إذا ما اهتزَّ صرتُ هَبا

***=***

يا جمرةَ العمرِ كم بدَّدتُ عاصفةً =وكم شهرتُ بوجهِ الذلِّ سيفَ إِبا

وكم رأيتُ شياطيني تُطاردني =وكم عدوتُ على شوكِ الضَّنى هربا

***=***

يا غُصَّةً في دمي ما زلتُ أمنحُها =طيبَ المقامِ فراحتْ تنتشي طربا

أرهقتِ كلَّ شراييني و أوردتي =وكنتُ بالأمسِ غرَّاً أجهلُ السببا

واليومَ أستنفرُ الآلامَ تشحذُني =لأكملَ العمرَ منفيَّاً ومغتربا

أدلِّلُ النارَ في قلبي فتُحرقُه =وكم نفختُ بمِزماري فما التهبا

فغازليني بأهدابِ الرمادِ على =وعدٍ تَصوَّفَ في محرابِه رهِبا

وواعديني فما تنفكُّ أوردتي =تغازلُ الهمَّ والأوهامَ والتعبا

لا تصلبيني على جرحِ الهوى ثَمِلا =فأقتلُ الحبَّ ما في جرحهُ صَلبا

وقرِّبيني إلى نهدِ الحياةِ فما =أزالُ أُبعدُ عني نهدَها كَذِبا

وحاذري أن أرى عينيْ تُكذِّبُني =أو أنْ أرى وجهَ من أحببتُ مكتئِبا

13-4-1999

عبدالسلام زريق
01-30-2011, 10:27 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (24)



رحلةٌ إلى العالمِ الأخرِ



الليلُ هدوءٌ ينسحبُ =والفجرُ ضجيجٌ يقتربُ

والبدرُ يسافرُ منطفِئاً =والشمسُ تَبدَّى تلتهبُ

وأنا والصمتُ وأوردتي =خوفَ المستقبلِ ننتخبُ

نتوجسُ من آتٍ أعمى =بخيالِ الشاعرِ ينتصبُ

فتثورُ بشاطئِ أحلامي =أمواجُ جراحٍ تَصطخبُ

تتعالى .. تهبطُ في حَنَقٍ =تتوالى .. تهدأُ .. تضطربُ

فتطيرُ نوارسُ آمالي =خلفَ المستقبلِ تَحتجبُ

وتحطُّ على برجِ البشرى =غربانُ الشؤمِ فأكتئبُ

***=***

الليلُ يفجِّرُ آلامي =ويُطلُّ الفجرُ فتنسربُ

فألمُّ جراحي أغسلُها =بدمٍ من جرحي يَنسكبُ

وأُجمِّعُ ألوانَ حياتي =في جرَّةِ عُمر يُقْتَضبُ

وأُخبِّئُ من عمري مِزَقاً =لظلامِ الليلِ وأنسحبُ

***=***

جدراني تحملُ أوراقاً =تحكي عن صمتي ما يجبُ

حبٌ .. شعرٌ .. حزنٌ .. ألمٌ =وبقيَّةُ عمرٍ ترتقبُ

***=***

في صمتي أسمعُ موسيقا =لمعارجِ إحساسي تثبُ

موسيقا تجمعُ أشتاتي =فيهدِّئُ أعصابي الطربُ

تتماوجُ عبرَ فضاءاتٍ =للروحِ فيهجرُني التعبُ

وأهيمُ بمعالمِها الأسمى =كالواهمِ يأخذُني العجبُ

تتقاربُ أبعادُ المسعى =فأصلِّي الفجرَ وأقتربُ

***=***

في الليلِ أنادي من صدقوا =فتجيبُ نداءاتي التُّربُ

وتقولُ بجَوفي من تهوى =ولبُعدكَ عنهمْ قد عَتبوا

لا تأسَ .. تعالَ لعالمِهم=فرفاقُك نالوا ما طلبوا

لا تبكِ .. دموعكَ تُحزنُني =وإلامَ بليلكَ تنتحبُ

دنياكَ بكلِّ مفاتنِها =شلَّاءُ لمثلكَ لا تهبُ

تهبُ الأنذالَ تُكرِّمُهم =وهُمُ في رقعتِها لُعبُ

والعدل توارى في زمنٍ =يعتزُّ بسالبِه السَّلبُ

وسلاحُك صدقٌ لا يخفْى =وسلاحُ أعاديكَ الكذبُ

وأحاولُ أبحثُ عن سببٍ =للعيشِ فيخذلُني السَّببُ

فأصدُّ الدمعَ وأَزْجُرهُ =وأسارعُ يجذبُني الطلبُ

وأحاولُ أُشرعُ إقدامي =لكنَّ شراعي ينقلبُ
5-3-1999

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 02:56 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (25)


المعجزان




فجِّرِ الشعرَ عاصفاً من دِمانا =واقطفِ الشَّهدَ من خلايا أسانا

نحن نأسى ونشتكي ونعاني =وأسانا يزيدُنا عنفوانا

كلما أقلقَ الظلامَ شهابٌ =في سماءِ الوجودِ شعَّ ضيانا

نحنُ كالشمسِ للوجودِ حياةٌ =يسطعُ الفجرُ حين تغلي دمانا

من دماءِ الجراحِ شُدنا صروحاً =وأقمنا من وقدها مِهرجانا

يشمخُ المجدُ بالنفوسِ كباراً=سلَّمُ المجدِ لا يطيقُ جبانا

* * *=* * *

قد وأدْنا حزنَ المواجعِ حياً =وبعثنا خلودَنا من ثرانا

جرحُنا يملأُ النفوسَ ابتهاجاً =وجراحُ الجبانِ تبقى هوانا

كلما أنَّ في حِمانا جريحٌ =أخصبَ الأرضَ والسما والزمانا

* * *=* * *

صُبَّ في كأسيَ الرحيقَ من الجُّر = حِ وحطِّمْ أقداحَنا والدِّنانا

وانطلقْ أيُّها المدجَّجُ بالحـ = ـقِ سلاحاً وجدِّدِ الإيمانا

وانطلقْ أيها المزنَّرُ بالمو = تِ لساناً وخافقاً وسنانا

قفْ على القبرِ وانفضِ الموتَ واكتبْ =من سطورِ الخلودِ سطراً عَنانا

لا يموتُ الضميرُ إن ماتَ حيٌّ =نحنُ بالميْتِ نبعثُ الوجدانا

نحنُ نجتاحُ موجعاتِ الرزايا =بعصوفٍ ينشقُّ عنها دُجانا

من دِمانا نسقي الترابَ إباءً =فاسألوا الشامَ كيف صارتْ جِنانا

واسألوا ميسلونَ يومَ وقفنا =هل رأى الدهرُ مثلَنا فرسانا

واسألوا يوسفُ الشهيدَ يُجبْكُمْ =أنا طرَّزتُ بالدِما نيسانا

يزهرُ الجرحُ حين يورقُ نصرٌ =فزهورُ الجراحِ وشَّتْ حمانا

* * *=* * *

إيهِ بغدادُ .. ألفُ جرحٍ بقلبي=إنْ يُزهِّرْ يغدُ الحمى بستانا

قد تمادى الطاغوتُ بالرَّجمِ حتى =صيَّرَ الماءَ والثرى بُركانا

ومياهُ الخليجِ في المدِّ والجز = رِ توانتْ لم تخمدِ النيرانا

مُزَّقتْ عروةُ الإخاء فأضحى =كلُّ شعبٍ من أمتي عريانا

فاستبدَّ الطاغوتُ حين رآنا = نعشقُ العُريَ نألفُ الإذعانا

في المحاريبِ والشعوبُ قيامٌ =والنواقيسُ تقرعُ الآذانا

يدمنُ القصفَ غاشمٌ مستبدٌّ=يستبيحُ الإنجيلَ والقرآنا

زوَّقوا القصفَ بل أحلّوه قالوا:=هُوَ قتلٌ نبغي به إحسانا

لا تخافوا واستقبلوهُ بِبِشرٍ =ينشرُ السِّلمَ عندكمْ والأمانا

ضحكَ الدمعُ في عيونِ الثكالى =والأيامى عضضنَ منه البنانا

* * *=* * *

إيهِ بغدادُ .. أيّ وغدٍ أثيمٍ =صيَّرَ الذئبَ شرعُه إنسانا

علِّمي الغاشمَ الدَّعيَّ حياءً =أسمعيهِ أجراسَنا والأذانا

خبِّريهِ أنَّ الجياعَ شعوبُ =وعُجولُ الحكامِ صارتْ سِمانا

قد يجوعُ الحكامُ يوماً ولكن =يأكلونَ الأحرارَ لا العُبدانا

* * *=* * *

يا (كسوفو) قولي لبغدادَ صبراً =إيه بغدادُ ما دهاكِ دهانا

حاقدٌ ظالمٌ وحشدٌ غريبٌ =ودماءٌ تمجُّها مقلتانا

وارتحالٌ عن الديارِ وذلٌّ =وهوانٌ نقتاتُ منه هوانا

شيَّعتْ كربلاءُ ألفَ حسينٍ =كيف هانتْ وشعبُها كيفَ هانا

كيف أضحى عرينُنا مُستباحاً =للصورايخِ تهدمُ البنيانا

* * *=* * *

إيه بغدادُ .. نحن في الشامِ فجرٌ =شمسُه البكرُ لم تفارقْ سمانا

كلما أقبلَ الظلامُ تَلظَّتْ =منْ لدَحرِ الظلامِ يُرجى سِوانا

عندنا المعجِزانِ شعبٌ أبيٌّ =وهَصورٌ يبغي السلامَ ضمانا

كلما شدَّتِ الكروبُ زِماماً =شدَّ للحلِّ مُرهَفاً ولسانا

لم يساومْ في صفقةِ السلمِ لكنْ=زأرَ الليثُ فاستحالتْ دُخانا

* * *=* * *

إيه بغدادُ .. والحضارةُ آلتْ =لرصاصٍ يَهمي جبانا .. جبانا

في دمانا تجري الحضارةُ نوراً =فاسألي الفجرَ كيف يسري ضِيانا

يَشرِقُ البغيُ بالمياهِ إذا ما =خَضَّبَ الماءَ جدولٌ من دِمانا

فانهدي للخلاصِ نوراً وناراً =ضوِّئي الكونَ واحرقي الطغيانا

واعقدي الغارَ تاجَ عزٍّ لشعبٍ =يمتطي الجرحَ للنزالِ حِصانا

* * *=* * *

إيه ذكرى الجلاءِ كيف أُغنِّي ؟=كيف أنسى الجنوبَ والجَولانا

كيف أنسى مَهدَ المسيحِ وقدساً =كيف أنسى الهلالَ والصُّلبانا

كيف أنسى مَسرى الرسولِ وبيتاً =شعَّ منه الضياءُ حتى هَدانا

كلما أرعدَ القريضُ بَروقاً =يهطلُ الدمعُ من عيوني دِهانا

يزأرُ الجرحُ في دمي فأنادي =يا حُماةَ الديارِ شابتْ مُنانا

فاعذُريني إذا بكيتُ فدمعي =يملأُ الجرحَ حُرقةً وحَنانا

وامنحيني إذا امتطيتُ يَراعي =أطلبُ الثأرَ وردةً من رُبانا

لم أعدْ للقتالِ أهلاً ولكنْ =بحروفي أَشنُّ حرباً عَوانا

قائمٌ للصلاةِ أدعو لقومي =ومع الفجرِ سوف أُعلي الأذانا

وليَ العذرُ إنْ قضيتُ فإنِّي =أركبُ الصعبَ لست أَلوي العِنانا

فإذا متُّ يا بلادي فقولي =عاشَ حراً وقد مضى إنسانا

واكتبيني سطراً على كلِّ قبرٍ =لشهيدٍ في مَيسلون وقانا

15-4-1999

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:05 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (26)



يا وادي حماةَ سلامُ



بلدي .. وينتفضُ السؤالُ وتنجلي =صورُ الجوابِ وتزهرُ الأقلامُ

بلدي .. وينطلقُ الهديلُ وينتشي =سربُ الحمامِ ويهطلُ الإلهامُ

بلدي .. ويحترقُ الظلامُ وتزدهي =قممُ الجبالِ وتخفقُ الأعلامُ

بلدي .. ويتَّصلُ الهديرُ وتنحني =هممُ الرجالِ وتورقُ الأحلامُ

* * *=* * *

أَخصبتِ يا بلدي البطولةَ والندى =حتى تنامى البذلُ والإقدامُ

في كلِّ شبرِ من سهولكِ جذوةٌ =وعلى شعابِك للكفاحِ ضرامُ

وبكلِّ بيتٍ شاعرٌ ومفكِّرٌ =وبكل رُكنٍ عالمٌ وإمامُ

* * *=* * *

بلدي .. رعاكَ اللهُ يا بلدَ الهوى =وسقاكِ أمطارَ السلامِ غمامُ

درجَ الربيعُ على ثراكِ معطّراً =فالوردُ في ألقِ الضُّحى أكمامُ

وسرى النسيمُ من الرياضِ موشوشاً=أوراقَها و كأنَّه نمَّامُ

تتمايلُ الأغصانُ من هَمساتِه =فيطلُّ وجهٌ مشرقٌ بسامُ

وجهٌ كبرقِ الأمنياتِ وضاءةً =يبدو على قسَماتِه استفهامُ

والقدُّ ميَّاسٌ على خطواتِه =يصحو الهوى في صدرِه وينامُ

وتغرِّدُ الآمالُ في سَكَناتِه =فيضمُّها وتغادرُ الأوهامُ

* * *=* * *

بلدي .. وينبثقُ الضياءُ وينجلي =بدرٌ على مرِّ الزمانِ تَمامُ

بلدي .. وأفترشُ الترابَ يضمُّني=دوحٌ تراقصُ ظلَّه الأنسامُ

فتمرُّ أطيافُ الرجاءِ بخاطري =حُلُماً تحاولُ طمسَه الأيامُ

* * *=* * *

بلدي .. عليه من الجلالِ مطارفٌ =ومن الجمالِ عباءةٌ وحِزامُ

يترنَّحُ العاصي العصيُّ بروضِه =سكرانَ تُكمِلُ سُكرَه الأنغامُ

فتراهُ مِطواعاً يسيرُ وينحني =للعادياتِ يسرُّه الإحجامُ

يتوسَّدُ الوادي فيهدأُ نبضُه =وكأنَّما في جانحيهِ سَقامُ

فنرى وفودَ الزائرينَ تعودُه =والحزنُ بادٍ والدموعُ رِهامُ

والدائراتُ على العصورِ شواهدٌ =أنَّ السكونَ على الضفافِ حرامُ

اللهُ .. ما أحلى زمانَ وردتُهُ=صفواً كأنَّ الكأسَ منه مدامُ

اللهُ .. ما أحلى زمانَ عشقتُه =والطُّهرُ ثوبٌ والحياءُ وسامُ

تَترَشَّفُ الألبابُ سحرَ جمالِه =والسعدُ صاحٍ والكروبُ نيامُ

ويعانقُ الصفصافُ حَورَ ضِفافِه =فبكلِّ غصنٍ صبوةٌ وهيامُ

* * *=* * *

بلدي .. فديتكِ يا صلاةَ محبةٍ =في ظلِّهِ تتواصلُ الأرحامُ

والثائرونَ الذائدونَ عنِ الحِمى =سعدٌ يكرُّ وخولةٌ وهشامُ

سكرَ الجلاءُ على ضفافكِ فانتشتْ =أجيالُه وتوالتِ الأعوامُ

أنا واحدٌ ممَّن عرفتِ جرارَهم=يروي ظما الثوارِ وهو غلامُ

* * *=* * *

بلدي .. وحسبي أنَّني لكِ عاشقٌ =يحدو هوايَ محبةٌ ووئامُ

من فجرِ يومِ القادسيةِ للضُّحى =يتسابقُ الأخوالُ والأعمامُ

عرفتْ فرنسا بأسَهم فتراجعتْ =ثكلى يكلِّلُ هامَها الإرغامُ

وصلوا سنا التاريخِ بالألقِ الذي =وافى به تشرينَ وهو عرامُ

فاستبشرَ الأقصى وأشرقَ وجهُه =وشدا الإمامُ وأجبلَ الحاخامَ

* * *=* * *

بلدي .. غفرتُ لك الجحودَ أما تريْ =أنَّ المُقيمَ على الوفاءِ يُضامُ

أم أنَّ عينَكَ قد أضرَّ بها الأسى =ممن قلوْكِ فغادروكِ وهاموا

فلبثْتَ تغسلُ بالدموعِ جحودَهم =حتى مضى عامٌ وأقبلَ عامُ

فتأنقتْ خُضرُ الضفافِ وأزهرتْ =وتضوَّعتْ عطراً بها الأيامُ

بلدي .. ويشعلُني الوفاءُ قصائداً =تُملا بها جامٌ وتُفْرَعُ جامُ

سلمتْ زحوفُ الشَّيبِ تغزوني دُجىً =ويفرُّ من وجهِ الحياةِ ظلامُ

فلعلَّ بارقةَ الرجاءِ تلوحُ لي =قبلَ الرحيلِ ويَنجلي الإبهامُ

* * *=* * *

بلدي وأختزنُ الجراحَ فليس لي=إلا اليراعُ وما لديَّ حسامُ

أتصيَّدُ الفِكَرَ المضيئةَ في الدُّجى =وأشقُّ ساحَ الشعرِ وهو قَتامُ

وألوذُ بالقلمِ المُدجَّجِ باللَّظى =فلهُ إذا خَرِسَ الرصاصُ كلامُ

تثبُ الحروبُ إلى دماهُ سخيةً =وتزمجرُ الآمالُ والآلامُ

وتفرُّ من كفِّي الأصابعُ عندما =تَهمي الحروفُ وفي الفرارِ أَثامُ

فأضمُّ أجنحتي أحطُّ على الذُّرا =لأقولَ يا وادي حماةَ سلامُ

5-4-1999

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:10 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (27)



تسبيحُ البواتر



نضَّدتُ ملحمةَ النضالِ كتبتُها تحت المجاهرْ

معجونةً بدمِ الشهيدِ وصوتِ ثائرةٍ وثائرْ

من ميسلونَ الى الجلاءِ الى الحجارةِ والأظافرْ

ضاقتْ بها مُهَجُ السطورِ فأرعدتْ ملءَ الحناجرْ

شقَّتْ عصا الإذعانِ تصفعُ وجهَ مأفونٍ مُقامرْ

إيمانُنا بالحقِّ أقوى من وصوليٍّ مُغامرْ

ضاقتْ بما رحبتْ عليه الأرضُ حتى جاءَ صاغرْ

ألقى السلاحَ ومدَّ كفَّاً بالسلامِ لكفِّ ماكرْ

مرَّتْ هُنيهاتُ اللقاءِ وكفُّه ترجو الخواطرْ

وتنازلتْ كفُّ اللئيمِ تصافحُ القدمَ المسايرْ

* * *

عفواً صلاحَ الدينِ إنِّي ذاكرٌ هل أنت ذاكرْ

في غُرَّةِ التاريخِ في حطينَ سبَّحتِ البواترْ

فاسمعْ عباراتِ الخضوعِ اليومَ تُثلجُ صدرَ كافرْ

واسمعْ ترانيمَ السَّلامِ تُذاعُ من شتى المقابرْ

في كلِّ مقبرةٍ عمودٌ بالسلامِ المرِّ هادرْ

ما اهتزتِ الأحياءُ واهتزتْ من الموتى المشاعرْ

غابتْ ملائكةُ الجهادِ وأُسدلتْ كلُّ السَّتائرْ

وصحتْ شياطينُ السلامِ تدورُ في كلِّ الدوائرْ

هذا هو الدَّجالُ يظهرُ حاملاً زيفَ البشائرْ

أصغتْ له كلُّ العروشِ وحَملقتْ كلُّ النواظرْ

فلتُمْطِرِ الدُّنيا وتمطرْ فالضلالُ اليومَ ماطرْ

ولتُنبتِ الأرضُ السلامَ وتنكسرْ كلُّ الخناجرْ

ولتنطفئْ كلُّ الكنائسِ والمآذنِ والمنابرْ

وليركبِ الفاروقُ ناقتَه وللأقصى يغادرْ

وليسقُطِ التاريخَ فوقَ السلمِ أو تحتَ الحوافرْ

لا فرقَ فالدَّجالُ أَوغلَ في البوادي والحواضرْ

* * *

يا أيُّها الأطفالُ نزفُ دمائكم يُحييْ الضمائرْ

أنتم ضياءُ الواهبينَ وفي مجاهلِنا بصائرْ

أنتم سيوفُ الثائرينَ ونزفَ أكبادِ الحرائرْ

هنَّ اللواتي ما تركنَ شعارَهُنَّ لدى المخاطرْ

لا تسألوا عمَّن أسرَّ دماءكم ومضى يُتاجرْ

بالنارِ لا بالقولِ تُنْتَزعُ الحقوقُ من المُكابرْ

* * *

الخصمُ لوَّحَ بالسلامِ وراحَ يرتكبُ المجازرْ

بالعاكفينَ الراكعينَ الساجدينَ فأيُّ غادرْ

هذا الذي ذبحَ السلامَ بذبحِ من أدَّى الشعائرْ

هشَّتْ له بعضُ الوجوهِ وزمجرتْ كلُّ الكواسرْ

* * *

نيسانُ يا فخرَ الشآمِ جدلتَ بالنورِ الضفائرْ

خُضناكَ بحراً زاخراً بدماءِ من سقطوا ذخائرْ

حتى تَمخَّضَ ليلُنا الدَّاجي عن الفجرِ المعاصرْ

فإذا الشآمُ ملاعبُ الأبطالِ في ماضٍ وحاضرْ

إنَّا جَلونا الغاصبينَ فسِفرُنا أبداً مفاخرْ

نصحو على رَهَجِ الخيولِ وصوتِ قنبلةٍ وشاعرْ

فلتسمعِ الدنيا هُتافَ الشامَ تطلقُه زماجرْ

لا.. لن يكونَ لهم سلامٌ فالشآمُ سيوفُ ظافرْ

للشامِ كلُّ كبيرةٍ والصاغرونَ لهم صغائرْ25-4-1994

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:18 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (28)



شمس عمري




ترفَّقي بفؤادي يا مُعذِّبتي =لا تتركيه بلَيلِ السُّهد حيرانا

إنِّي أحبُّك إخلاصاً وتضحيةً =يا فتنةً أشعلتْ في القلبِ نيرنا

قد كنتُ قبلَ هواكِ الحلو في سأمٍ =حتى طَلعتِ فعادَ القلبُ نَشوانا

أحبُّ عينيكِ بالأضواءِ تغمرني =وثغرَك البكر للتقبيلِ ظمآنا

* * *=* * *

حبيبتي .. يا حياتي .. يا ضِيا عُمُري =لقد أحلتِ جحيمَ العيشِ بُستانا

إنِّي أحبُّك يا سرَّاً جرى بدمي =فعادَ (أيلولُ) في جنبيَّ نيسانا

لا تَغرُبي من سمائي يا مُنوِّرتي =يا شمسَ عمريْ أنا الفجرُ الذي بانا

أنا الهزارُ وأنتِ اليومَ أُغنيتي =أشدو بحبِّكِ أنغاماً وألحانا

غرَّدتِ في جنَّةِ الأحلامِ فازدهرتْ =واخضَوضرَ العيشُ حتى صارَ فتَّانا

* * *=* * *

بالأمسِ كنتُ حليفَ السُّهد أجَّجني =شوقي إليكِ فصارَ القلبُ بركانا

أحيَيْتِ بالحبِّ أزهاري التي يبستْ =وقد غرستِ رياضَ العمرِ ريحانا

رويتِ روحي بشهدِ الوصلِ أقطفُه =من ناهديكِ أفانيناً وألوانا

ذوَّبتِ لي سُكَّرَ الأشواقِ في شفةٍ =كأنَّما همسَها يروي حَكايانا

أستغفرُ اللهَ لا ذنبي بمُغتفَرٍ =إن كان حبُّكِ لا يمحو خطايانا

أحسنتِ .. أحسنتِ إذْ أحببتِني ولقد =بادلتُك الحبَّ آهاتٍ وتَحنانا

إنِّي كفرتُ بآياتِ الهوى زمناً =حتى أتيتِ فصارَ الكفرُ إيمانا

جودي عليَّ بعفوٍ منكِ يعتقُني =من نارِ غيرِك إنعاماً وإحسانا

واستأثِري بفؤادي في مُكابرةٍ =لا تتركي لسوى عينيكِ عُنوانا
23-4-1984

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:30 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (29)



حجابُ الحبِّ



لولاكِ هذا العمرُ كانَ سرابا =لا تملئي كأسَ الغرامَ عِتابا

إنِّي عشقتكِ يا حبيبةُ فاسكني =بينَ الضلوعِ وغلِّقي الأبوابا

الحبُّ صوتُ اللهِ في أرواحِنا =نُصغي فيمنحُنا الإلهُ ثوابا

والحبُّ يا روحي صلاةُ متيَّمٍ =يتلو بحبِّكِ للوفاءِ كتابا

وأنا الذي عرفَ الحقيقةَ في الهوى =فدعي ظنونَكِ واهجُري الأسبابا

وتنعَّمي بهوايَ لا تَدعي المُنى =تذوي ويفقدُها البعادُ مَلابا

أنتِ التي أَحييتِ فيَّ مشاعري =وسَريتِ في روحي هوىً وشبابا

أنتِ التي صُغتِ الهُيامَ قصائداً =فَجَرَتْ على شفتيْ الحروفُ رضابا

* * *=* * *

أَحبيبتي لولا هواكِ وسحره =ضاقتْ بيَ الدنيا مَدىً ورِحابا

عيناكِ أغنيَتانِ في بَوْحَيْهما =يَنْدى القصيدُ فيُسكِرُ الألبابا

عيناكِ قنديلا ضياءٍ ساحرٍ =يَتلألآنِ هوىً إليَّ أَنابا

وأنا المحبُّ الشَّهمُ يصهرُني الهوى =فأذوبُ في حبِّي منىً ورِغابا

* * *=* * *

أحبيبتي هاتي يديكِ تقدَّمي =هيا لقد أَزِفَ الوصالُ وطابا

هيَّا إلى روضِ الغرامِ لأيكةٍ =أُملي عليكِ قصائداً وعتابا*

أطلقتِ أحلامي فعُدتُ مراهقاً =وملكتِ إحساسي فعُدتُ شبابا

ووصلتِني فلثمتُ ثغرَكِ ظامئاً =ورَشفتُ من خمرِ الشفاهِ شَرابا

* * *=* * *

أحبيبتي يا ياسمينَ حديقتِي =لولاكِ روضُ العمرِ كانَ يَبابا

كم من حبيبٍ كان يكْذِبُني الهوى =ويزيدُ في عمريْ الشقيِّ عذابا

حتى أتيتِ فأزهرتْ سُبُلُ المُنى =وجرتْ ينابيعي وكنَّ سرابا

وعرفتُ صدقَ الحبِّ أولَ مرةٍ =فحملتُه بينَ الضلوعِ حِجابا
11-6-1984


العَتابا ... لونٌ من الشعر الشعبي معروفٌ في بلاد الشام

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:35 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (30)



جاءَ الحياةَ وغابَ دونَ رِضاعِ




جاءتْ فحرَّكتِ الأسى بيَراعي =لمَّا بكتْ لتشرُّدي وضَياعي

قالتْ : أودُّ لو اقتنعتَ بفكرتي =وعزفتَ لحنَ تَرَحُّلٍ ووداعِ

فرثيتَ نفسكَ قبلَ غاشيةِ الردى =ومتى رحلتَ نقشتُها بشراعي

وركبتُ موجَ الدمعِ في بحرِ الأسى =وسَريْتُ مُشرعةً بغيرِ شُعاعِ

أتلمَّسُ الأفكارَ أعثرُ بالرُّؤى =وأعودُ منهكةً أحطُّ متاعي

لأُمزِّقَ الأكفانَ عنكَ وأَنبري =أزهو بشِعركِ في خِضَمِّ صراعِ

وأُحدِّثُ الأجيالَ عن علمٍ غدا =في ذمَّةِ التاريخِ غير مُضاعِ

شهدتْ له الحَلَباتُ حُمْرَ معارك =صبغتْ ملاحمَها جراحُ شُجاعِ

* * *=* * *

فأجبتُها والحزنُ يصهرُ أحرفي =ويحيلُها ثِقلاً على الأسماعِ

رفقاً بقلبي يا أُخيَّةُ هدهدي =نغمَ الرثاءِ فلستِ أولَ داعِ

أَرقصتُ بالنَّغماتِ سحرَ قصائدي =وأَسلتُ بالحَسراتِ دمعَ يَراعي

وسفحتُ كأسَ العمرِ تحتَ مِظلةٍ =من غدرِ أيامي ونُبل طباعي

ولويتُ قضبانَ الشقاءِ بهمَّتي =لم تلوِ مطرقةُ الهمومِ ذراعي

ولبستُ أقنعةَ الزمانِ ولم أجدْ =أحداً يقابلُني بغيرِ قناعِ

ما كلُّ من لبسَ القناعَ مُخادِعٌ =فأنا نزعتُ من القناعِ خداعي

* * *=* * *

فإذا سمعتِ قصائدي فترَيَّثي =لا تشتمي الأقدارَ عندَ سماعي

فلرُبَّ بارقةٍ تطلُّ فأَنتشي =وأُذيعُ سرَّاً كانَ غيرَ مُذاعِ

ضيَّعْنَني من كنتُ أحرقُ أضلعي =في ليلهنَّ فهل عرفتِ ضياعي ؟

نزَّهتُ أشواقي وسيلَ عواطفي =عن كلِّ عابثةٍ وكلِّ خلاعِ

ووقفتُها لرُؤى الجمالِ لمنْ وهى =في حبِّهنَّ تَجلُّدي ودِفاعي

يا عذبةَ الأنغامِ يا وتراً غدا =في كلِّ سانحةٍ يدقُّ وداعي

لو كلُّ من ناديتِ جاءكِ طائعاً =فنِداكِ لي كالكفرِ غيرُ مطاعِ

حاصرتُ بالومضاتِ أوكارَ العِدا =ورفعتُ بالأَلقِ الهَتونِ قِلاعي

ونهجتُ نهجَ الرَّافضينَ مغانماً =الحاملينَ مشاعلَ الإبداعِ

وطلعتُ من خلفِ الظلامِ ولم أزلْ =كالشَّمسِ أُشرقُ فانظُري إشعاعي

ولقد يهونُ الموتُ إذْ هوَ مرةً=فأنا أعيشُ العمرَ حالَ نزاعِ

فخُذي يَراعي بعد موتي واكتُبي =جاءَ الحياةَ وغابَ دونَ رِضاعِ

10-3-1998

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:37 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (31)



أرقامُ الحسابِ المُقبلِ





قال الطبيبُ وقد تلعثمَ خائفاً =أجهدتَ قلبَكَ يا وفيُّ فأَجملِ

دعْ عنكَ ما فعلَ الوشاةُ بشاعرٍ =واسفحْ ضياءكَ في ظلامكَ يَنجلِ

وارعَ الأمانيَّ العِذابَ بلمسةٍ =كالسحرِ من فِتَنِ اليراعِ المخملي

أوَ لمْ تكنْ بالأمسِ تحتملُ الأسى =وتعلِّلُ القلبَ الوفيَّ بمأملِ

حتى تعبتَ من الوفاءِ وأخصبتْ =أشواكُ عمرِكَ تحتَ نارِ المرجلِ

فمضيتَ تغزلُ من شرايينِ الضَّنى =حبَّاً لمنْ جَحَدَ الجميلَ بمعزلِ

وتقيمُ ليلَ الوجدِ تنتظرُ اللقا =وتبيتُ تحلمُ بالحبيبِ الأولِ

أولستَ من هجرَ الحياة سفاهةً=ومضيتَ نارَ جحيمِ حبِّكَ تَصطَلي

وتعاقرُ الأوهامَ في صمتِ الدُّجى =وتَزُجُّ مفتاحاً ببابٍ مقفلِ

سقطتْ حساباتُ العواطفِ وانتهتْ =للصِّفرِ أرقامُ الحسابِ المقبلِ

فالزمْ هدوءَ الصَّبرِ لا تكُ يائساً =قد يسمحُ القدرُ العصيُّ بأفضلِ
17-1-1999

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:52 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (32)


قابسةُ الضياءِ




جنَّحتُ بالألقِ المُبينِ يَراعي =وجعلتُ قابسةَ الضياءِ مَتاعي

وسَرَيْتُ في ليلِ الضياعِ مجرَّداً =إلا من الإلهامِ والإبداعِ

أتصيَّدُ الأملَ المجنَّحَ شاهراً =في كلِّ مرتَفَعٍ له أَطماعي

فيجوبُ آفاقَ الخيالِ كأنَّه =نسرٌ يحلِّقُ هازئاً بقِلاعي

وأعودُ أنصبُ للرَّجاءِ حبائلاً =فتكلُّ من نَصْبِ الشراكِ ذراعي

وأرى المسافةَ بينَ ما أَمَّلتُهُ=ولظى السنين تزيدُ في أوجاعي

فترتْ حرارةُ أمنياتِ وسادتي =وقتَ المنامِ وأمنعتْ بِخداعي

وتواصلتْ صورُ الضياعِ وأظلمتْ =خطواتُ عمري في دروبِ ضياعي

صورٌ تلوحُ وتختفي وكأنَّها =ألِفَتْ لقائي يائساً ووداعي

لكنَّني ويدُ الشقاءِ تشدُّني =في كلِّ سانحةٍ لساحِ صراعِ

أقسمتُ أن أَطأَ المواجعَ طالما =أنِّي الفخورُ بقوَّتي وطِباعي

ولطالما أيقنتُ أنَّ مطامحي =رهنٌ بحجبِ النفسِ خلفَ قناعِ

لأسيرَ بينَ الناسِ أشكرُ زيفَهم =وهتافَهم (اللهُ) عندَ سماعي

* * *=* * *

أنا في ضميرِ الحبِّ أُعْمِلُ ريشتي =لتحركَ الألوانُ نبضَ شعاعي

فلعلَّ بارقةً تلوحُ بليله =وتضيءُ لحظةَ مولدي ونِزاعي

فألفُّ ألويةَ الشقاءِ وأَنبري=لأزجُّ في لُجَجِ الضياءِ شراعي
20-3-1999

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 06:56 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (33)




أنا بانتظاركَ يا عليُّ


في رثاء الصديق الشاعر الكبير
علي دُمَّر الذي توفي في المملكة
العربية السعودية



بيني وبينكَ يا عليُّ بَوادي =وأنا بوادٍ والسرورُ بوادِ

ودَّعتَنا ومضيتَ دونَ تمهُّلٍ =وتركتَ مُرضعَةَ الفداءِ تنادي

عدْ (يا عليُّ) إلى الديارِ فإنَّني =أمٌّ وأنتَ البَرُّ من أولادي

فعلى الضِّفافِ عرائسٌ مجلوَّةٌ =حنَّتْ لمجلسِ صفوةٍ أمجاد

أيامَ كان الحبُّ يجمعُ بينكم =والصَّحبُ من نقدٍ إلى إنشادِ

والغانياتُ الساحراتُ من الصِّبا =بين الزهورِ روائحٌ وغوادي

* * *=* * *

يا رائدَ الشعرِ الأصيلِ نظمتَه =عِقداً زهوتَ به على الرُّوادِ

كيفَ ارتضيتَ البعدَ عن عاصي الحِمى* =وهجعتَ في وادٍ بغيرِ وسادِ ؟

أوَ ما أفقتَ على النداءِ ألمْ تزلْ ؟=في وهدةِ الأحساءِ رهنَ رُقاد

قُمْ يا عليُّ أفقْ فإنَّكَ سامعٌ =صوتي بلا شكٍّ ونبضَ فؤادي

قُمْ يا عليُّ إلى المنابرِ إنَّها =تشكو من الكتَّابِ والنقَّادِ

والشعرُ يا لِلْشِّعرِ كم من شاعرٍ =هرمتْ قصائدُه بسوقِ كسادِ

هدمَ الطريفَ على التَّليدِ ولم يزلْ =للهدمِ يحملُ مِعولَ الأحقادِ

* * *=* * *

أنا يا عليُّ كما عرفتَ مضيَّعٌ =رغمَ اجتهادي للعُلى وجهادي

كم قلتَ لي أبشرْ فإنَّك شاعرٌ =وغداً تضيءُ بفكرِكَ الوقَّادِ

ولَكَمْ عتبتَ عليَّ باسمِ دُعابةٍ = فملكتَ بالعتْبِ الرقيقِ قِيادي

خذْني بعفوكَ يا عليُّ فلم يزلْ =جرحي ينزُّ أسىً بغيرِ ضمادِ

في السبعِ والخمسينَ أبحثُ جاهداً =عن كلِّ حرفٍ مشرق الأبعادِ

وأرى بياني عاجزاً ومَراشفي =ظمأى وكفِّي عُفِّرتْ برمادِ

تعبتْ على شفتي الحروفُ وأجفلتْ =كلُّ المعاني فاحتقرتُ مِدادي

أقتاتُ ألامي وأشربُ نخبَها =وأُلامُ من صحبي ومن أولادي

واللهُ شرَّفني ويعرفُ أن لي =رأياً يُخالفُ رأيَهم ويُعادي

هذي جيادُ الواهبينَ فهل ترى ؟=بينَ الجيادِ مُجلِّياً كجوادي

* * *=* * *

يا من أنرتَ ليَ الطريقَ بومضةٍ =وفرشتَهُ بالنُّصحِ والإرشادِ

أعطيتَني من لامعاتكَ فكرةً =فجعلتُ منها عُدَّتي وعَتادي

وسقيتَني من وِردِ شعركَ جُرعةً =أسكرتُ فيها موكبَ الورَّادِ

* * *=* * *

كم جئتُ بيتَك يا عليُّ مُنقِّباً =عن فكرةٍ جمحتْ بغيرِ قِيادِ

ففتحتَ لي سُبُلَ الرشادِ وكنتَ لي =شمساً تضيءُ على دروبِ رشادِ

حتى إذا ما اشتدَّ عُودي وانبرى =شعري يردُّ مكائدَ الحُسادِ

أسرعتَ للأَحسا وجرحُك نازفٌ =وتركْتَني في حَيرتي وسُهادي

ووعدتَني ألا يطولَ فراقُنا =فمتى تعودُ ؟ لقد فقدتُ جلادي

* * *=* * *

أنا بانتظاركَ يا عليُّ ألم تعد =لنطوفَ بين المُنحنى والوادي

هذي نواعيرُ الفداءِ حزينةٌ =ثَكلى تُولولُ في ثيابِ حِدادِ

فَلِمَ ارتحلتَ إلى الصحارى هارباً =وشدَدْتَ أطناباً إلى أوتادِ

وأقمتَ تحتَ الشمسِ بين رمالها =وحدوتُ هُوجَ رياحِها يا حادي

* * *=* * *

أنا يا عليُّ أسيرُ عاصيْها الذي =ما زالَ يُسْكِرُ روضَنا والنادي

عندي ملايينُ الشهودِ بأنَّني =صبٌّ صريعُ اللحنِ والإنشادِ

لا أستطيعُ البُعدَ عنها لحظةً =هي سرُّ إيماني بنصرِ بلادي

أنا يا عليُّ عرفتُ سرَّ نُواحِها =وعرفتُ ممَّن تشتكي فتنادي

ويلذُّ لي الليل السُّهادِ بروضِها =ولو اتخذتُ من الصخورِ وسادي

وأُغازلُ الآمالَ وهي جوامحٌ =وأنا الجهولُ بخبرةِ الصيادِ

أحيا بنُبلِ مقاصدي وأقلُّها =أنِّي جعلتُ من الكرامةِ زادي

* * *=* * *

أنا بانتظاركَ يا عليُّ مقيَّدٌ =بحبالِ آلامي على أعوادِ

أخشى فواتَ العمرِ قبلَ تحرُّري =من رِبقةِ الأغلالِ والأصفادِ

وأنا الذي يطوي السنينَ ترفعاً =عن كلِّ مَنقصةٍ من الميلادِ

* * *=* * *

يا مُلهمي سُوَرَ البيانِ تحيةً =من شاعرٍ رفضَ الخَنا بعِنادِ

إن كنتَ آثرتَ البعادَ عن الحِمى =فأنا أقيمُ على فراشِ قَتادِ

وأخافُ إن صدقتْ ظنوني أن أرى=ولدي يفرِّطُ في ثَرى الأجدادِ

وأخافُ نجماً كافراً مترصِّداً =يُغري بزيفِ شعاعِه أحفادي

* * *=* * *

لهفي على قومٍ تنمَّر ضدَّهم =كلبٌ يسالمُ تارةً ويُعادي

ما ضرَّنا حربٌ تطولُ وقد شكتْ =أسيافُنا من عَتمةِ الأغمادِ

* * *=* * *

قالوا: السلامَ مع الجوارِ شعارُنا =وهُمُ الغزاةُ لحرمةِ الميعادِ

كيف السلامُ مع الغزاةِ وأرضُنا =أرضُ السلامِ تنوءُ بالأوغادِ ؟

هم تاجروا بالسلمِ منذُ قيامهم =وقيامُهم ثقلٌ على الأكبادِ

ووجودُهم في الكونِ يورثُه الخَنا =فهُمُ الدُّعاةُ لنشرِ كلِّ فسادِ

قتلوا مئاتَ الأنبياءِ وأمعنوا =بالقتلِ والتدميرِ والإبعادِ

وأتوا إلى مهدِ المسيحِ طحالباً =نبتتْ على الأطماعِ والأحقادِ

ومآذنُ الأقصى تنوحُ وتشتكي =وكذا القيامةُ في دُجى الآحادِ

وتخفُّ (أمريكا) لتضمنَ عيشَهم=في القدسِ رغمَ الفسقِ والإلحادِ

* * *=* * *

يا شامُ يا حصنَ العروبةِ كبِّري = لا تركُني لمُسالمٍ ومعادي

لولاكِ ماجرتِ الحروفُ على فمي =شعراً ولا سمعَ الورى إنشادي

إني لأُومنُ أنَّ فجرَكِ قادمٌ =فتأهَّبي للنصرِ والأعيادِ

وغداً سنعرجُ للسماءِ قوافلاً =فحنينُنا أبداً إلى استشهادِ

* * *=* * *

يا شاعري هذي الحياةُ مُمِّلةٌ =وجميعُ ما يجري بها لنفادِ

مزَّقتُ أشرعتي على شُطآنِها =وسلكتُ فيها مسلكَ الزهادِ

مالتْ عليَّ فمِلتُ عنها أتَّقي =أثقالَها بتَضرُّعِ العبَّادِ

أبكي رفاقَ العُمرِ أسعى خلفَهم =وأَحِنُّ للُّقيا لفرطِ ودادي

* * *=* * *

هذا قصيدي يا عليُّ مضرَّجٌ =بدَمي فشعري في الأسى جلَّادي

لمَّا نَضوْتَ العيشَ عنكَ فجعتَني =ونكأتَ جُرحاً في صميمِ فؤادي

* * *=* * *

يا شاعري خذْني بعفوكَ إنَّني =أخشى السَّقامَ وكَثرة العوَّادِ

أخشى إذا حانتْ وفاتي أن أرى =في مأتمي أحداً بثوب حِدادِ

فاقبلْ رجائي يا عليُّ وغنِّ لي =أهلاً صديقي بعد طوْلِ بُعادِ 23-10-1992


*العاصي .. النهر الذي يشطر مدينة حماة

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 07:02 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (34)


أهونُ العقدِ



أُكتبْ سأُملي عليكَ اليومَ يا ولدي =ما كنتُ آملُه من حاضري لغدي

أُكتبْ وطرِّزْ همومي إن رأيتَ بها =ما يرهقُ النفسَ من همٍّ ومن نكدِ

فرُبَّ شاردةٍ عادتْ ضللتُ بها =وربَّ واردةٍ تزهو بمُعتقدي

أُكتبْ لعلكَ واشٍ بي إذا لمحتْ =عيناكَ فيها بروقَ السُّحبِ في بلدي

أُكتبْ فلستُ أبالي حينَ يقتلُني =ما رحتُ أُمليه من أفكاريَ الجُّدُدِ

لقد مللتُ يَراعاً مُخصِباً ألماً =تشقَّقتْ منهُ في يومِ الحصادِ يدي

واملأْ دِناني قصيداً قد أذبتُ به =عمراً تقلَّبَ بين الصبرِ والجَّلدِ

وما وهنتُ ولكنِّي شَقيتُ ولم =أَلقَ المُعينَ من الأصحابِ والولدِ

ولم أجدْ عندَ من أهوى ضِيا أَملٍ =أستغفرُ الشعرَ كم أطعمتُه كَبَدي

وكم تضوَّعَ في الأسحارِ قافيةً =عذراءَ حدَّثتِ الأنسامَ عن سَهَدِي

فأسكرتْ غانياتِ الجِّنِّ خمرتُها =لما تساقَيْنَها في حانةِ الأبدِ

ورُحْنَ يَسألنَ عمَّنْ صاغَها دُرراً =للساحراتِ ملوكَ الجنِّ بالصَّيَدِ

* * *=* * *

أُكتبْ فإن يَراعي جفَّ من زمنٍ =دماؤه انسربتْ من رأسِهِ الحَرِدِ

أُكتبْ وغنِّ مواويلي على غَيَدٍ =وأسكرِ العطرَ والأنسامَ بالغَيَدِ

أُكتبْ فإنِّي حملتُ العطرَ في كَبِدي =وبتُّ أَحبسُه عن سائرِ الجسدِ

أُكتبْ مسيرةَ أحزانٍ مررتُ بها =مرورَ مُحتَدِمٍ في جوفِ مُرتعِدِ

أُكتبْ طريدةَ آلامٍ نفذتُ بها =نُفوذَ سهمٍ شديدِ القوسِ مُنفردِ

أُكتبْ فهذي القوافي كنتُ أُشهرُها =واليومَ أَغمدها في عزمِ مُجْتهدِ

إنِّي سئمتُ عباراتٍ بَرمتُ بها =ممَّن أضلُّوا وضلُّوا باسمِ مُنتقِدِ

تسابقوا لاقتناصِ الزَّيفِ واحتكموا =لمدَّعٍ حكمُه يسري بلا سَنَدِ

فزُلزِلَ الحقُّ واهتزَّتْ دعائمُه =إذ جرَّدوهُ من الإقدامِ والعُددِ

وأدبرَ العدلُ مذعوراً تطاردُه =حبائلُ الظلمِ من حقدٍ ومن حسدِ

وراحَ يلبسُ ثوبِ الزَّيفِ فصَّلهُ =مهندسُ الزورِ والبُهتانِ في البلدِ

* * *=* * *

أُكتبْ لعلَّ زمانَ القهرِ يَحفظُني =شعراً ويُنشدُني في بيتِ مُضطهَدِ

إنِّي حلفتُ ولم أحنثْ بقافيةٍ =حمراءَ تُنْشَرُ لم تولدْ ولم تَلِدِ

لسوفَ أَكتمُ عن نفسي هواجسَها =إلا إذا جمحتْ في ساحةِ الرَّشدِ

هناكُ أقطعُ شريانَ الدُّجى فدمي =نورٌ يسيلُ على اسمِ الواحدِ الأحدِ

فإنْ وصلتُ لما أبغي كَسَبتُ رضاً =وإنْ قَضيتُ فموتي أهونُ العُقدِ

وليَعلمِ الجيلُ بعد الجيلِ أنَّ دمي =دينٌ بذمَّةِ من أنزلتُهمْ كَبِدي


7-2-1998

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 07:52 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (35)




وحيٌ من التكريم




في تكريم الأستاذ الشاعر والأديب
مدحت عكاش صاحب مجلة
الثقافة الأسبوعية


للفكرِ للأدبِ الخلَّاقِ للقلمِ =تأنَّقَ الروضُ للتكريمِ في كرمِ

وغرَّدتْ كلُّ أطيارِ الحِمى وزهتْ =عرائسُ الحورِ تدعو الليثَ للأَجمِ

عُدْ يا قَصيُّ إلى العاصي على قَدَرٍ =يا ناظمَ الدُّرِّ حنَّ العِقدُ فانتظمِ

يا صاحبَ القلمِ الخلَّاقِ في لغةٍ =تزهو ثقافتُها الغرَّاءُ في الأممِ

هبْني يراعَكَ أقنصْ كلَّ شاردةٍ =من القوافي وأُسمِعْ كلَّ ذي صَممِ

الخالداتُ قوافي الشعرِ ما حملتْ =على اليراعِ عُلوَّ النفسِ والهممِ

والباقياتُ بقاءَ الدهرِ ما صدحتْ =به الأوائلُ من فخرٍ ومن حِكَمِ

* * *=* * *

(يا مدحةَ) القلمِ العملاقِ يا علماً =على الزمانِ تحدَّى النسرَ في القممِ

فينا النبيونَ ما هزَّتْ عقيدتَهم =سفاهةُ القومِ من نِكسٍ ومنتقمِ

نمضي على سُننِ الأجدادِ يحملُنا =حُبٌّ لأروعِ منثورٍ ومُنتظَمِ

نصدُّ عنَّا غواياتٍ مضلِّلةً =ونشعلُ الحرفَ يَجلو حالكَ الظُّلمِ

تَنزَّلَ الشعرُ من أقلامِنا سُوراً =آياتُها تسحرُ الألبابَ بالكلمِ

ترقُّ حيناً وأحياناً يُسعِّرُها =لفحٌ من اللهبِ القدسيِّ كالضَّرمِ

* * *=* * *

يا صاحبَ الروضةِ الغنَّاءِ معذرةً =ما كلُّ سرٍ لدى عشقي بمُنكَتِمِ

درجتُ بالشعرِ أرويهِ وأكتبُهُ =وفي مجلَّتِكم ألفيتُ مُعْتَصَمي

ويا (أبا عاصمٍ) ما كلُّ ساجعةٍ =على الروابي تهزُّ القلبَ بالنغمِ

لكَ النديَّانِ : فكرٌ مشرقٌ ويدٌ =تشعُّ منها بروقُ المُزنِ كالدِّيَمِ

كم بائسٍ في زوايا الفكرِ مُرتهنٍ =أصابَه طلُّها فازدانَ بالقيمِ

وكم صليبٍ على أعوادِ فكرتِه = خلصتَهُ من جراحِ الصلبِ والألمِ

خذني بعفوكَ ما زالَ الهوى بدمي =يوري مجامرَ حبِّي مُذْ وقفتُ دمي

أنا الهزارُ وفيك اليومَ أُغنيتي =قلبي يذوبُ على ألحانِها بفمي

أحرقتُ دمعي على عُمْري وأحرقَني =من كنتُ أرجوهُ حصناً غيرَ مُنهدِمِ

تنكَّرَ الناسُ لي ممنْ حملتُ لهم =حبَّاً تقيَّاً نقيَّاً غيرَ مُتَّهمِ

ويشهدُ اللهُ أنِّي ما حملتُ لهم =إلا الوفاءَ فليسَ الغدرُ من شِيمي

(ويحسدوني على موتي) وأغبطُهم =على الحياةِ وأَجزي البخلَ بالكرمِ

إذا قسوتُ على قلبي شكتْ كَبِدي =وأسلماني لليلِ السُّهدِ والسَّقمِ

عندي من الحبِّ أسماهُ وأقدسهُ =لكلِّ شهمٍ أبيِّ النفسِ محتَرمِ

وأنتَ فيهم مكانَ القلبِ تمنحُهم =نبضَ الحياةِ على وردِ الهوى الشَّبمِ

وبي من الحزنِ ما لو شفَّ عنهُ دمي =عرفتَ كيف شربتُ السُّمَّ في الدَّسمِ

* * *=* * *

يا(مدحةَ) الأدبِ الخلَّاقِ يا سهراً =على الزمانِ تُمنِّي النفسَ بالحلُمِ

هذي قناديلُ من أوقدتَ شمعَهُمُ =يوماً على الصفحةِ الغرَّاءِ بالقلمِ

تضيءُ في صالةِ الحفلِ الذي انتظمتْ =فيه العقودُ على المحرابِ في الحرمِ

جاؤوا إليكَ ونارُ الشوقِ تلهبُهم =من كلِّ نَسرٍ أبيِّ الحرفِ مُلتزمِ

زها بهمْ منبرُ العاصي وشرَّفَه =أنَّ المكرَّمَ تِربُ المجدِ والكرمِ

وكنتَ متَّهماً بالهجرِ مبتعداً =عن الأحبَّةِ من صحبٍ ومن رَحِمِ

صلَّيتَ فيهم صلاةَ الحبِّ تشكرُهم =ودمعُ عينيكَ ينفي سائرَ التُّهمِ

* * *=* * *

يا (مدحةَ) العلمِ والأخلاقِ يا نَهَراً =يا دفقةَ الخصبِ من سيلِ النَّدى العرمِ

ما للنواعيرِ قد جفَّتْ مراشفُها =وغابَ عنِّي الصدى ليلاً فلم أَنمِ

كم كنتُ أروي حكاياتي لها سَحَراً =وكم شربتُ على أنغامِها نَدمي

وكم صحوتُ على شطآنِها أَرقاً =وكم غفوتُ وجفني ضاقَ بالحُلُمِ

واليومَ أمضي إلى الستينَ مجتهداً =وفي فؤاديَ جُرحٌ غيرُ مُلتئِمِ

عندي شريطٌ حصادُ الذكرياتِ بهِ =سجَّلتُه بالمُدى حيناً وبالقلمِ

في كلِّ ليلٍ له عَرضٌ يؤرِّقني =أنا البريءُ به في دورِ متهمِ

* * *=* * *

أستغفرُ الشعرَ كم أحزنتُ قافبةً =سلبتُ منها ابتسامَ الفجرِ في الظُّلمِ

عارٍ أمامَ جميعِ الناسِ يسترُني =ثوبُ الوضوحِ وهذا السترُ من قِيَمي

ما عابَني غيرُ قومٍ لاخَلاقَ لهم =لأنَّني النَّسرُ أبغي شاهقَ القممِ

يروونَ عنِّي حكاياتٍ ملفقةً =كأنَّهم وفدُ إسرائيلَ في الأُممِ

يشوقُني عبثُ الماضي وتُخجلني =حجارةُ الطفلِ تُصلي الغدرَ بالرُّجمِ

* * *=* * *

يا أمَّتي ودمُ الأطفالِ يهتفُ بي =فينحني الشعرُ إجلالاً لكلِّ كَمي

شُدِّي على يدِهم هاتي لهم حجراً =وقلِّديهمْ وسامَ المجدِ والكرمِ

هاتي يديكِ لجُرحِ العُربِ نَلأَمُه =ونَنتخي لدمِ الأطفالِ في شَمَمِ

لا تتركيني على شطَّيْكِ منشطراً =وقرِّبينيَ من بعضي على الأَجَمِ

حتى أحطِّمَ أقلاماً شكتْ وبكتْ =ويُخِرسُ الغضبُ الخلَّاقُ كلَّ فمِ

* * *=* * *

عفواً (أبا عاصمٍ) إن طافَ بي قلمي =على المواجعِ في كَشفٍ عن الهممِ

لك الخلودُ ولي في الشعرِ واحدةٌ =رتَّلتُها لكَ فاسمعْ نبضَها بدمي

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 07:55 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (36)


الحبُّ الخالدُ




ماذا أقولُ وقد أوهى الأسى كَبِدي =لا صُحبتي أنصفتْ قلبي ولا ولدي

عاشوا على هامشِ الدُّنيا يكلِّلُهم =تاجٌ من الزيفِ لا يَخفى على أحدِ

ترفَّعوا ظاهراً عن كلِّ شائنةٍ =لكنَّ باطنَهم أَرغى من الزبدِ

ترفَّعوا.. ويحَهم.. يا ليتَهم صدقوا =نفوسَهم وأراحوا كل مُنتقِدِ

سرائرٌ لو تعرَّتْ من ستائرِها =لم تَبقَ روحٌ من الأرواحِ في جسدِ

سرائرٌ لو بوسعي أنْ أبدِّلَها =إذاً لطوَّقتُ جِيدَ الكونِ بالرَّغدِ

* * *=* * *

ماذا أقول : وفي صدري أُحسُّ لظىً =ما عدتُ أَقوى على الكتمانِ والجَّلدِ

قضيتُ عمريَ أُخفي النارَ في كبدي =كأنَّني الشمسُ في حسنٍ وفي رَأدِ

رضيتُ حرمانَ نفسي في مودتِهم =أملا كؤوسهَمُ بالعطرِ والشَّهَدِ

فيا لقلبيَ كم عانى وأرهقني =إذ كنتُ بينَهُمُ كالطائرِ الغَرِدِ

أُخفي بقلبي أنيني إذْ أحدثُهم =وأحرقُ الدمعَ كي لا يدركوا كَمَدي

لا يسمعونَ سوى لحنٍ أردِّدُه =وكم سهدتُ ولا يعنيهُمُ سَهَدي

أحبُّكم رغمَ أنَّ الحبَّ أضيعُه =بمن يعيشُ بلا قلبٍ ولا رَشَدِ

* * *=* * *

جُرحي أضمِّدُه بالشعرِ من حُرَقٍ =وجرحَكم كمْ وكم ضمَّدتُه بيدي

وتدَّعونَ بأنَّ النُّصحَ رائدُكم =لا تكذبوا .. فادِّعاءُ النصحِ لم يُفِدِ

ماكنتُ غرَّاً وما كنتُم ذوي حِكَمٍ =حتى أُسفِّهَ آرائي ومعتقدي

ولستُ متَّهماً حتى يحاكمَني =غِرٌّ ويُصدرَ حكماً غيرَ ذي سَنَدِ

أَكلُّ من صانعتْهُ الحالُ حُقَّ لهُ =وكانَ أعمى اتهامَ الناسِ بالرَّمدِ

* * *=* * *

حُرِمتُ كلَّ جميلٍ في الحياةِ ولم =أظفرْ بمؤنسةٍ تختالُ في غَيَدِ

أقضي الليالي مع الآلامِ تصرعُني =وفي النهارِ يدورُ اليأسُ في خَلَدي

وتنكرونَ عليَّ الحبَّ يحملُني =لعالمٍ من صَباباتِ الخيالِ ندي

لو تدركونَ مَقالي ما بَرِمتُ بكم =ما كانَ قلبي على الأيامِ ملكَ يدي

* * *=* * *

آمنتُ بالحبِّ إيماني بخالقِه =وصنتُ نفسيَ عن حقدٍ وعن حسدِ

أحبُّكم لو جرحتُم خافقي بيدٍ =أظفارُها عُدَّتي لو مزَّقتْ جسدي

أحبُّكم لا غِنى لي عنكُمُ أبداً =ونارُكم جنَّتي لو أحرقتْ كَبِدي

أحبُّكم وأحبُّ الناسَ كلَّهم =فحبُّكم خالدٌ كالروحِ للأبدِ

فإن هجرتُكُمُ عُذراً فإنَّ لكمْ =شوقاً بقلبي كشوقِ الأمِّ للولدِ
4-12-1981

عبدالسلام زريق
01-31-2011, 07:58 PM
المصدر
ديوان رماد الهشيم
رقم القصيدة (37)



الشاعرُ النبيُّ




أهواكِ.. أهواكِ.. أهوى رفَّةَ الهُدُبِ =يا خمرةً تُسكرُ الألبابَ بالأدبِ

أهواكِ يا حلوةَ العينينِ يا ألَقاً =يجلو فؤاديَ من همٍّ ومن تعبِ

هَبي يَراعي ترانيمَ الهوى سَحَراً =بهاتفٍ منكِ تحتَ الليلِ مرتقَبِ

وعلِّليني بصوتٍ ساحرٍ غَرِدٍ =وقرِّبي الهاتفَ المشتاقَ تقتربي

ليلي وليلُك ما أحلى صفاءهما =كأنَّما أُلقيا عن كاهلِ الحقبِ

نشكو هوانا فلا الأنسامُ تسمعنا =كأنَّما حينما ننأى على قُرُبِ

كأنَّنا توأما حبٍّ وأنجبنا =روضُ الهُيام وما أحلاهُ من نَسَبِ

نعبُّ صهباءَ أحلامٍ مُعتَّقةٍ =فنُسكرُ الكونَ بالأنغامِ والطَّربِ

ونزرعُ الليلَ وجداً نجتني أملاً =نعلِّلُ النفسَ في جدٍّ وفي لَعِبِ

وبوحُ كلِّ حديثٍ بيننا عجبٌ =وأدمعُ الشوقِ تَروي الوجدَ في عَجَبِ

والهمسُ يجرحُ صفوَ الليلِ في شَغَفٍ =ويستريحُ على صافٍ من العَتَبِ

حتى إذا زارنا طيفُ الكرى سَحَراً =والليلُ يرحلُ في أثوابِه القُشُبِ

نمنا على أملِ اللُقيا يُدغدغُنا =حلمٌ شهيٌّ تقيُ القصدِ والأَربِ

* * *=* * *

حبيبتي .. يا اشتعالي في جحيمِ هوىً =ويا انطفائي على نأيٍ بلا سببِ

لا تتركيني أعاني السُّهدَ مُنفرداً =وعلِّليني بمُنهلٍّ ومُنْسكِبِ

إنِّي عشقتُكِ حيثُ الليلُ يحملُني =على بُراقٍ فإنِّي شاعرٌ ونبيْ


25-6-1985

عبدالسلام زريق
03-05-2011, 07:22 PM
قدَّمَ شاعرنا لديوانه (جراح الصميم)
بهذه الأبيات


الإهداء . . . . . . . .


إلى كلِّ من وجد نفسه في الحياة مرغماً أقول :




هذي جراحُ صميمي =سطَّرتُها في كتابي

تشفُّ عمَّا أُعاني =في هدأتي واضطرابي

خمسٌ وستون مرَّتْ =سريعةً كالسَّحابِ

وخلَّفتني وحيداً =على حدودِ السَّرابِ

أبكي عليَّ ودمعي =للموتِ يحدو رِكابي

عبدالسلام زريق
03-06-2011, 05:39 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (1)




شبحُ الزَّوالِ




رضاكِ نَسجتُ ثوباً من حروفٍ =فراحَ يَشِفُّ عن فِتنِ الجمالِ

غزلتُ سُداهُ من سهرِ الليالي =ولُحْمَتُه مِن المُتعِ الحلالِ

على الكَتفينِ طرَّزتُ الأماني =فماجَ الصَّدرُ ينعمُ بالظِّلالِ

وصُغتُ من الربيعِ عقودَ فُلٍّ =وزيَّنتُ الحواشيَ باللآلي

* * *=* * *

تعاليْ... وارتدي ثوبَ القوافي =على أنغامِ موسيقا الوصالِ

تعاليْ... واعقدي زُنَّارَ ماسٍ =على خصرِ القصيدةِ في دلالِ

تثنَّيْ واعرضي أزياءَ فنِّي =على جمهورِ شعريَ باحتفالِ

وسيريْ بين أروقةِ الأماني =وخلِّي السَّعدَ يهزأُ بالمُحالِ

* * *=* * *

لقد سطعتْ بقلبي شمسُ هَدْيٍ =غداةَ محوتُ حالكةَ الضَّلالِ

وأشرقتِ الحياةُ فكلُّ فجرٍ =يطلُّ أخافُ من شبحِ الزَّوالِ

* * *=* * *

تُراكِ عرفتِ ما أنا فيهِ حتى =خشيتِ على الحقيقةِ من خيالي ؟

أمِ اعترضَتْ سبيلَكِ مُزعجاتٌ =من الأفكارِ ما هدأتْ ببالي ؟

أمِ اخترتِ البقاءَ على اتِّصالٍ =مع الأوهامِ في عَنَتِ الجدالِ ؟

لَعَمْرُكِ ما انفصالُكِ عن حياتي =بأصعبَ من رجوعكِ لاتِّصالِ

* * *=* * *

فخلِّي عنكِ أرديَةَ التَّخفي =وعودي للظهورِ والامتثالِ

أعيديني إليَّ ولا تعودي =لعلَّ الجُرحَ يأذنُ باندِمالِ

ولا تأْسَيْ إذا انطفأتْ يميني =فشمسُ الحقِّ تشرقُ من شمالي

* * *=* * *

لقد ضيَّعتِ عمركِ في الصَّحارى =وضعتِ مع الجواهرِ في الرِّمالِ

فلا تتشاغلي عنِّي فإنِّي =عزمتُ على اللقاءِ بلا انشغالِ

لعلَّ اللهَ يجمعُنا قريباً =بفيضٍ منْ دعائكِ وابتهالي

* * *=* * *

فهيَّا .. ننطلقْ لسماءِ صفوٍ =نعدُّ نجومَها تحت الليالي

لقد عتَّقْتُ خمركِ في عروقي =وأسكرتُ العرائشَ والدَّوالي

وهامَ بكِ الفؤادُ وعُدْتِ أهلاً =لِما عانيتُ من قيلٍ وقالِ

فجُبتُ فضاءَ روحيَ في تَحدٍّ =لأسقطَ من حسابيَ سوءَ حالي

وأقطفُ من نجومِ السعدِ نوراً =ولكنِّي رجعتُ بلا سِلالِ

* * *=* * *

فيا نفساً تعافينَ الدَّنايا =زمانُكِ هابطٌ وهواكِ عالِ

ألا تَعساً لمن يحيا بنفسٍ =يحطِّمُ عزَّها ذلُّ السؤالِ

ويا نفساً تتوقُ إلى المعالي =عُلاكِ بما حملْتِ من الخصالِ

لقد فسدَ الزَّمانُ فكلُّ فردٍ =بعالمنا يسيرُ إلى انحلالِ

فلا تأسَيْ على ما فاتَ إنِّي =أقدِّسُ فيكِ جوعكِ للنِّزالِ

أقدَِّسُ فيكِ صبركِ في الدَّواهي =وأُكبرُ فيكِ عزَّكِ دونَ مالِ

فكمْ أَلْقيْتِني في مُهْلكاتٍ =وكم خلَّصْتِني من كلِّ غالِ

وكمْ راودتِني فعَصيْتُ جَهراً =وحين زَجَرتِني بدأَ اشتعالي

فلا تَدعيْ صفاءَكِ تعتريهِ =شوائبُ من نزوعِكِ لانعزالِ

فأنتِ .. أنا .. ونحنُ على اتِّصالٍ =وأنتِ سوايَ في زمنِ انفصالي


27-7-1999

عبدالسلام زريق
03-06-2011, 08:49 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (2)




أَوْقِفي النَّزْفَ




بين نارِ الأسى وشوكِ اغترابي =أكتبُ الشِّعرَ تحتَ وَقْعِ الحرابِ

أكتبُ الشعر !! فاهدئي يا جِراحي =أوقفي النزفَ من عروقِ الرِّغابِ

صوَّحَ العمرُ واستبدَّتْ همومي =ونما اليأسُ بعد موتِ الشَّبابِ

يا جراحاً تبوَّأَتْ عرشَ قلبي =واستدارتْ تُحيطهُ بالتهابِ

أوقفي النزفَ .. أوقفيهِ وإلَّا =أُعلنُ الآنَ منكِ بدءَ انسحابي

* * * = * * *

أنا فردٌ من عالَمٍ مُسْتَباحٍ =أرهقوهُ بالرَّكضِ خلفَ السَّرابِ

حَجَبوني عن عالمي بدُخانٍ =كثَّفوهُ فوق الذُّرى والشِّعابِ

جرَّحوني في السِّرِّ قولاً وفعلاً =زرعوا الشكَّ في أُصولِ انتسابي

نسبي للأصيلِ من كلِّ فنٍّ =أَزحمُ الشُّهبَ هازئاً بالضَّبابِ

يعبقُ الطِّيْبُ كلَّما سالَ جرحٌ =وتغني الدماءُ رغمَ اكتِئابي

وغداً تسألُ الحدائقُ عنِّي =والعصافيرُ والطِّلا والخوابي

والمعاني والمفرداتُ العَذارى =والأغاني وعازفاتُ الرَّبابِ

والغواني وكلُّ أهلي وصَحبي =وحبيبٌ أتقنتُ فيهِ عذابي

عندها يشمخُ التُّرابُ ويصحو =مِهرجانُ الضِّياءِ فوقَ ترابي

ويغنِّي الوجودَ يأسي بصوتٍ =يوقظُ الحسَّ في النُّفوسِ الخرابِ

* * * = * * *

فاهدئي يا جراحُ ..لا..لا تثوري =وامنحيني الأمانَ بعدَ ارتيابي

أنا من عالمِ الضِّياءِ طريدٌ =والليالي مسعورةٌ كالكلابِ

علِّميني كتابةَ الصمتِ حرفاً =نابضَ الفكرِ في سطورِ كتابي

إنَّ في أحرفي سُكوناً مَقيتاً =مُستهيناً برِعشتي واضطرابي

* * * = * * *

يا جراحي برغمِ ما نِلتِ منِّي =لا تَبيتي على الطَّوى في غِيابي

جرِّبي النَّيلَ من سوايَ قليلاً =ثمَّ عودي وأَنعمي بالثَّوابِ

قد تعلَّمتُ كيف أقتلُ نفسي =وتعلَّمتُ كيفَ أَلقى حسابي

صولجانُ القريضِ مُلْكُ يمني =ويساري مرفوعةٌ للضِّرابِ

* * * = * * *

رُبَّ مستنكرٍ وُعورةَ دربي =واقتحامي جوَّ الأسى والصِّعابِ

راحَ يُغري بيَ الذئابَ ويعوي =بَيْدَ أنِّي رجمتُه بشهابِ

فهوى مولَعاً بنهشِ حذائي =وبه السُّمُّ مودَعٌ للذئابِ

فاستعيذي باللهِ من هولِ ما بي =من تحدٍّ على الطَّريقِ الصَّوابِ

واحملي سُورةَ الحديدِ حِجاباً =لا تخافي من مُنذِرٍ بالعقابِ



5-8-1999

عبدالسلام زريق
03-07-2011, 05:39 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (3)




سُوَيعاتُ الوِصالِ




ألقُ المشيبِ وبسمةُ الأقدارِ =قَلَبا دُجى ليلي لشمسِ نهارِ

ما كنتُ أحسبُ وصلَها مُتوقَّعاً =حتى طويتُ يمينَها بيساري

وغدتْ يَميني طوقَ خَصرٍ ناحلٍ =كالمِعصَمِ المحبوسِ ضِمْنَ سِوارِ

* * * = * * *

ومضتْ تشدُّ على يدي بيسارها =ثم انثنتْ عنِّي لحلِّ إزارِ

فخلعتُ أوهامي بخفَّةِ سارقٍ =ورميتُها في البحرِ للإعصارِ

وتعلَّقتْ بي كالغريقِ وقد رأى =غُصْناً يخلِّصُه من التَّيارِ

* * * = * * *

كَهْرَبْتُها باللَّثمِ حين توسدتْ =زَندي فشبَّ أُورُاها وأُواري

وبدأتُ أقطفُ من جِنانِ وصالِها =أحلى الكلامِ وأجملَ الأفكارِ

وتقولُ مَتِّعني بوصلِكَ إنَّهُ =وِزرٌ فحمِّلني لَظى أَوزاري

واحملْ معي ما لا أطيقُ فإنَّني =أطعمْتُ عُمْراً مُقفراً للنارِ

ودفنتُ أفكاري القديمة عندما =وافيتَني بالحبِّ والإيثارِ

ولقد بَرئتُ من الدُّموعِ وضَجَّ بي =حبُّ الحياةِ وغرَّدتْ أَطياري

وتفتَّحتْ أزهارُ عمريَ بعدما =أغفتْ على أغصانِها أزراري

فاجْنِ المواسمَ من خريفِ عواطفي =وامنُنْ عليَّ بساعةٍ مِدرارِ

فلربَّما عادَ الربيعُ وأورقتْ =مُتَعُ الحياةِ بنفحِها المِعطارِ

* * * = * * *

ومضتْ سُويعاتُ اللقاءِ كأنَّها =حُلُمٌ سرى في غفلةِ الأقدارِ

حتى غدونا شمعتينِ بلا لظىً =غَربَ الدخانُ وأشرقتْ أنواري

* * * = * * *

يا نفسُ حسبُكِ أنتِ أصلُ تعاستي =وسعادتي رهنٌ بفكِّ إساري

وصحوتُ أحتضنُ السَّرابَ وأحتسي =كأساً مزجتُ ثباتَها بفراري
29-8-1999

عبدالسلام زريق
03-07-2011, 07:44 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (4)



أقداحُ السُّم




ثَقُلَتْ عليَّ وما انحنيتُ هُمومي =ومَضيتُ أغرسُ في الظَّلامِ كُرومي

فنما الصباحُ على أديمِ قصائدي =لمَّا رويتُ جذورَها بحميمي

ما لاحَ فجرُ الأمنياتِ ببسمةٍ=إلا لمحتُ مع الضِّياءِ همومي

وشربتُ أقداحَ السُّموم ولم أزلْ =أغتالُ زهرَ مواسمي بسمومي

* * * = * * *

قدرٌ أُعاني منهُ منذُ ترمَّدتْ =ذرَّاتُ روحي فوقَ نارِ جحيمي

صُورٌ تلوحُ وتَختفي وكأنَّها =أشباحُ جِنٍّ فُوجئتْ بِرجومِ

وأنا بساحِ عزيفِها مُتوثِّبٌ =أبداً أُصاولها لصدِّ هجومِ

تَزْوَرُّ بيْ قيمُ الحياةِ عن الخَنا =فأضمُّ أجنحتي أصونُ كُلومي

وأعودُ أبحثُ في دروبِ مواجعي =عن نبضِ جُرحٍ في صميمِ وُجومي

وكأنَّني وقْفٌ لغاشيةِ الأسى =النورُ خصمي والظَّلام نَديمي

* * * = * * *

ويقولُ مَنْ حَولي كفاكَ تعلُّقاً =بالموجعاتِ وطُفْ بدارِ نعيمِ

أومَا تعبتَ من العِراكِ مع اللَّظى =حتى وصلتَ صُراخَهُ * برَميمِ *

وجمعتَ أصداءَ النداءِ قصائداً =حَيرى تضمَّنَها رمادُ هشيمِ *

* * * = * * *

طُفْ في الرِّياضِ مع الصَّباحِ مُغرِّداً =وانصُب شراكَكَ لاقتناصِ نُجومِ

فأجبتُ والآلامُ تُزهرُ في دمي =شوكاً يعمِّقُ وَخزَهُ بصميمي

أنا لستُ وحدي بالشقاءِ مُحاصراً =كلَّا .. سَلوا في النازلاتِ غريمي

فهناكَ من يَشقى ويكتمُ أمرَه =يخشى شماتةَ جاهلٍ ولئيمِ

بَخِلَ الزَّمانُ بطيبِه وطبيبهِ =فسوادُ هذا الكون غيرُ كريمِ

تَخِمَتْ كلابُ الجاهلينَ ولم يزلْ =بالقوتِ يحلمُ مُبدعٌ لعلومِ

وسَلوا ملايينَ الظِّباءِ بعالمٍ =تجتاحُ جنتَهُ رياحُ سَمومِ

ثُمَّ ارجعوا لقصائدي وتَرسَّموا =دَرباً وصلتُ يباسَها بغُيومي

واستنطِقوا قلمي بلومٍ جارحٍ =وتَرقَّبوا " عفواً " جوابَ مَلومِ


25-8-1999


* صراخ الجيم
* نداء الرميم
* رماد الهشيم ... دواوين الشاعر

عبدالسلام زريق
03-07-2011, 07:48 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (5)




ضِيَاءُ الشَّوقِ




غسلتُ بالدَّمعِ آلامي وأحزاني =ورحتُ أعزفُ رُغمَ الشَّيبِ ألحاني

لأجلِ عينيكِ يا لحناً سرى بدمي =يجدِّدُ العُمْرَ قد جدَّدتُ إيماني

لأجلِ عينيكِ أخشى أنْ تُفارقني =رُوحي ويخمُدَ قبلَ الوصلِ بُركاني

* * * = * * *

وحقِّ عينيكِ لم ألمحْ بغيرِها =حبَّاً كحبِّكِ يَجلو ليلَ حرماني

فهل أرى بسوى عينيكِ برقَ هوىً =يجلو شقائيْ ويمحو سِفرَ أشجاني ؟

وأنتِ من حملتْ حبِّي تُقدِّسُهُ =وتكتوي مُذْ أحبَّتْني بنيرانِ

وهل تصوَّرتِ يوماً أن أعيشَ بلا =سماعِ صوتِكِ يَدعوني ويَنهاني ؟

إذا تخيَّلتِ أن أهوى سواكِ خُذي =قلبي ..سليهِ.. لمنْ شوقيْ وتَحناني ؟

من التي أيقظتْ فيهِ صبابتَهُ ؟ =سَلي عُيونيَ مَنْ باتتْ بأَجفاني

أحيا غريباً إذا ما غِبتِ عن نظري =فضوءُ عينيكِ يا عينيَّ عُنواني

* * * = * * *

لا يا حبيبةُ .. لا يا حُلوتي فأنا =بنارِ حبِّكِ قد أحرقتُ شيطاني

فلا تَغيبي إذا لَمْلَمْتُ أمتعتي =غداً لأوغِلَ في صمتي وأحزاني

لا تتركيني على أشواكِ ذاكرتي =وتُمْعِني باعتذاراتٍ ونِسيانِ

* * * = * * *

حبيبتي .. يا صلاةَ الحرفِ في سُوَري =إذا تلوتُ على السُّمارِ قُرآني

موجٌ بعينيكِ ما ينفكُّ يجذبُني =عبرَ المحيطِ إلى غاباتِ مَرجانِ

هناكَ أسلكُ تيَّارَ الهوى قلقاً =أُلَمْلِمُ الدُّرَّ أحميهِ بسُلطاني

أحنو عليهِ كما الأصداف أحفظُه =ليستقرَّ قريراً بينَ أحضاني

فلا تخافي النَّوى يا حلوتي فأنا =مهما بَعُدْتُ ضياء الشوقِ يَغشاني


10-8-1999

عبدالسلام زريق
03-07-2011, 09:31 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (6)




قَـدْحُ الزِّنـادْ



أبداً يحنُّ لكِ الفؤادْ =فإلامَ هجركِ والبعادْ ؟

أهواكِ نوراً في دمي =يجتاحُ حالكةَ السوادْ

أهواكِ حُلْماً يانعاً =يغريْ جُفونيَ بالرُّقادْ

أهواكِ رعشةَ بُلبلٍ =يشدو على فَنَنِ الودادْ

أهواكِ بوحَ قصيدةٍ =سَكِرَتْ بأنفاسِ المِدادْ

*** = ***

يا مَنْ ملكتِ مشاعري =برضاكِ طوراً والعنادْ

برضاكِ أغرقُ بالشَّذا=بجفاكِ أسبحُ في السُّهادْ

في مقلتيكِ أرى الحيا = ةَ جميلةً وأرى العبادْ

وبراحتيكِ أحسُّ دفْ = ءَ الأمنياتِ إليَّ عادْ

*** = ***

غجريةَ الخُصُلاتِ نا = رُ الوجدِ تُمعنُ في اتِّقادْ

مجنونةَ النظراتِ حبُّـ = ـكِ كالجحيمِ بلا رمادْ

معسولةَ الشفتينِ شو = قكِ جامحٌ لا يُستقادْ

إنِّي أضعتُ بكِ الرَّشا = دَ فهل أضعتِ بيَ الرَّشادْ ؟

شوقي ينازعُني الرُّقا = دَ مع القريضِ فلا أكادْ

أغفو ليوقظَ أحرفي النَّشـ = ـوى خيالكِ لا أكادْ

أوَ تعجبينَ إذا بعُدْ = تِ فهِمتُ أَضربُ في البلادْ

لا تَعجبي من شاعرٍ =بدماهُ يحترقُ المرادْ

*** = ***

يا حُلوتي..لا تحزني =هذي الحياةُ إلى نفادْ

نمضي ويَبقى عطرُنا =في كلِّ رابيةٍ ووادْ

فالعمرُ ساعةُ مُتعةٍ =بالوصلِ تَقدحُ كالزِّنادْ



3-9-1999

عبدالسلام زريق
03-08-2011, 05:12 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (7)




وَحْـدي




وحدي أعيشُ مع الظَّلامِ حياتي =اليأسُ يقتلُني ولومُ عُداتي

وحدي بصومعتِي كأنِّي راهبٌ =أتلو على سَمْعِ الرَّدى صلواتي

وحدي بلا حبٍّ يُغازلُ أَنمُلي =لتظلَّ في سِفْرِ الهوى بَصماتي

وحدي على مُهَجِ السُّطور كأنَّني =طفلٌ يبعثرُ أحرفَ الكلماتِ

أَحسو طِلا الأوهامِ من كَبِدِ المُنى =صاباً وأقطعُ بالوجودِ صِلاتي

وأظلُّ ما بيني وبينَ هواجسي =في اللاشعورِ أهيمُ في نَزَعاتي

* * * = * * *

أنا بعضُ أفكارٍ تدورُ وأحرفٍ =حَيْرى تفتِّشُ كلُّها عن ذاتي

غذَّيْتُ بالفجرِ القتيلِ ظلامَها =فنَمتْ ونوَّر زهرُها مأساتي

فإذا بآمالي تعيشُ قصائداً =تقتاتُ من سَهَري ومن آهاتي

تنسابُ في خَلَدِ الخُلودِ كأنَّها =راحٌ يمازجُها ندى الصَّبواتِ

سكرتْ بها رُوحي وخفَّفَ ظِلَّها =سُكْري فشفَّتْ عن عظيمِ صفاتي

* * * = * * *

وحدي تلازمُني ظلالُ كآبتي =أنَّى ذهبتُ تجمَّدتْ خُطُواتي

فأفِرُّ من وهمي لأشهدَ واقعاً =بالنَّارِ تعجِنُهُ يدُ الشَّهواتِ

الناسُ مَوتى لا ضميرَ يهزُّهمْ =ذَبحوا ضمائرَهمْ على العَتَباتِ

والناسُ حمقى فيهِ يأكلُ بعضُهم =بعضاً ليَحظى قاتلٌ بفُتاتِ

يَتساومونَ على الحياةِ كأنَّها =سَقَطُ المتاعِ يُباعُ في الطُّرقاتِ

فأعودُ للوهمِ الذي ربَّيْتُهُ =مُذْ كنتُ طفلاً ميِّتَ البَسماتِ

وأهيمُ في الاشيء أبحثُ جاهداً =عن وِرْدِ نفسي عن مدى صَرَخاتي

* * * = * * *

وحدي ويخرسُ في ضميريَ هاتفٌ =للحبِّ أُغرقُهُ بعُمقِ شكاتي

فيُجيبني رَجْعُ الصُّراخِ مجرِّحاً =ستظلُّ وحدكَ في يدِ الظُّلماتِ



1-3-1976

عبدالسلام زريق
03-08-2011, 06:40 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (8)



مَذْهَبي في الحُبِّ





صدِّقيني سأُجاوبْ =لستُ فيما قلتُ لاعبْ

رُغمَ أنفِ الدهرِ يَكويـ = ـني بنيرانِ المصائبْ

سأجاوبْ سأجاوبْ =فاكتُبي لي سأجاوبْ

* * * = * * *

جئتُ للدُّنيا شقياً =صرتُ حقلاً للتَّجاربْ

كلما يَهوي شهابٌ =من رصيدِ العُمْرِ ثاقبْ

يطحنُ الدَّهرُ شبابي =بين أضراسِ النَّوائبْ

* * * = * * *

في سراديبِ ضياعي =أَنتضي السَّيفَ أُحاربْ

أقتفي كلَّ ضميرٍ =من صدورِ الناسِ هاربْ

أطلبُ الثَّأرَ ولكنْ =بعدها أرتدُّ خائبْ

* * * = * * *

أيُّها الليلُ تقدَّمْ =إنَّ وجهَ الشمسِ شاحبْ

أَلبِسِ الكونَ مُسوحاً =أصبحَ الناسُ ثعالبْ

يعبدونَ المالَ ربَّاً =وأنا يا ليلُ راهبْ

* * * = * * *

أحرَقَ السُّهدُ شبابي =وضميرُ السَّعدِ غائبْ

كلَّما أفرغتُ كأسَ العيـ = ـشِ من سُمِّ العقاربْ

يملأُ الدهرُ دِناني =بالمآسي والمصاعبْ

* * * = * * *

رغمَ يأسي من جِراحي =رغمَ آلافِ المتاعبْ

كلُّ إيماني بربِّي =لا أُحابي لا أُعاتبْ

أمرُهُ كُنْ في كتابٍ =مُحْكَمِ التَّنزيلِ غالبْ

* * * = * * *

يا ثناءً في فؤادٍ =مؤمنٍ باللهِ تائبْ

يعشقُ الرُّوحَ ويَرقى =بالهوى أعلى المراتبْ

مَذْهَبٌ في الحبِّ أرْ = ضاهُ وللناسِ مَذاهبْ

17-6-1977

عبدالسلام زريق
03-08-2011, 08:44 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (9)





لا تُنْكرينِي



أُلقيت بمناسبةِ عيدِ المعلِّم العربيِّ
في المِهرجان المركزي بدمشق
عام 1987




قُصِّيَّ عليَّ حديثَ الحبِّ والتهِبي =وعلِّليني بصافٍ منْ دمِ العِنَبِ

قُصِّي عليَّ حديثاً لستُ أجهلُهُ =لقَّنتُهُ لصغاري في خُشوعِ نبي

فكم تَلوتُ على أسماعِهمْ سُوراً =وكم طبعتُ على أفكارهِمْ كُتُبي ؟!

قُصِّي عليَّ وخلِّي العتبَ واتَّئدي =لا تُكثري اللَّومَ ما للحبِّ منْ سببِ

حملتُ في القلبِ سرَّاً كادَ يفضحُهُ =لولا بقية تَهطالٍ من السُّحُبِ

وجئتُ لاجَعْبتي مَلأى ولا قلمي =ولا لساني يصبُّ الشَّهدَ في خُطبي

أنا المعلمُ لا حالي بخافيةٍ =على الزمانِ ولا سِرِّي بمُحتجِبِ

أعيشُ في عتماتِ اللَّيلِ يقتلُني =من راحَ يرفُلُ في أثوابِهِ القُشُبِ

لولا المعلمُ لم يظفرْ ببارقةٍ =ولمْ يَفُزْ بوسامِ المجدِ والرُّتَبِ

نقشتُ في الشمسِ آياتٍ أنَرْتُ بها =دنيا الطفولةِ في جِدٍّ وفي لَعِبِ

وسرْتُ في موكبِ الأجيالِ أحفزُها =كيما تجدَّ إلى العلياءِ بالطَّلبِ

حتى رأيتُ صغارَ الأمسِ كوكبةً =فرسانَ ملحمةٍ في عارمٍ لَجِبِ

هذا يجولُ بساحِ الطِّبِّ مِبْضَعُهُ =وذاكَ في حومةِ الجلَّى أَغرُّ أَبي

مَهَرتُ كلَّ شهاداتِ العُلى بدمي =فأَيْنَعتْ بثمارِ العلمِ والأدبِ

* * * = * * *

لا تُنكريني بلادي أنتِ في كَبِدي =بردٌ وأنتِ لعينيْ رفَّةُ الهُدُبِ

غنَّيتُ باسمكِ آياتِ القريضِ ولم =أبخلْ بمنسجمِ منها ومُضطربِ

لَئِنْ تَهدَّجَ صوتي في تلاوتِها =حقِّي عليكِ فكمْ أعطيتُ لم تَهبي

حقِّي عليكِ إذا أنشدتُ قافيةً =وبلبلُ الدَّوحِ لم يسمعُ ولم يُجِبِ

* * * = * * *

أنا النَّدى والهُدى في خافقي ويدي =أنا مطيَّةُ قومي للعُلى فثِبي

لا أسأمُ العيشَ مهما ضاقَ بي وطني =ولستُ أُنْكِرُ لو جارَ الحِمى نَسبي

أمِّي الشَّآمُ وأهلي العُرْبُ قاطبةً =وكلُّ حرٍّ على دربِ النِّضالِ أبي

* * * = * * *

لا تُنكريني إذا حمَّلتُ أَمتعتي =على يَراعي ولم أَحضرْ ولم أَغِبِ

فما غِنائي سوى حُبِّي وعاطفتي =وأدمعي وفؤادٍ مُشفقٍ حَدِبِ

لا تُنكريني فما تنفكُّ في كَبِدي =نارٌ تضيءُ لياليْ الهمِّ والنَّصبِ

أَتبخلينَ على حرٍّ يغالبُهُ =جَورُ الزمانِ ولا يَقوى على الغَلَبِ

* * * = * * *

عفواً نجيَّ همومي إنْ بكيتُ أسىً =وجاءَ شِعريَ بُركاناً من الغضبِ

أحرقتُ دمعةَ أحزاني على كبدي =فاعجبْ لإحراقِ دمعي أيَّما عَجَبِ

وليسَ مِنْ مُحرقٍ دمعاً بلا سببٍ =لكنَّني لم أزلْ أحنو على السَّببِ

واليومَ أُشفقُ من دمعي على كبدي =حَسْبُ الدُّموعِ فقد أوفتْ على العطبِ

* * * = * * *

لا تُنكريني أنا الرَّوضُ الذي رتعتْ =فيه الظِّباءُ وغنَّى الطَّيرُ من طَربِ

قد خابَ سعيُ العِدا للنيلِ من أدبي =لكنَّني في قِراعِ الغدْرِ لم أَخِبِ

أَشُقُّ صَدرَ ظلامِ الكونِ عن وَهَجٍ =كماردٍ من ملوكِ الجِّنِّ مُنتصِبِ

مداهنونَ لهم في كلِّ مُفْتَرَقٍ =وكرٌ تسوَّرَ بالبُهتانِ والشَّغبِ

إنِّي خلعتُ وقاري واستعرتُ لهم =وجهاً تساءلَ عنهُ الناسُ من قُرُبِ

فلا يَغُرَّنْكَ رأسٌ خلفهُ ذَنبٌ =جِحْرٌ الصِّلالِ يلُفُّ الرَّأسَ بالذَّنبِ

* * * = * * *

أفدي التي ألهبتْ رُوحي سلافتُها =فأسْكَرتني بخمرِ الحُسنِ والأدبِ

عذراءُ لمَّا تَزَلْ في ثوبِ عفَّتِها =لم تغفُ يوماً على الأرزاءِ والنُّوبِ

تشدو النواعيرُ في أحيائها طَرباً =تُسَلْسِلُ الماءَ للجناتِ كالضَّرَبِ

أحببتُها وبودِّي أنْ أموتَ بها =وتلكَ أُمنيَّتي بل مُنتهى أَربي

فالعيشُ مهما صفا في غيرِ ساحتِها =لو كانَ في جنَّةِ الفردوس لم يَطِبِ

* * * = * * *

آذارُ يا عيدنا الغالي وثورتَنا = يا فجرَ مجدٍ على التَّاريخِ والحِقبِ

أَدِرْ على العُرْبِ أكواباً مُعتَّقةً =من خمرةِ الحبِّ لا من خمرةِ العِنَبِ

واحرقْ بخورَ الأماني في مجامرِنا =النصرُ للحقِّ والإيمانِ والعَرَبِ
15-3-1987

عبدالسلام زريق
03-09-2011, 06:59 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (10)



تَوَسَّدْ رِمالَ البيْدِ


في رثاء الصديق الشاعر
الكبير علي دُمَّر





توسَّدْ رمالَ البيدِ يا عاشقَ القممْ =ودعني حليفَ الخوفِ والسُّهدِ والسَّقمْ

وأَلْهِمْ يَراعي أنْ يسيرَ على هُدىً =فإنْ ضلَّ صالَ الذِّئبُ واسْتَنْسَرَ الرَّخمْ

ففي خافقي جرحانِ .. جرحٌ أُحبُّه =وأَنكؤُهُ إمَّا تَماثلَ والتَأمْ

وجرحٌ أُداريهِ وأخشى نزيفَه =وينزفُ محموماً فيصرعُني الألمْ

فأحسو دمائي جرعةً بعدَ جرعةٍ =وأغفو على بَرْدٍ وأصحو على ضَرَمْ

وأُبصرُ أَشطانَ الفناءِ تشدُّني =فأَزورُّ عن قبري وأَستبطئُ القدمْ

وأَنظرُ حولي لا أراكَ فأَنثني =أحثُّ الخُطى للموتِ أَهزأُ بالهَرَمْ

ألمْ تكُ خِلِّي يا عليُّ وصاحبي =ونبعَ طُموحي واعتزازي ألمْ .. ألمْ ؟

* * * = * * *

فكيفَ تركتَ الأهلَ والصَّحبَ والحِمى =وكيف هجرتَ الحبَّ والشِّعرَ والنَّغمْ ؟

أما كنتَ تتلو الشِّعرَ لحناً مُوقَّعاً =فأسكرُ إبداعاً وأقتاتُ من حِكَمْ

وأسمو إلى سَمْتِ النجومِ وأرتقي =بمجهولةِ* الأحلامِ من هُوَّةِ السَّأمْ

وأغرقُ في بحرِ الحنينِ* مُقيَّداً =بغيبوبةٍ* يَهوى الجمالُ بها الصَّنمْ

فأستنجدُ الإشراقَ* وَهْناً كأنَّني =غُروبٌ بأُفْقِ الكونِ يغتالني العَدمْ

وتسري بيَ الرِّعشاتُ* بعد عواصفٍ* =من الثورةِ الحمراءِ تقذفُ بالحِممْ

فأخلو بنفسي أُدمنُ الدمعَ أَحتسي =كؤوسَ اغترابٍ واصلاً بعضَ ما انصرمْ

* * * = * * *

أَتذكرُ كمْ هِمنا على شاطئِ الحِمى =بليلٍ ربيعيِّ النُّسيماتِ لم نَنَمْ

أتذكرُ كمْ أغرى الطيورَ غناؤنا =فصلَّى لنا غصنٌ وسبَّحتِ الأَجَمْ

يطوفُ بنا العُشَّاقُ في كلِّ محفلٍ =طوافَ المُلبِّي يغسلُ الرُّوحَ بالنَّدمْ

وأنتَ تصبُّ الرَّاحَ صِرفاً بجامنا =ونحنُ نعبُّ الشعرَ كالراحِ في شَمَمْ

* * * = * * *

وفي حِضنِ بابِ النهرِ* لمَّا تلبَّدتْ =سماءُ الحِمى والأُفْقُ أظلمَ وادلَهَمْ

فقلتَ دعوني للأعاصيرِ إنَّني =أحبُّ هَزيمَ الرَّعدِ والبرقَ في الظُّلَمْ

أحبُّ شتاءً في بلادي هجرتُهُ =فشوقُ فؤادي للشِّتاءِ قد اضطرمْ

* * * = * * *

أتذكرُ هذا يا عليُّ ولحظةً =تعرَّيتَ فيها تحتَ ساريةِ العلمْ

وغِبْتَ بماءِ النهرِ وارتاعَ خافقي =وصِحتُ " عليٌّ " قلتَ في نشوةٍ نَعَمْ

أتذكرُ عهداً يا عليُّ قطعتَهُ =ودمعُكَ من حرِّ الوداعِ قد انسجمْ ؟

وأقسمتَ ألا تهجرَ الأهلَ والحِمى =فهلْ كُنتَ بَرَّاً يا عليُّ بذا القسَمْ

* * * = * * *

حبيبي . أخي . خِدْني . ملاذي . ومَوئلي =أَتمضي وجوماً ؟ ويحَ شعريَ إنْ وَجَمْ

أَجِبني لقد بُحَّ النداءُ وأنكرتْ =صداهُ القبورُ النائياتُ عن الحَرَمْ

أَجِبني .. أَجِبني يا عليُّ فإنَّما =ندائيْ دميْ ينسابُ من مُقلةِ القلمْ

لعلَّ جواباً منكَ يوقفُ نزفَهُ =فترحلُ آلامي وتنكشفُ الغممْ

لعلِّي إذا ناديتُ باسمكَ هاتفاً =بأروقةِ التاريخِ تسمعُني الأُممْ

أَأُصبحُ في العاصي وتُمسي بِبَلدةٍ =غريباً وحيداً لا أنيسَ سوى الرِّمَمْ ؟

وتُدْفنُ في (الأَحسا) وقبرُكَ دارسٌ =وقبرُ دعيٍّ يسكنُ الحيَّ في عصمْ ؟

أما كنتَ فينا يا عليُّ مُجَلِّياً =ونوراً سماوياً وناراً على عَلَمْ

فكيفَ عشقتَ الأرضَ والأفقُ واسعٌ =وكيفَ ضممتَ الجانحينِ على الحَدَمْ

وهل كُنتَ إلا الطَّائرَ الغَرِدَ الذي =تغنَّى بأمجادِ العروبةِ والهممْ

فهزَّ عروشَ الظُّلمِ بالحرفِ ناطقاً =وأسمعَ بالصَّمتِ المخضَّبِ ذا صَمَمْ

ونادى على الأحرارِ هيَّا إلى الوغى =فأسرعَ جيشُ الحقِّ للسَّاحِ والتحَمْ

وأوقدَ شمسَ الشِّعرِ حتى تضرَّمتْ =تضيءُ دروبَ الصاعدينَ إلى القِممْ

وجرَّدَ سيفاً بالقوافي مرصَّعاً =فزيَّنَ جُدرانَ المقاصيرِ والخِيمْ

وأصدرَ حُكمَ الشعرِ فيمن تطفَّلوا=فكانَ إمامَ الحقِّ والعدلِ ما ظلَمْ

وأَودى بهمْ في مَهْمَهٍ من ضلالِهمْ =فبوركَ من حُكْمٍ وبوركَ من حَكَمْ

فما بالها الأقدارُ تُدمي قلوبَنا =وتُخرسُ صدَّاحاً وتُنطقُ مَنْ بَغَمْ

* * * = * * *

تَوسَّدْ رمالَ البيدِ يا خيرَ راحلٍ =عن الدارِ واتركْنا لحوماً على وَضَمْ

سيسألُ عنكَ الدمعُ في كلِّ مجلسٍ =فأعينُنا تَهمي وأدمعُنا عَنَمْ

وما غِبتَ عنَّا يا " عليُّ " للحظةٍ =فإنَّكَ في نبضِ القلوبِ ندىً ودَمْ

نراكَ بأبياتِ القريضِ تغزُّلاً =مُحبَّاً..بريئاً..طاهرَ القلبِ..مُتَّهمْ

أبيَّاً..كريماً..حازمَ الرأيِ..صادقاً =أميناً إذا استُودِعْتَ سرَّاً فكَمْ .. وكَمْ

شقيَّاً بأعباءِ الحياةِ وثائراً =وفيَّاً فلم تَخْفِرْ عُهوداً ولا ذِمَمْ

رضعتَ لبانَ الحبِّ والشِّعرِ والندى =فكنتَ كريمَ الأصلِ والشعرِ والشِّيَمْ

* * * = * * *

توسَّدْ رمالَ البيدِ واغفِرْ جنوحَنا فنحنُ هروبٌ من مُحالٍ إلى عَدَمْ

نُذيبُ شموعَ العمرِ في مولدِ الهوى =ونصهرُ شريانَ الحياةِ على القِيَمْ

ونلْبَسُ ثوبَ الزُّهدِ في العيشِ تارةً =ونُبكي ضميرَ السَّعدِ أُخرى إذا ابتسمْ

ونعشقُ لو يدرونَ قلباً محطَّماً =ونَفنى لإسعادِ الحبيبِ ونُتّهمْ

ولولا قليلٌ من حبيبٍ يشدُّني =لقلتُ : حبيبي في التَّواصلِ كالصَّنمْ

يحبُّ بلا قلبٍ ويَحكي بلا فمٍ =ويرنو بلا عينٍ ويَسعى بلا قَدمْ

فنحنُ حَيارى والليالي كئيبةٌ =ونحن سُكارى نشربُ السُّمَّ في الدَّسمْ

ربيعٌ ولا نيسان يزهو بروضِهِ =وصيفٌ ولا تشرين يطفىءُ ما اضطرمْ

وهذا خريفُ العمرِ يرجو شتاءهُ =أتزهو أمانيْ العمرِ في موسمِ الهرَمْ

توسَّدْ رمالَ البيدِ يا عاشقَ القممْ =لقد بُحَّ صوتُ الشعرِ والشَّملُ ما التأمْ

ونَمْ في عبابِ الرَّملِ واهجُر ظلالَنا =فقبْر الحكيمِ الفذِّ يَحفرُهُ القلمْ
1-4-1985


* * * * * *
إشارة إلى أسماء دواوين الشاعر ...
- المجهولة
- حنين الليالي
- غيبوبة الحب
- إشراق الغروب
- رعشات
- عواصف على هضاب فلسطين


* باب النهر ... من أجمل الأماكن في حماة
حيث تشدو النواعير على ضفاف العاصي

عبدالسلام زريق
03-09-2011, 07:06 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (11)



لا تَقتلوا فيَّ القصيدة



أُقتلوني عندما تزعجكمْ منِّي القصــــيدةْ
أُقتلوني عندما أطرحُ أفكــــاريْ الـوليدةْ
أُقتلوني عندما أحلُمُ بالدُّنيــا الســـــعيدة
أُقتلوني عندما تبكي جراحــاتي الــعنيدة
أقتلوني عندما أحرقُ أســـــفارَ العــقيدة
أقتلوني عندما أقرأُ بالفُصــــحى جــريدةْ
أقتلوني عندما أجمـــعُ أشتــاتي الطَّريدة
أقتلوني عندما أَقنصُ أطياريْ الشَّـــريدة
أقتلوني عندما تغفو على صدري شهيدة
أقتلوني لـو رأيتمْ أنَّني أبغـــــي مَكــــيدة
أقتلوني إن سَـــمعتمْ جملةً منِّــي مُفــيدة
أقتلوني و اقتلوا كلَّ انطلاقاتي المَجـــيدة
أقتلوني واقتلوا فيَّ انقساماتي الجـــديدة
أُقْتلوني إنَّمـــا لا تقتلوا فــيَّ القصـــــيدة 1998

عبدالسلام زريق
03-10-2011, 04:09 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (12)


عَرُوسُ الشِّعْرِ





أشارتْ بلحظٍ مُترفِ السِّحرِ غامضٍ =فكادَ فؤاديْ كالفراشِ يطيرُ

وقالتْ : أحبُّ الشعرَ أُكتبْ قصيدةً =تغازلني فيها وأنتَ أميرُ

عرفتكَ وقَّادَ العيونِ مُصوِّراً =وغيرُكَ في كشفِ الجمالِ ضريرُ

أما حرَّكتْ شيطانَ شعركَ لهفتي =عليكَ ؟ إذاً واللهِ أنتَ غريرُ

أما كنتَ تعنيني بكلِّ قصيدةٍ =وترمزُ بالأسماءِ ليْ وتُشيرُ

فتُسكرني آياتُ شعرِكَ لوعةً =ويملكُني شوقٌ إليكَ أثيرُ

يداعبُ آمالي يثيرُ عواطفي =فيلمعُ برقٌ في الظَّلامِ ينيرُ

* * * = * * *

فقلتُ لها يا " نورُ " عفوكِ إنَّني =أخافُ فما ليْ إنْ وقعتُ مُجيرُ

أخافُ إذا أَلمحتُ ردَّكِ بالنَّوى =ويفلتُ من نُعمى لقاكِ أسيرُ

أخافُ على قلبي تباريحَ جفوةٍ =إذا غاضَ ينبوعٌ وجفَّ غديرُ

وما كنتُ قد مدَّدتُ أيامَ خدمتي =لكسبِ معاشٍ والكلامُ خطير

ولكنَّني واللهُ يشهدُ أنَّني =قصدتُ دوامَ القربِ وهو يسيرُ

وحاولتُ إذكاءَ المودَّةِ بيننا =وتمتينَ حبلَ الوصلِ وهو عسيرُ

فإنِّي مع الستينَ يا " نورُ " عاشقٌ =وعندي لما يَهوى الفؤادُ كثيرُ

أميرٌ أنا للشِّعرِ والحبِّ والندى =وما ليَ في دنيا الغرامِ نظيرُ

وعندي مزايا الحرِّ .. كلُّ مزيَّةٍ =جناحٌ بها للمكرماتِ أطيرُ

فلا تحرُميني من لَماكِ تَعِلَّةً =فوِردُكِ يا أحلى الظِّباءِ نَميرُ

وأنتِ ملاكٌ طاهرُ القلبِ حائرٌ =وحولكِ من نارِ العداةِ سعيرُ

ولستِ وإنْ كابرتِ ناجيةً غداً =فما لكِ فيهمْ مُنقذٌ ونصيرُ

أخافُ على عينيكِ من كلِّ دمعةٍ =تلوحُ ودمعُ الناعساتِ غزيرُ

وأخشى عليكِ السُّهدَ إنْ هيَ صوَّحتْ =أزاهيرُ هذا الحسنِ وهي نذيرُ

وغادرَ فصلُ الزَّهرِ روضَكِ واختفى =وأقبلَ فصلٌ بالشَّقاءِ مَطيرُ

ونفَّرَ طيرَ السَّعدِ عنكِ مخادعٌ =ينقِّبُ في ماضي الهوى ويُثيرُ

تُراهُ يعودُ الحسنُ والزهرُ والندى =ويمرحُ في جوِّ السرورِ كسيرُ ؟!

وتورقُ أغصانُ الخريفِ وتزدهي =رياضُ الأماني والهمومُ تُغيرُ ؟

جمالُكِ رهنُ الدائراتِ عقارباً =ومثلُكِ من يُخْشى عليهِ مصيرُ

فلا تتركي أيامَ حسنِكِ تنقضي =وما لكِ فيها مؤنسٌ وسميرُ

ولا تتركي الآمالَ تذوي بلا هوىً =وعندكِ من يهواكِ وهو جديرُ

ولا تتكريني ضائعَ السَّمتِ يائساً =غريباً على دربِ الجفاءِ أسيرُ

* * * = * * *

تعالَيْ لروضِ الحبِّ نقطفُ زهرَهُ =لقد جاءَ من روضِ الهُيامِ بشيرُ

فأنتِ عبيرُ الحبِّ والشوقِ والرِّضا=وما لِسِوى هذا الجمالِ عبيرُ

وما لِسِوى عينيكِ في القلبِ جذوةٌ =فدُنيايَ من وقْدِ العيونِ هَجيرُ

فلا تَحسبيني أُبدعُ الشعرَ جاهلاً =فإنِّي بأسرارِ الجمالِ خبيرُ

وأنتِ على عرشِ الجمالِ مليكةٌ =وإنِّي على مَتْنِ القريضِ أميرُ

1996

عبدالسلام زريق
03-10-2011, 04:12 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (13)


وَتَرُ الخُلُودِ





أهوى ويرتعشُ الشَّذا بلَهاتي=فأَبثُّكِ النَّجوى على همساتي

أهواكِ لم يَثِبِ الفؤادُ إلى فمي =إلا بذكركِ عندَ كلِّ صلاةِ

وإذا سكرتُ بذكرِ ربِّيَ خاشعاً =ألقاكِ بين الذِّكرِ والسُّبُحاتِ

* * * = * * *

غفرانكَ اللَّهمَ حبّك في دمي =نورٌ يمدُّ القلبَ بالنبضاتِ

وعيونُ من أهوى بنوركَ أشرقتْ =فرفعتُ باسمكَ أخلصَ الدَّعواتِ

* * * = * * *

عينانِ هامَ السِّحرُ في جَفنيهما =متألِّقاً كالنُّورِ في مشكاةِ

وفمٌ بحبَّاتِ الجُمانِ منضَّدٌ =والدُّرُّ منتثرٌ من الكلماتِ

وأنا كمُقترفِ الذُّنوبِ لعفوها =أسعى كمنْ يسعى إلى عرفاتِ

أتلو على اسمِ اللهِ آياتِ الهوى =وأذوبُ يصهرُني لظى آهاتي

* * * = * * *

أهواكِ يا لَهَباً تأجَّجَ في دمي =فغدا يُشيعُ الدفءَ في رِعشاتي

أهواكِ يا وترَ الخلودِ لشاعرٍ =غنَّى هواكِ بأعذبِ النغماتِ

أهواكِ يا لغةً جعلتُ حروفَها =وقفاً على التَّعبيرِ بالنَّظراتِ

فإذا رنا الطَّرفُ الكحيلُ تزاحمتْ =كُلُّ اللُّغاتِ بأسطرٍ خَفِراتِ

* * * = * * *

لا تتركيني دونَ بارقِ مَأملٍ =أسعى لقلبِكِ حائرَ الخطواتِ

أتفيَّأُ الجدرانَ أعشقُ ظلَّها =ويطيرُ بي نظري إلى الشُّرُفاتِ

فإذا خطرتِ حضنْتُ ظلَّكِ واهماً =وإذا وقفتِ بعثْتُ بالقُبلاتِ

وإذا احتواكِ البيتُ واشتعلَ الجوى=وبَعُدْتِ عنِّي لُذْتُ بالعتَباتِ

وهتفتُ باسمكِ في المساءِ لعلَّني =ألقاكِ في الأحلامِ عندَ سُباتي

إنِّي أحبُّكِ يا قصائديَ التي =رتَّلتُ في نغماتها آياتي

لا تحرميني من لقائكِ مرَّةً =في كلِّ وقتٍ كيْ تَصِحَّ صلاتي

1997

عبدالسلام زريق
03-10-2011, 11:11 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (14)



نَبْضُ الهَوَى





وَعَدَتْني وأخلفتْ بالوعودِ =أتُراها تشاغلتْ بالوليدِ ؟

أم تُراها تمنَّعتْ لاحتراسٍ =من مُريبِ الخُطى وعينِ الحسودِ

* * * = * * *

بعدَ عامٍ من الغيابِ أطلَّتْ =بحديثٍ في هاتفي كالنَّشيدِ

وغدا صوتُها يمازجُ صوتي =عَبر سِلكٍ على النوى مشدودِ

وسرى نبضُها يدقُّ فؤادي =فأعادتْ نبضَ الهوى من جديدِ

عندليبٌ مغرِّدٌ أم هزارٌ ؟ =أم كمانٌ أوتارُه من وريدي ؟

صاغَها الحبُّ لوحةً من جمالٍ =في خيالي ترقى لسِفرِ الخلودِ

فهي فوقَ العقولِ حُسناً فريداً =بقوامٍ كالمائساتِ فريدِ

تتثنَّى بوارفٍ من حريرٍ =فوقَ ساقٍ تغري وخصرٍ وجِيدِ

وأنا شاعرُ الهوى أتلظَّى =بين نادي الحِمى وجسرِ الحديدِ*

أَذرعُ الدَّربَ جَيْئةً وذهاباً =والثواني نبضٌ بقلبي العميدِ

حائر الخطوِ غارقاً في شرودٍ =أرقبُ الأفْقَ خائفاً من بعيدِ

علَّها تمطرُ السماءُ وفاءً =لوعودٍ بعد انتظارٍ مديدِ

غيرَ أنِّي رجعتُ أسألُ نفسي =عبر موجِ الأسى ببحرِ القصيدِ

أَتُراها تجودُ بعد احتباسٍ =أمْ تُراها تجمَّدتْ كالجليدِ ؟

حطَّمَ المَطلُ أضلُعي وجناحي =وكواني الخذلانُ كيَّ العبيدِ

* * * = * * *

ويحَ قلبي يا لهفَ نفسيَ إنِّي =أُشعلُ الوجدَ من بريقِ الوعودِ

ويحَ شعري تغتالهُ بدمائي =إبَرُ الوردِ قبلَ لثْمِ الورودِ

* * * = * * *

يا غُصيناً يميسُ هل أنتِ خَجلى =من لقائي رغمَ الحنينِ الأكيدِ ؟

لا تقولي تركتُ قلبي ورائي =وتحرَّرتُ من جميعِ القيودِ

لا تقولي أطفأتُ نارَ التمني =وقتلت الإيمانَ بعد جحودي

لا تقولي .. أدَّيتُ كلَّ فروضي =وتحلَّلتُ من وفاءِ العهودِ

هذه بِدعةٌ أَكبَّتْ كثيراً =في جحيمٍ تقولُ هل من مزيدِ ؟

فتعالَيْ..أولا.. فإنْ جئتِ أهلاً =أو تعمَّدتِ لا وألَّا تعودي

فسلامٌ عليكِ من مُستَهامٍ =يعشقُ الحسنَ كافراً بالحدودِ

1998


نادي الحمى .... أحد نوادي مدينة حماة
جسر الحديد .... جسر معروف في مدينة حماة

عبدالسلام زريق
03-11-2011, 10:44 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (15)



مُسَلْسَلُ حُبّ






دَعي عنكِ الهوى فهوايَ صَعْبُ =مواسمُهُ بها مَحْلٌ وخِصبُ

دَعي عنكِ الهوى لا تدَّعيْهِ =ففي أجوائهِ خوفٌ ورعبُ

تعالَيْ .. بل دعيني في هُيامي =يقلِّبُني على النيرانِ قلبُ

فما كانَ الهوى هجراً وبعداً =ولكنَّ الهوى وصلٌ وقربُ

وأنتِ تُمثِّلينَ الحبَّ دوراً =لهُ بعدَ انتهاءِ العَرْضِ كَسْبُ

فكيفَ رأيتِ تمثيلي ؟ لَعَمري =لقد أتقنتُهُ والدورُ صعبُ

ولمْ أَكُ قبل هذا اليومِ أصبو =لهذا الدورِ فالتمثيلُ صعبُ

ولكنِّي رأيتُ الزَّيفَ يطغى =عليكِ فرحتُ للتزييفِ أصبو

ووطَّنتُ الفؤادَ على التَّحدي =وما لي حينَ يقضي الحبُّ ذَنْبُ

ففي عينيكِ أسرارٌ وعندي =لكشفِ السرِّ خلفَ الغيبِ غيبُ

فأنتِ غريبةٌ عن روضِ حبِّي =وبينكِ والهوى الصوفيِّ حربُ

وبينكِ في الصفاءِ وبين نفسي =حواجز دونَها يَعْيا المُحبُّ

وبينكِ لو سألتِ القلبَ يوماً =وبيني نهرُ أحزانٍ يصبُّ

تغلغلَ في شراييني وأورى =جراحي فالحريق به يشبُّ

وعلَّمني بأنَّ الحبَّ زَيفٌ =وأنَّ الغدرَ بالمحبوبِ عذْبُ

فلا تحلو الحياةُ بغيرِ حبٍّ =رخيصٍ همُّهُ سلبٌ ونهبُ

ولكنِّي برغمِ جموحِ فكري =لنيلِ رضاكِ أنسامي تهبُّ

لعلَّ هواكِ يَصدقُني بوعدٍ =سخيٍّ فيهِ من شفتيكِ سَكْبُ

تعالَيْ وانعمي في ظلِّ أيكٍ =وريفٍ فيهِ نارُ البُعدِ تخبو

أعلِّمُكِ الهوى وتُعلِّميني =يرقُّ لحبِّنا قلبٌ وربُّ

عبدالسلام زريق
03-11-2011, 10:48 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (16)



إلى الأبدِ



لا تَكذبيني الهوى لا تطعني كَبِدي =يا طفلةَ الحبِّ يا فتَّانةَ الجسدِ

لا تَكذبيني الهوى ما عدتُ مُقترفاً =جريمةَ الحبِّ بين السُّقمِ والسَّهدِ

لا تَكذبيني الهوى ما عادَ يُسكرني =قولٌ يمازجُ بين السُّمِّ والشَّهدِ

لا تَكذبيني الهوى قلبي غدا حجراً =لا تَلمسيهِ فقد يهوي على أحدِ

لا تلمسيهِ بغيرِ الصدقِ وابتعدي =عن موردِ الصدقِ في قلبي فلا تَرِدي

إنِّي لأَدعو على عينيْ إذا نظرتْ =يوماً إليكِ ببعضِ العطفِ بالرَّمدِ

فأينَ أنتِ من الأشواقِ إنْ جمحتْ ؟=وأينَ أنتِ من الإيمان والرَّشدِ

وأين أنتِ وقد جاءتْ على قَدَرٍ = تحنو عليَّ وتَمْلا بالحنانِ غدي

كأنَّها الشمسُ تُحييْ الميْتَ طلعتُها = تهدي الضياءَ فتُصبي النفسَ بالرَّغَدِ

سحريَّةُ الصوتِ إنْ نادتْ سرى بدمي =لحنُ الحياةِ كصوتِ الطائرِ الغَرِدِ

فتَّانةُ الخطوِ إنْ ماستْ على هَيَفٍ =تَميلُ كالغصنِ من لُطفٍ ومن مَلَدِ

* * * = * * *

أهواكِ يا حلوةَ العينينِ حانيةً = حُنُوَّ أمٍّ وقد خافتْ على الولدِ

أهواكِ يا أملاً وافى على قدَرٍ =ففي هواكِ أحسُّ الكونَ مُلكَ يدي

فقرِّبيني إلى عينيكِ واقتربي =من مُقلتيَّ وهاتي النارَ وابتردي

وكهربيني بأسلاكِ الهوى فدمي =يضيءُ في الحبِّ من قلبي ومن كبدي

إنِّي على عهدِ من أهوى أدلِّلُهُ=وأفتديهِ بروحي لو بَرى جسدي

وأكتمُ اللَّهفةَ الخَجلى ويفضحُها =شِعري وخفقُ فؤادٍ للحنانِ صدي

إنِّي أُحبُّكِ يا أحلى هوىً بَزغتْ =أنوارُهُ في حنايا العمرِ للأبدِ


1992

عبدالسلام زريق
03-11-2011, 10:51 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (17)




الضِّياءُ المُقَدَّسُ





ما لعينيكِ تَغزوانِ فؤادي =تَسلباني الكرى وطيبَ الرُّقادِ

كلَّما لُذْتُ بالسريرِ تراءى =ضوءُ عينيكِ مُمْعِناً باتِّقادِ

عبثاً أدفعُ السُّهادَ ولكن =دفعَ صيدٍ لقبضةِ الصيَّادِ

فأراني وقد تعذَّرَ نومي =دائمَ الصَّحْوِ راغباً في ازديادِ

أتمنَّى لو أنَّ طيفَكِ يدنو =من سريري ويستبيحُ وِسادي

* * * = * * *

يا ندى الأمنياتِ في صيفِ عمري =يا ضيائي في حالكاتِ السَّوادِ

قيِّديني بالنورِ قيداً حنوناً =واصلُبيني على رحيقِ الوِدادِ

كيف لا أعشقُ القيودَ ورُوحي =من ضياءٍ مُقدَّسٍ في اعتقادي

* * * = * * *

يا لعينيكِ والربيعُ تهادى =يسرقُ اللونَ منهما في اتِّئادِ

أرشديني إليكِ قبلَ ضياعي =فطريقي محفوفةٌ بالأعادي

وحياتي لو تعلمينَ جحيمٌ =وصُراخٌ يضيعُ في بطن وادِ

في صحارى الضياعِ ضيَّعتُ عمري =باحثاً بين رملِها والقَتادِ

يتهاوى على الرمالِ طموحي =وعلى الشوكِ يستفيقُ جِلادي

كلَّما صُغْتُ للشفاءِ قصيداً =أوغلَ الجرحُ في صميمِ فؤادي

* * * = * * *

أنجديني بلهفةٍ من حنانٍ =خلِّصيني من مُوحشاتِ الرَّمادِ

وامنحيني الأمانَ إنْ بُحتُ يوماً =واهجري الخوفَ واسمعي إنشادي

آنَ للمُوجعِ المُسهَّدِ جفناً =أن يرى النومَ بعد طولِ السُّهادِ


1995

عبدالسلام زريق
03-12-2011, 04:20 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (18)



أَغْرَقتُ أَحْلامِي





أَغرقتُ أحلامي ببحرِ شقائي =ونسجتُ من ليلِ الهمومِ ردائي

أحيا بلا أملٍ يداعبُ مهجتي =وأحسُّ أوردتي بغيرِ دماءِ

سُحُبٌ من الآلامِ تُمطرُ في دمي =يأساً وتتركُني بغيرِ رجاءِ

فيشبُّ في نفسي الشقاءُ وتكتوي =كلُّ الأماني في جحيمِ شقائي

* * * = * * *

كفَّنتُ آلامي بليلِ كآبتي =ودفنتُ طفلَ السعدِ في صحرائي

وزرعتُ أوهاماً رويتُ جذورَها =بدمي فأينعَ غرْسُها ببلاء

تتراقصُ الأشباحُ في أغصانِها =إنْ نُبِّهَتْ بالفجرِ والأنداءِ

في كلِّ زاويةٍ بحقلِ غراسِها =صُورٌ من الكتمان والإدلاءِ

وأنا أَهيمُ .. أَهيمُ بين رموزِها =فوضوحُها وقفٌ على الشُّعراءِ

ما بين معجزةِ القريضِ وسحرِها =صِلةٌ تشدُّ الجسمَ بالأعضاءِ

فلرُبَّ قافيةٍ إذا أنشدتُها =عانى خليُّ القلبِ من بُرَحائي

* * * = * * *

أستغفرُ الآلامَ تشربُ من دمي =فتثيرُ زَيفَ العطفِ في أعدائي

أنا لن أكونَ مثارَ عطفٍ كاذبٍ =يولي الأذى وشماتةَ اللُّؤماءِ

أنا إن أَكُنْ في الأرضِ غيَّبتُ المُنى =فغداً سأركزُ في السماءِ لوائي

ما ضرَّني فقدُ المدادِ وريشتي =فأصابعي موجودةٌ ودمائي

في كلِّ صبحٍ لي مكائدُ عاشقٍ =تلقى نهايتَها مع الإمساءِ

ما خنتُ من أهوى ولكنْ خانني =كلُّ الذين أًنرتُهُمْ بضيائي

* * * = * * *

أنا شمعُ من أهوى أضيءُ ظلامَهُ =وأعيشُ في كهفي وفي ظَلمائي

أَهبُ الضياءَ وأكتوي بلهيبهِ =ودخانُهُ أبداً بأُفْقِ سمائي

أَصْفيْتُ أحبابيْ الودادَ فأَرجفوا =أنِّي أبيعُ الحبَّ في الأحياءِ

لم يدركوا أنِّي نذرتُ لحبِّهم = رُوحي ورُمْتُ حياتَهم بفنائي

* * * = * * *

كم كنتُ مخدوعاً بسحرِ عيونِهم =حتى تحوَّلَ سحرهُم لرياءِ

أحببتُهم .. نزَّهتُهم .. ورفعتُهم =فوقَ السُّهى لمعارجِ الجوزاءِ

قد يخطئُ القلبُ المعذَّبُ مرةً =ويضلُّ بحرُ الشعرِ بالشعراءِ

حتى إذا بدتِ الحقيقةُ كالضُّحى =وجلا الوضوحُ الشكَّ بعد خَفاءِ

أَنصفْتُ أحبابي الذين هجرتُهم =جهلاً وعُدْتُ بخَيبتي وحَيائي

فلعنتُ قافيتي التي حمَّلتُها =بالأمسِ كلَّ صبابتي وصفائي

وشددتُ أوتاري وقلتُ لمن أبى =حبِّي وحمَّلني على أشلائي

يا منْ سكبتُ لكم دمي ومدامعي =وتلوتُ فيكم آيتي ودعائي

إنِّي لأغفرُ جهلَكم بمشاعري =فمشاعري تسمو على السُّخفاءِ

سامحتُكُمْ ألفاً وعُدْتُ لمن وعى =حبِّي وآثرني بكلِّ ثناءِ



1983

عبدالسلام زريق
03-12-2011, 08:57 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (19)


رَمْيُ الجِمَارِ




بمناسبة حرب تشرين التحريرية





اِرمِ الجمارَ ضحىً كفراً وإيمانا =واتلُ المثانِيَ إسراراً وإعلانا

كُفراً بشهرِ حزيرانٍ ونكستهِ =وجدِّدِ اليومَ في تشرينَ إيمانا

* * * = * * *

كم من دعيٍّ بمحرابِ الهوى سقطتْ =عنهُ المسوحُ فعاشَ الدهرَ عُريانا

سوءاتُه لم تزلْ للكونِ باديةً =قد ضاقَ سِتراً بها وانهارَ كتمانا

وزأرةُ الليثِ تُنبي عن توثُّبهِ =وتصعقَ الخصمَ حملاناً وذؤبانا

* * * = * * *

يا أمَّةً لم تزلْ للكونِ هاديةً =تزهو بحاضرها فكراً ووجدانا

كم أرضعوكِ الأسى وهناً وقد وهنوا =وحمَّلوكِ الونى زوراً وبُهتانا

كم أشعلَ الحاقدونَ النارَ فانطفؤوا =غداةَ ثرنا بوجهِ الظُّلمِ بُركانا

* * * = * * *

تنفَّسَ الصبحُ عن تشرين مؤتلقاً =يلفُّ بالغارِ آذاراً ونيسانا

فأورقَ الأرزُ واخضلَّتْ منابتُهُ =وعانقتْ راسياتُ الشامِ لُبنانا

* * * = * * *

أهواكَ يا ملعبَ الأبطالِ يا وطني =أَلهمتَني الشعرَ أفكاراً وأوزانا

علَّمتني كيف أجلو الحسنَ مُنتضياً =له القريضَ تراتيلاً وألحانا

علَّمتني كيف أُزجي الحبَّ قافيةً =عذراء تنهلُّ أشواقاً وتَحنانا

أهواكَ في رفَّةِ الأهدابِ تسحرُني =أهواكَ في ضحكةِ الأطفالِ نشوانا

أهواكَ في الحرب إقداماً وتضحيةً =أهواكَ في السِّلمِ أزهاراً وألوانا

أهوى النواعيرَ والعاصي يغازلُها=وينثني للرياضِ الخضرِ سكرانا

لَكَمْ أَذبتُ بها قلبي وقافيتي =متيَّماً بالجمالِ البكرِ ولهانا

أهواكَ .. أهواكَ .. أهوى كلَّ بارقةٍ =نلقاكَ في أُفْقِها تسمو وتلقانا

إنِّي أُباهي بكَ الدنيا وزُخْرُفها =كما تباهي شَذا عَدْنٍ ضحايانا

* * * = * * *

يا شهرَ تشرين هذي الأرضُ ما فَتِئتْ = تَسْتسهِلُ الشوكَ حتى صارَ رَيحانا

تستلُّ من رحم الأحزانِ فرحتَها =فينظرُ الكونُ مذهولاً وغَيرانا

لا يُشعلُ الشَّمسَ إلا زَندُ قادحِنا =ولا يشقُّ الدُّجى إلا سرايانا

* * * = * * *

قالوا السلامَ : فقلنا : نحنُ أمَّتُه =وقد وضعنا لحكمِ العدلِ ميزانا

فكم أضلُّوا وضَلُّوا في تَثَعْلُبِهمْ =حتى غدوا من لَظى تشرين فِئرانا

ويطلبون سلاماً في مساومةٍ =ويُضمرون بهذا السلمِ عدوانا

فلْيَعلموا أنَّنا أهلُ السلامِ وقد =صُغنا ملامحَهُ في الساحِ شُجعانا

أوابدُ الحقِّ ما تنفكُّ ماثلةً =تُغري الخلودَ بنا علماً وعُمرانا

هذي الشآمُ وحيَّا اللهُ قائدَها =مُحصَّناً بكتابِ اللهِ إيمانا

سِفرٌ من المجدِ وضَّاحُ السنا عَبِقٌ =تجري العصورُ وتبقى الشامُ عنوانا

* * * = * * *

يا غابةَ الليثِ والأشبالِ يا وطني =إنِّي عشقتكَ ميداناً وفُرسانا

من كلِّ أسمرَ وكرُ النَّسرِ ملعبُهُ =ينقضُّ إما تراءى الصِّلُّ عَجلانا

إنَّا بترنا يدَ التوراةِ من كَتِفٍ =لما وصلناكَ إنجيلاً وقُرآنا

غفرانُهُمْ يملأُ الآفاقَ زَنْدقةً =فليسألوا السامريَّ الوغْدَ غُفرانا

من كوثرِ الجرحِ صُغْنا ألفَ ملحمةٍ =فيلسمعوا زمجراتِ الجُرحِ في قانا

فَشُمُّ لبنان لم تبرحْ مسيَّجةً =طرنا لها من راوبي الشامِ عُقبانا

ما زالَ تشرينُ في أحداقنا غضباً =وما لوى عَزْمَنا العنقودُ غضبانا*

* * * = * * *

هذي القيامةُ والأقصى وصخرتُه =أهلَّةً تَرقَبُ البشرى وصُلبانا

فليقتلوني على أعتابِ حُرمتِهم =وليصلبوني ببابِ القدسِ عُريانا

ولتكتبوا بدمي رَفْضَ السَّلامِ إذا =كان السلامُ لنا ذُلاً وإذعانا


1996



* إشارةً لعملية عناقيد الغضب
الصهيونية في لبنان

عبدالسلام زريق
03-12-2011, 09:00 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (20)


تَمَنِّيَات




كم تمنَّيتُ أن أضمَّكِ لكنْ=حالَ بيني وبينَكِ الرُّقباءُ

كم تشهَّيتُ أن نذوبَ حناناً =في عناقٍ يموتُ فيه الحياءُ

ذوِّبيني يا " نورُ " ذُوْبي بوصلي =واحرقيني يشعُّ مني الضياءُ

أنتِ نارُ الحياةِ تُشعلُ وجدي =وأنا الزهرُ والندى والصفاءُ

وأنا الفجرُ يا احتراقَ الليالي =وأنا اللحنُ والطِّلا والغناءُ

وأنا .. من أنا ؟ شريدٌ .. طريدٌ =ضائعُ السَّمتِ يحتويهِ الشقاءُ

غارقٌ .. عائمٌ .. سقيمٌ .. صحيحٌ =مؤنسٌ .. موحشٌ .. براهُ انطواءُ

شاعرٌ .. ساحرٌ .. عصيٌّ .. مطيعٌ =ظالمٌ .. راحمٌ .. بهِ كبرياءُ

ذوِّبيني على لهيبِ احتراقي =يا احتراقي إذا دهاكِ انطفاءُ

يا اشتعالي وبوحُ عينيكِ يوري =كامنَ الوجدِ فاشتعاليْ ابتداءُ

أرضعيني من ناهديكِ حياتي =يا حياتي فكلُّ ما بي اشتهاءُ

لا تخافي الوِصالَ لا .. لا تخافي =نحنُ في الوصلِ والجفا أنبياءُ


1984

عبدالسلام زريق
03-13-2011, 04:41 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (21)




صَوْتُ الثَّأْرِ




بعد نكسة حزيران





ضَمِّدِ الجُرحَ يا أخي وتجلَّدْ =واسلُكِ الدربَ للعلى وتمرَّدْ

واهجرِ اليأسَ والخضوعَ وشيِّدْ =فوقَ هامِ الخلودِ صرحاً مُمرَّدْ

مِرجَلُ الحقدِ في صدورِ الأعادي =يطبُخُ السُّمَّ فلتكوننَّ أحقدْ

قد ضللنا الطريقَ يومَ مَضينا =شِيَعاً في لقاءِ خصمٍ موحَّدْ

* * * = * * *

العدوُّ اللئيمُ شادَ حصوناً =في حِمانا ولم يزلْ يتوعَّدْ

والسُّكونُ العميقُ رانَ فقَومي =أظلمَ الحسُّ فيهُمُ وتبلَّدْ

يا لإرثِ الجدودِ أضحى مقاماً =للأعادي وكلُّ شبرٍ تهوَّدْ

والمروءاتُ بالمفاسدِ ذابتْ =جيلنا اليومَ فاقدُ العزمِ مُقعَدْ

ملءُ أشداقهِ الملذَّاتُ سُحقاً =أُيُّها الجيلُ إنَّ وجهكَ أسودْ

أعصلُ النابِ* بين قومكَ لكنْ =في لقاءِ العدوِّ بالساحِ أدردْ

تمضغُ الزَّيفَ غارقاً في خِضَمٍّ =من ذميمِ الصفاتِ بالسُّخفِ مُزبدْ

ثم تحسو بهارجِ العصرِ صاباً =زائغَ القلبِ يا غويُّ مُعقَّدْ

تائه الفكرِ خابطاً في ظلامٍ =تهجُرُ النورَ والحقيقةَ تجحدْ

مُثخناً بالجراحِ تنزفُ سُمَّاً =وجراحُ النفوسِ أضنى وأنكدْ

ثم تغفو على الجراحِ هزيلاً =تندبُ الحظَّ مُهطِعاً تتوجَّدْ

كيف ترضى الحياةَ عبداً وعهدي =بسليلِ الإباءِ والمجدِ سيِّدْ

كيف ترضى الجحودَ والذُّلَّ حتى =أشفقَ الذلُّ أن يراكَ مُصفَّدْ

* * * = * * *

أَلهاثاً خلفَ الحضارةِ تقضي =يومَكَ المرَّ لا تفكِّرُ بالغدْ

قم توحَّدْ وجدِّدِ العهدَ واضربْ =إن عشقتَ العلى بكلِّ مهنَّدْ

قمْ تحدَّ المنونَ فالموتُ أهنا =من حياةٍ بها الحقيقةُ تُوْأَدْ

واحطمِ القيدَ وانطلقْ كشواظٍ =آنَ للبغيِ أن يموتَ وتولَدْ

قُمْ تحدَّ الجراحَ أنتَ حرِيٌّ=بالتَّحدي وذي جراحُكَ تشهدْ

لستُ أخشى عليكَ ميْتةَ حُرٍّ =فاغسلِ الأرضَ بالدماءِ تُخلَّدْ

ليسَ عاراً إذا قضيتَ شهيداً =إنَّما العارُ أن تعيشَ مُقيَّدْ

* * * = * * *

أُمَّةَ العُربِ أَنجدينا بجيلٍ =يعربيِّ الإبا إذا الخصمُ عربدْ

أنجدينا بخالدٍ وضرارٍ =يركعُ الخصمُ إن حَمَلْنا ويسجدْ

أنجدينا بطارق بن زيادٍ =أرهفَ الفتح سيفه فتجرَّدْ

نحنُ جيلُ الفسادِ يبهرنا الزَّيـ = ـفُ ويغري أبصارَنا كلُّ مشهدْ

كم فتحنا أبوابَنا لدخيلٍ =أجنبيٍّ وبابُ فتحكِ مُوصدْ

كم حملنا معاولَ الهدمِ لؤماً =وهدمنا أساسَ صرحٍ مُشيَّدْ

كم عقدنا الراياتِ من كلِّ لونٍ =وبُنودِ الفداءِ تُطوى وتُبعَدْ

فانكفأنا وراحَ يفتكُ فينا =مخلبُ السُّمِّ كيفما شاءَ سدَّدْ

وحملنا إليكِ عاراً جديداً =أحرقَ القلبَ يا " حزيران " فاشهدْ

* * * = * * *

يا رُفاتَ الجدودِ في القدسِ صبراً =إنْ صُلِيتِ اللظى وأُحرقَ مسجدْ

سوف يصحو على روابيكِ فجرٌ =وترفُّ المُنى ويَسطعُ فرقدْ

سوف تشدو بلابلُ الروضِ مهما =طالَ فيه النعيبُ واغتيلَ مُنشِدْ

فغداً نغسلُ الضميرَ ونمضي =وبنودُ الفداءِ للنصرِ تُعقَدْ

لن يموتَ الجهادُ والعربُ فيهم =قَبَسٌ من ضياءِ عيسى وأحمدْ
1968


أَعصلُ الناب .. مِعْوَجُّ الناب

عبدالسلام زريق
03-13-2011, 07:51 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (22)



صَرْخَةٌ منْ مَقْبَرَةِ التَّارِيْخ





حمامةُ السلمِ تَستهدي بصيَّادِ =وهامتي لم تزلْ في حِجرِ جلَّادِ

لا تذبحوني قُبيلَ الفجرِ إنَّ دمي=يضيءُ في الليلِ تاريخي وأمجادي

لا تصلبوني قُبيلَ الليلِ وانتظروا =حتى تضيعَ بجَوْفِ الليلِ أعوادي

فلن أَحُجَّ إلى أعتابِ دعوتكم =وفي حِمى القدسِ ضجَّتْ روحُ أجدادي

ولن أصلِّي على ناقوسِ مؤتمرٍ =وفي القيامةِ ناقوسي وإنشادي

* * * = * * *

أستغرُ اللهَ ما غيَّرتُ مُعتقدي =ولا جنحتُ إلى كفرٍ وإلحادِ

لكنَّ مقبرةَ التاريخِ في وطني =تثيرُ في صدريَ المطعونِ أحقادي

لقد تحجَّرتِ الآلامُ في كَبِدي =ولمْ أجدْ آسياً فيكمْ لأكبادي

دَعوا جراحيَ تُذكي الثأرَ في دمِ منْ =لم يُولدوا فهُمُ أَولى بإنجادي

لا ترسموا ليَ أبعادي فإنَّ يدي =أحنى على الرسمِ في تحديدِ أبعادي

* * * = * * *

أَسْكنتُموني فراغَ العصرِ فاحترفتْ =كفِّي السلاحَ بأغوارٍ وأنجادِ

لا تقتلوني فما عِرضي بعرضِكُمُ =ولستمُ يا دُعاةَ السِّلمِ قوَّادي

ما كانتْ امِّي بغيَّاً في بيوتِكُمُ =ولا أبي امرأَ سَوْءٍ أو بقوَّاد

وما زنيتُ وأولادُ الحرامِ على =صدري يعيثونَ بينَ السفحِ والوادي

أمِّي العروبةُ إيماناً وتضحيةً =ووالدي السَّيفُ والثُّوارُ أولادي

* * * = * * *

كفَّنتموني قُبيلَ الموتِ لا سَلِمتْ =يدٌ تُكَفِّنُني في ثوبِ أعيادي

فكيف تبغونَ موتي والفداءُ على =زَنديَّ يشهدُ أنَّ السيفَ ميلادي

* * * = * * *

من خيمةِ الذُّلِّ في الأرضِ العراءِ نما =حقدي وحطَّمَ أغلالي وأصفادي

هناكَ خلفَ حدودِ الموتِ في وطني =آنستُ ناراً فشبَّتْ نارُ أحقادي

مزَّقتُ كلَّ خيامِ الذلِّ واقتلعتْ =ريحُ التَّمرُّدِ تحتَ الليلِ أوتادي

عقدتُ للنصرِ بَندَ الفتحِ فاقتحمتْ =يوم الكرامةِ بابَ الخوفِ أجنادي

* * * = * * *

لا أقسمُ اليومَ بالأقصى وصخرتِهِ =بلْ بالدماءِ بأولادي وأحفادي

لن ترجعَ " اللهُ أكبرُ " في مآذنِهِ =ولن ترُنَّ نواقيسٌ بآحادِ

وأنتُمُ بينَ مُسْتَجدٍ يمدُّ يداً =وتاجرٍ همُّهُ للسوقِ إعدادي

يفاوضُ الخصمَ في بُردينِ من ضِعةٍ =بُرْدِ اتفاقٍ وبُرْدٍ نَسْجِ أجسادِ

قد حِيْكَ فوق شِعابِ الأرْزِ واصطبغتْ =خيوطُهُ بدمي من يومِ ميلادي

وفصَّلوهُ بأشكالٍ منوَّعةٍ =وطرَّزوهُ بأزهارٍ وأورادِ

وسارَ عارضُ أزياءِ السلامِ بهِ =والمعجبونَ أتَوا كلٌّ بميعادِ

تجمَّعوا وسيوفُ الثأرِ في وطني =تهتزُّ تلعنُهُمْ من طولِ إغمادِ

دارتْ عليهم كؤوسُ الذلِّ مُترَعةً =حتى الثمالة في مَحوي وإيجادي

وعادَ جسماً بلا وجهٍ يُميِّزهُ=لمَّا تعاوَوا عليهِ بعدَ إجهادِ

كفى المفاوضَ عنِّي أنَّهُ حَمَلٌ =يبغي لمَذأبةِ الأعداءِ إرشادي

* * * = * * *

يا ناسكينَ بثوبِ الزُّهدِ في وطني =إنِّي كفرتُ بنُسَّاكٍ وزُهَّادِ

أتسمعونَ ؟ أمِ الإرعادُ أطرشَكُمْ =لمَّا أفقتُمْ على قَصفي وإرعادي

ألا ترونَ ؟ أمِ الأضواءُ تحجبُكمْ ؟!=فلا تبينُ طريقٌ دونَ أرصادِ

هناكَ جُثَّةُ آمالي مُحنَّطةٌ =في متحفِ السلمِ تروي حقدَ حُسَّادي

* * * = * * *

يا نادبينَ عفافي إنَّ أدمعَكمْ =أقسى على الطُّهرِ من تمزيقِ أبرادي

رُدُّوا خناجرَكُم إنِّي سأشعلُها =شعواءَ تضربُ طاغوتاً بجلَّادِ

حتَّى تُنوِّرَ أزهارُ السلامِ على =غُصنٍ رطيبٍ كريمِ الأصلِ ميَّادِ


15-4-1978

عبدالسلام زريق
03-13-2011, 08:01 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (23)



إِلَى صَغيْرَة



في ضميري تُحرقُ الآلامُ ذكراكِ المريـــــرة
يا نداءَ الزَّيفِ يروي قصَّةَ الغدرِ الخطيــــرة
يا حصادَ الشوكِ والآلامِ في حرِّ الظَّـــــــهيرة
سوف أَطوي دفترَ الأمسِ وقد أمحو سطورَهْ
وأصوغُ اليومَ شعري تحتَ عنوانِ (صغيرة)

* * *

خبِّريني أيُّ أنثى أنتِ لـولا أُغنيـــــــاتي
خبِّريني أيُّ حُسنٍ فيكِ لـــولا أُعطيـــاتي
أنا من صاغكِ وهماً من فنونٍ مُغــرياتِ
أنتِ لولا صدق ما عانيتُ مثل الأُخرياتِ
فلتعودي مثلما كنتِ فقـــد عُدْتُ لِذاتـــي

* * *

أنا من أحرقتُ فـــي عينيكِ أغلـــى أمنياتي
ونسجتُ الطُّهــرَ ثوباً من حروفٍ طــاهراتِ
كُنتِ في سرِّي وجهري وصــيامي وصلاتي
ربَّةَ الشعرِ وإلهامي ومَجلـــى خاطــــــراتي
فاخلعي ثوبَ العذارى أنتِ أمُّ ((العابثاتِ))

* * *

أيُّ حلْمٍ مرَّ لم يحسبْ له العــمرُ حســـــابا
عشتُ فيهِ الحبَّ إخلاصاً وغدراً واضطرابا
كلُّ سرٍّ كان في عينيكِ أضنـــــاني ارتيـــابا
غِبتُ في عينيكِ عن ذاتي وأحرقتُ الشَّـبابا
وزرعتُ الأمسَ شهداً وجنيتُ اليومَ صــابا

* * *

لن أقولَ الشِّعرَ في عينيكِ لا ..لا .. لن أقوله
غاضَ نبعُ السحرِ في عينيكِ لم يروِ الخميلة
وغَفتْ فيكِ أساطيرُ الهوى تحـــتَ الرذيــــلة
وغدتْ كلُّ المـــعاني في معانيــــــكِ قتيـــــلَة
سنَّةُ الكونِ تجلَّتْ يتبــــعُ الفــــرعُ أصــــولَه

* * *

كم أقمتُ الليلَ في ذكراكِ شوقاً وابتهالا
ولَكَمْ سبَّحــــتُ في عينيــــــكِ للهِ تعـالى
وادَّعيتِ الطُّهرَ والعفَّةَ مَكراً واحتيـــالا
فاسأليني كيف يغدو الحبُّ وهماً وخيالا
بفمــي ألفُ جــوابٍ لِمَ أغفلــتِ السؤالا

* * *

أظلمتْ حتى حروفُ الشعرِ في وجهِ الرياءِ
عندما الغدرُ تبدَّى منكِ يهـــــزَا بالوفــــــاءِ
قصةٌ خُطَّتْ بسِـــفرِ الحبِّ أملاها غبائــــــي
وحديثٌ ماتَ فيهِ السِّـــحرُ مخنــوق الضِّياءِ
عندليبــــاً كنتُ أشــدو يا صيــــــاحَ الببّغـاءِ

* * *

مثلما صُغْتُكِ بالأمــــسِ ضيـــاءً من لهيبي
مثلما أهديتُكِ الفجــــرَ المُندَّى من شُحوبي
مثلما ألبستُكِ الطُّهرَ وأُلبــــــِسْتُ ذنوبـــــي
سوف أنضو كلَّ سِترٍ عنكِ يا كهفَ العيوبِ


29-5-1975

عبدالسلام زريق
03-14-2011, 07:19 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (24)





رِسالةُ حُبٍّ خَريفيّ





دعيني بأوهامي أعومُ وأغرقُ =فَلي كَبِدٌ من حرِّها تتشقَّقُ

تخافُ إذا ما مسَّها ألقُ المُنى =مكائدَ حقدِ الحاسدين فتُشفقُ

أحبَّتْ وهامتْ واستحالتْ دماؤها =عبيراً على دربِ الأحبَّةِ يعبقُ

تقضَّى شبابي فوقَ أرصفةِ الهوى =يُسامُ ولا يُشرى وعمريَ ينفقُ

وعشتُ ببحرِ الوهمِ أُشرعُ لهفتي =وموجُ بحارِ الوهمِ في الحبِّ يُغرقُ

أخافُ على قلبي وأحنو على الهوى =وأخشى على سرِّي وعينايَ تنطقُ

فكم من حبيبٍ كان يَكْذِبُني الهوى =ويحلفُ بي جهراً وهيهاتَ يَصدقُ

* * * = * * *

أحبُّ .. أحبُّ الحبَّ حتى كأنَّني =إليهِ بحبلٍ من فؤاديَ مُوثَقُ

أحبُّكِ يا منْ كنتُ أرجو صباحَها =قُبيلَ غروبي في سمائيَ يُشرقُ

* * * = * * *

وأشرقتِ بعد الأربعين وخمسةٍ =فكان صباحاً بالرَّجا يتدفَّقُ

عشقتُكِ والآلامُ تسري بأضلعي =وكنتُ يَؤوساً لا أُحبُّ وأُعشقُ

* * * = * * *

ويومَ تناجَينا وكان سبيلُنا =قصاصاتِ أوراقٍ تبوحُ وتنطقُ

شعرتُ بأنَّ الكونَ أصبحَ ملكَنا =بحُلْمٍ سماويِّ الرؤى يتحقَّقُ

حلمتُ بأنِّي في السماءِ مُحلِّقٌ =وحولي عصافيرُ الغرامِ تُحلِّقُ

وأنتِ بقربي في جناحينِ من هوىً =نسابقُ أفلاكَ السماءِ فنَسبقُ

ونقطفُ من زهرِ النجومِ قلائداً =لجيدكِ يا كلَّ الوجودِ تُطوِّقُ

وأنثرُ آمالي عليكِ جواهراً =تظلُّ على دفءِ الهوى تتألَّقُ

وأعقدُ من قلبي بشعركِ ماسةً =تشعُّ على طولِ الحياةِ وتخفقُ

* * * = * * *

حبيبةَ عمري لو سمحتِ ببسمةٍ =تندَّى بها صدري الذي يتحرَّقُ

لأغرقتِ أيامَ العذابِ بفيضِها =فيزهرُ عمري من نداها ويورقُ

* * * = * * *

دعيني أرى الدنيا بعينيكِ كلَّها =أرى فيهما الأقدارَ تحنو وتشفقُ

فأشرعُ أجفاني لأرسمَ صورةً =أخافُ عليها أنْ تَفرَّ فأُطبقُ

وأغفو على حُلْمٍ شهيٍّ مُؤنَّقٍ =وأنتِ به سحرٌ شهيٌّ مُؤنَّقُ

فلا تحرميني البوحَ لو برسالةٍ =تنامُ على صدري وعطرُكِ يعبقُ

1981

عبدالسلام زريق
03-14-2011, 10:36 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (25)



لَوْحَات



من منكمْ يعرفُ أنِّي أسكنُ في قبرٍ مهجورْ ؟!
من منكمْ يسمعُ صوتي يطربُ سكَّانَ الماخورْ ؟!
من منكمْ يعرفُ أنِّي لن أستجدي إشفاقاً
لن أطْلبَ إنعاماً
لن أقبلَ عرضاً ..
لا .. لكنِّي سوف أثورْ .
سأثورُ من القبرِ المهجورِ على الجثَّةْ .
سأثورُ بأروقةِ الماخورِ على الخسَّةْ .
وسأكتبُ تاريخاً أحمرْ .
بيراعٍ من أرضيَ أسمر .
تاريخاً يحكي للأجيالِ حكايةَ حربٍ هَمَجيَّةْ .
بينَ الأشباحِ وبين الذَّاتِ العربيَّةْ .
تاريخاً يستجدي العنوانْ ..
القدس ستبقى عربيَّةْ .. القدس ستبقى عربيَّةْ ..
وسأرمي أعداءَ الإنسانِ بعُرضِ البحرْ .
وأصلي في الأقصى فجراً في عيد النحرْ .
في حفلةِ سلمٍ مشؤومةْ ..
وأمامي امرأةٌ محمومةْ ..
واللوحةُ قاتمةٌ سوداءْ
رسمتْها الخيلُ المهزومةْ .. رسمتْها الخيلُ المهزومةْ ..
في صومعةِ الفكرِ اختلطتْ ألوانُ الرسمِ الزيتيةْ
في لوحةِ صبرٍ فنيَّةْ
وكتبْنا تحت اللوحةِ بيتاً من شعرِ الأطفالْ .
الخطُّ رديءٌ لم يُقرَأْ ....
وأمامَ اللوحةِ أَشعلْنا شمعَ الميلادْ .
أحكمنا إغلاقَ الأصفادْ .
أحرقنا العتمةَ بالأبعادْ .
وأضعنا مفتاحَ التاريخِ ونحنُ نلوِّحُ للحاضرْ .
ونصفِّقَ للآتي الزاهرْ .
ونقيمُ النّصْبَ التذكاريَّ ونرقُصُ للنَّغمِ الثائرْ .
وزليخةُ تهوى الأهراماتْ
أهراماتُ السلمِ الأبديِّ تقامُ على كلِّ الجبهاتْ .
وجريمةُ يوسفَ إعراضُه .
يا يوسفُ أعرضْ عن هذا .
لا تعبثْ أبداً بالحُرماتْ .
السجنُ مصيركَ إن مزَّقتَ الإعلاناتْ
لتُؤوِّلَ أحلامَ السجناءِ المَنسيِّينْ
وتكيلُ الحبَّ لتطعمَ كلَّ الشَّحاذين
في عصرِ التَّهديدِ المُجدبْ
نستجدي كلَّ المُنتفعين
نسترضي حتى البيَّاعين
في لقمةِ عيشٍ مسمومةْ
وأمامي امرأةٌ محمومةْ
واللوحةُ قاتمةٌ سوداءْ
رسمتها الخيلُ المهزومةْ .. رسمتها الخيلُ المهزومةْ .
* * *
في صدري أغنيةٌ قُتِلتْ
بحرابِ اليأسِ المسمومةْ
وبعينيْ صورةُ عاريةٍ سمراءَ تستَّرُ بالأوراقْ .
أوراقُ جرائد يوميَّةْ .
وبسمعي حشرجةٌ ونُواحْ .
لا تقتلني لستُ الفاعلْ .
لا تقتلني لستُ القاتلْ .
لا تقتلني لستُ السفَّاحْ .
فهناكَ بمحكمةِ الموتى عقدٌ ونكاحْ .
زوَّجنا الظلمةَ للمصباحْ .
وأقمنا في الدارِ الأفراحْ .
لكنَّ الظلمةَ عاتيةٌ والريحُ تُحطِّمُ كلَّ جناحْ .
هربَ الفرسانُ من الحلبة .
وبنوا من حبَّتِهِمْ قبةْ .
في قطعةِ شعرٍ منظومةْ .
وأمامي امرأةٌ محمومةْ
واللوحةُ قاتمةٌ سوداءْ
رسمتها الخيلُ المهزومةْ .. رسمتها الخيلُ المهزومةْ
* * *
في بيتي أشباحٌ سكنتْ
تَستَرِقُ السمعَ من الجدرانْ .
في النومِ وفي الصحوِ أراها .
برغيفِ العيشِ أرى شيطانْ .
بالملحِ بقهوةِ سهرتِنا ،
بالسُّكَّرِ في عُلبِ الدُّخَّان .
لكنِّي أكتمُ أنفاسي
أختبئُ بجوفِ الأرماسِ ،
لأُعدَّ القهوةَ للسهرةْ
بين الأحياءِ الأمواتِ .
أَصِلُ الماضي برؤى الآتي
وبمقبرةِ الفكرِ الحرَّةْ ،
أتحدَّى الفكرةَ بالفكرةْ ،
في حفلةِ عُرسٍ مشؤومةْ ،
وأمامي امرأةٌ محمومةْ
واللوحةُ قاتمةٌ سوداءْ
رسمتها الخيلُ المهزومةْ .. رسمتها الخيلُ المهزومةْ
* * *
بيديَّ سأنتزعُ الأشواكَ
من الأزهارِ الصيفيَّةْ .
وسأزرعها في جَوفِ الليلِ
بعصْفِ رياحٍ شتويَّةْ .
كي تزهرَ ناراً ونصولا .
وسأنقشُ صورةَ أبناءِ الشُّهداءِ
على علمِ الوحدةْ
علم التحريرِ المتحدِّي
في جبلِ الزيتونِ الأخضرْ .
ليقومَ البحرُ الميِّتُ ، قبلِ فناءِ البحرِ الأحمر،
ويمزِّقَ أكفانَ اليأسِ
المنسوجةِ في أقبيةِ العار
زنزانات العصرِ الغارقِ بالدُّولار
زنزانات الفكرِ الحرِّ يموتُ غريباً في الظُّلمةْ .
لتعيشَ خفافيشُ العتمةْ .
وتبيضُ الحيَّةُ في القمةْ ،
وأنامَ على جُرُفٍ منهار .
لكنِّي أُقسمُ : لن أُقبرْ ،
وسأوقدُ مصباحاً أحمرْ .
فالأخضرُ غابَ من اللوحةْ
وطريقُ الثورةِ مرسومةْ
رسمتْها أحجارُ الأطفالْ ،
رغمَ الفرسانِ المهزومةْ
وأمامي امرأةٌ مسجونةْ
واللوحةُ ناصعةٌ بيضاءْ
رسمتها الأيدي المشحونةْ .. رسمتها الأيدي المشحونةْ
* * *
انظرْ ... في الزاويةِ اليُسرى
شمسٌ حمراء اللونِ بغيرِ شعاعْ .
نقشتْ لتدلَّ على الإبداعْ ،
لتحاولَ باللونِ الإقناعْ ،
لتحوِّلَ أفكارَ المتفحِّصِ للألوان ،
لتشتِّتَ أفكارَ الإنسان ،
لتجمِّدَ فُوَّهةَ البُركانْ
كي تزهرَ أغصانُ الأشجارِ بغيرِ ربيع
وتسقسقَ أسرابُ سنونو
في أرضِ صقيعْ .
والدُّبُّ الماجنُ يتسلَّى
بصناعةِ كُرةٍ ثلجيَّةْ ،
قد وضعَ بداخلِها حَجَراً .
ليشجَّ1 بها رأسَ الثور
المتغطرِسِ في ميدانِ صراعْ .
الحَكَمُ
تحيَّزَ في الحَلَبةْ .
واللعبةُ صارتْ مكشوفةْ .
كشفتها جاريةُ السُّلطانْ ،
في ليلةِ عشقٍ مجنونةْ ،
واللوحةُ ناصعةٌ بيضاءْ
رسمتها الأيدي المشحونةْ .. رسمتها الأيدي المشحونةْ .

عبدالسلام زريق
03-15-2011, 08:56 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (26)



نَحْنُ التحَدِّي





بالسجْنِ نقذفُ أمْ بالنارِ نستعرُ =سيانَ لكنَّنا حتماً سننتصرُ

فلتَحْشِدوا بغيَكمْ في وجهِ ثورتِنا =نحنُ القضاءُ بوجهِ البغيِ والقدرُ

ما غيَّرَ الدهرُ منَّا طيبَ مَحْتدِنا =هنا نزارٌ .. هنا قيسٌ .. هنا مُضرُ

لو تعِقلونَ لما اخترتُم مصارعَكمْ =أو تُبصرونَ لما أودى بكم بَصَرُ

إنْ غرَّكمْ أنَّ فينا من يساومُكم =فنحن كالنارِ لا تُبقي ولا تَذَرُ

نحنُ انتفضنا وأقسمنا وفي يدنا =لكُلِّ دبَّابةٍ سارتْ بكم حَجَرُ

هيَّا اجْمَعوا كيدَكم واستنفروهُ لظىً =يضجُّ من نَتْنِهِ سهلٌ ومنحدرُ

وامشوا على جُثَثِ الأطفالِ طاهرةً =فكلُّ جُثَّةِ طفلٍ سوف تنفجرُ

ستستحيلُ دماءُ الطفلِ عاصفةً =تودي بكم فدمُ الأطفالِ مُنتصرُ

هذي أصابعه في الساحِ ما برَحتْ =مرفوعةً رغمَ أنَّ الطفلَ يُحتَضَرُ

لن تقتلوا فكرةَ التحريرِ في دمهِ =لن تقتلوها ولو في كفِّهِ ظفُرُ

شمس التحدي فلا واللهِ ما سطعتْ =إلا وكان بها من وقْدِهِ شَرَرُ

* * * = * * *

إنِّ لأَلْمَحُ تحتَ الليلِ بارقةً =بُشراكِ يا قدسُ هُبِّي أورقَ الشَّجرُ

هُبِّي .. تَرَيْ غابةَ الأشبالِ لاهبةً =تُوري الجحيمَ على منْ باسمكِ اتَّجروا

هذا الخليفةُ يحدو سيْرَ ناقتهِ =اللهُ أكبرُ لاحَ الفجرُ يا عمرُ

* * * = * * *

نحن التحدي ذُرا الجولانِ شاهدةٌ =على جبينِ العلى آياتُنا غُرَرُ

ما ضرَّنا طولُ ليلِ الغادرينَ فمِنْ =جُرْفِ الظلامِ ضياءُ الفجرِ ينتشرُ

كم قارعتْنا الليالي السودُ مُزجِيَةً =جيشَ الظلامِ وعند االفجرِ يندحرُ

إنَّ غرسنا وروَّينا الغراسَ دماً =وفي غدٍ من دمانا يعبقُ الزَّهَرُ

لقد طلعنا على الدُّنيا عمالقةً =يا ثورةَ الطفلِ شُدِّي يولَدُ الظَّفَرُ

* * * = * * *

غنَّيتُ مجدَكِ يحدوني هوى وهوىً =الخالدانِ دمُ الأطفالِ والحجرُ

طاروا أبابيلَ لم تخطئْ حجارتُهم =رؤوسَ من بسلاحِ الغدرِ قد نَفروا

دَكَّتْ معاقِلَ " صُهيونٍ " أناملُهم =فجيشُ " صُهيون " عصْفٌ راحَ ينتشرُ

هنا التّحدي سلاحُ الطفلِ أَنْمُله =وجعبةٌ من حصى سجِّيل تنهمرُ

* * * = * * *

وحين ترتفعُ الأصواتُ داعيةً =إلى السلامِ بثوبِ الخِزيِ تأتزرُ

تقيمُ في أعيني الرُّؤيا وتبهرُني =دماءُ طفلٍ ويسري في دمي خَدَرُ

كأنَّما حلبات الفتحِ غادرها =من كان للضَّرباتِ البِكرِ يبتكرُ

(كلَّا) سنكتبُها بالسيفِ من دمنا =على ضريحِ شهيدٍ تربهُ عَطِرُ

* * * = * * *

فصابِروا .. رابطوا .. تحيا أناملكم =فالنصرُ رايتُهُ وقفٌ لمنْ صبروا

عاشتْ سواعدُكم ..عاشتْ حجارتكم =عاشتْ عظامٌ بفأسِ الحقدِ تنكسرُ

من راحَ يطلبُ سلماً في مُساومةٍ =فإنَّهُ آبقٌ يا أُمَّتي قَذِرُ

إنَّا شَحَذنا بإصرارٍ حجارتَنا =فَلْيَمجْعوا كيدَهمْ حتماً سننتصرُ


1989

عبدالسلام زريق
03-15-2011, 08:58 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (27)





حِكَاياتٌ بَائسَةٌ




لا تقولي قُتلَ الحبُّ وماتْ ..
يا بلادي ..
نحنُ في دربِ الهوى أشلاءُ حبٍّ تنتظرْ
وشظايا من دمىً ملتهبةْ .
بين أنقاضِ البيوتْ .
نسهرُ الليلَ ونحكي عن بطولاتِ الجدودْ .
عن كُليبٍ وأبي زيد الهلالي .
عن بطولاتِ ابن شدَّاد المغامرْ .
ونُفاخرْ .
كلُّنا يحكي ولكنْ أيّ معنىً للكلام ؟!
شيخُنا فأرٌ يخافُ السُّمَّ
كسرةِ خبزٍ يابسةْ
كلُّنا أنقاضُ أجسادٍ
براها الجوعُ والحرمانُ في أرضِ النفوسِ البائسةْ .
إنَّنا نمشي عراةً خلفَ أثوابِ المبادئ .
نُلْبِسُ الجدرانَ آلافَ العباراتِ المضيئة .
نرفعُ الأعلامَ في ضوءِ المصابيحِ الحزينة .
نوقظُ الأطفالَ في اللَّيلِ
على صوتِ الأناشيدِ القديمة .
وعلى أرصفةِ اليأسِ نبيعُ الأمنياتْ .
ونتاجرْ ..
سلعٌ نحنُ .. وتجَّارٌ بأطفالٍ
نُقامِرْ ..
بشفاهٍ جفَّفتها عضَّةُ الجوعِ
نُقامِرْ ..
بأَكُفٍّ شقَّقتها قبضةُ الفأسِ
نُقامِرْ ..
ونلوكُ الصمتَ في الليلِ الشتائيِّ
المُخيفْ ..
ونُقامِرْ ..
حول نارِ المدفأةْ
أيضاً نُقامِرْ .
نرسمُ الأبعادَ في جَوفِ الفراغاتِ الكئيبةْ
ونُقامِرْ ...
نتمنَّى أنْ يطولَ الليلُ كي نُنهي الحكاياتِ العتيقةْ .
ونُقامِرْ ...
نملأُ الجوَّ سُعالاً ودخاناً
ورِياءْ ...
نحن لسنا أنبياءْ
نحن لسنا أتقياءْ
إنَّما نحنُ جذورُ الوهمِ
يروينا الفناءْ .
لمحةٌ نحن من الماضي بتاريخٍ مُعاصرْ .
فكرةٌ زُجَّتْ بسِفرٍ ساذجِ الأفكارِ
كافرْ ..
قطرةٌ نحنُ ببحرٍ زاخرِ الأمواجِ
ثائرْ ..
وجراحاتٌ تُغنِّي ..
في سراديبِ الشَّقاءْ .
مرحباً يا أصدقاءْ .
ليلنا همٌّ وغمٌّ
نحنُ لا نهوى الضياءْ .
نحن نسْجٌ في الزوايا
من خيوطِ العنكبوتْ
قد وُلدْنا لنموتْ
إنَّما عشنا لتحيا في دمانا الأوبئةْ .
جثثٌ نحن تحنَّطْنا فأغْرَيْنا
الحضارةْ .
لم نزلْ نحلمُ بالكفِّ التي تهدي الحياة
نبدأ التاريخَ طفلا
بعدما يمضي الغزاة
ونُغنِّي
لا تقولي قُتلَ الحبُّ وماتْ
يا بلادي
نحن في دربِ الهوى أشباحُ حبٍّ تَنْتَظرْ .
لم نزلْ نحلُمُ بالكفِّ التي تهدي لنا أسيافَنا
حُمْراً خَضيبة .
أيُّها الغارقُ بالدُّولارِ
في أرضِ الحكاياتِ العجيبة .
أيٌّها الرافعُ صرحاً
من تواقيع كئيبة
وغريبة ..
سوف تأتي الكفُّ حتماً سوف تأتي
عندها يشهقُ تُجَّارُ القماقم
ونقاومْ ..
كلُّ نبضٍ في دمانا سيقاومْ ..
رغمَ تجَّارِ القماقمْ
سنقاومْ
آهِ يا خبزَ المآتمْ ...
آهِ يا عصرَ الجرائمْ ...
مثلما جئتَ ستمضي دونَ مَغنمْ
وسَتعلمْ
يومها حتماً سَتعلمْ
أيُّنا في الساحِ أقوى قَدَما
أيُّنا في الساحِ أعلى عَلَما
أيُّنا في القولِ أمضى قلما
لا تقاومْ
لا تُساومْ
قصةُ السلمِ طلاسمْ
لا تقاومْ
زغبُ الأمسِ قوادمْ
لا تساومْ
إنَّني أصبحت نَسرا
أَقحَمُ الأجواءَ جهرا
لا تقاومْ
إنَّني أطلبُ ثأرا
إنَّني أُوقظُ فجرا
إنَّني أصنعُ نصرا ... وأُغنِّي
لا تقولي قُتِلَ الحبُّ وماتْ ...
يا بلادي
نحنُ في دربِ الهوى (أضواءُ فجرٍ تنتشرْ)

1979

عبدالسلام زريق
03-16-2011, 05:33 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (28)



تَصَوَّفَ الشِّعْرُ



في تكريم الأستاذ الشاعر
المربي الكبير عمر يحيى




عفواً براعم آمالي فديتُ هوىً =لا تذبُلي فهو في جنبيَّ يستعِرُ

تفتَّحي نوِّري أغصانَ دوحتِهِ =حتى يعطِّرَ جوَّ الدوحةِ الزَّهَرُ

هذي المواسمُ من نايٍ وقافيةٍ =راحتْ تغنِّي على أنغامِها العُصُرُ

تصوَّفَ الشعرُ في محرابِها ومضى =يهتزُّ من طربٍ إمَّا شدا عُمَرُ

فللضِّفافِ رئاتٌ من تنهُّدِهِ =وللنواعيرِ من قيثارِهِ وَتَرُ

وللطيورِ تسابيحٌ مرتَّلةٌ =وللأزاهيرِ بوحٌ مُسكِرٌ عَطِرُ

وللمنابرِ يومً الروعِ زمزمةٌ =تُتلى بحرمتِها الآياتُ والسُّورُ

* * * = * * *

يا مبدعَ السحرِ هَبني منكَ مغفرةً =إنْ لمْ يكرِّمْكَ مِمَّنْ أُبعدوا نَفَرُ

هُم من عرفتَ لهم في الشعرِ مملكةٌ =هم النبيُّونَ إنْ أهلُ الحمى كفروا

* * * = * * *

حسبي أُذوِّبُ ألحاني على كَبِدي =ومن بقايا كرومِ العمرِ أعتصرُ

لولا الحياءُ لَما أسكنتُ قافيتي =فليس في أَضلُعي خوفٌ ولا حَذَرُ

لكنَّني رغمَ ما في الصمتِ من حِكَمٍ =والصمتُ أبلغُ في آذانِ من وقروا

أقولها ورَحى الآلامِ تطحنُني =لا يعتريني بها ضَعفٌ ولا خَوَرُ

ما نحن إلا تباشيرُ الصباحِ على =أضوائنا يولدُ الإيمانُ والظَّفَرُ

أَلفيتُ كلَّ عظيمِ الشانِ مُتَّجِراً =بشأنهِ فهو في عينيَّ مُحتَقَرُ

خلِّ العتابَ فقد شطَّ الغرورُ بهم =(إنَّ الفَراشَ على الأضواءِ ينتحرُ)

ونَفِّضِ الوهمَ عن عينيَّ إنَّ يدي =مشلولةٌ وجناحي اليومَ مُنْكسِرُ

كأنَّني وسيولُ اليأسِ تجرفُني =شِلوٌ يسلِّمهُ للقاعِ منحدَرُ

أجارني الدمعُ يوماً فاستَجَرتُ بهِ =وخانني يومَ أعشى ناظريْ القدرُ

فرحتُ أحرقُ أمسي في جحيمِ غدٍ =ما زلتُ أسألُه برداً وأنتظرُ

* * * = * * *

يا حاديَ الركبِ ألحانُ الفِدا عجَبٌ =من عبْقرِ الشعرِ لا زَيفٌ ولا أَشَرُ

ما للقريضِ غدا يهذي به نَفَرٌ =شاؤوا العمايةَ حتى كادَ ينحسرُ

عابوا الأصالةَ فينا فانتضوا قلماً =تضجُّ من نتْنِهِ الألفاظُ والصورُ

وأوغلوا في غموضِ الرمزِ فاحترقوا =بمارجٍ من بروجِ الشمسِ ينفجرُ

خطّوا على الشاطئِ الرمليِّ نهجَهمُ =فإن طغى الموجُ لم يثبتْ لهمْ أثرُ

والمرجِفون تبارَوا في دوائرهمْ =حتى إذا لفَّهُمْ إعصارُنا قُبروا

وقامَ فوقهمُ العملاقُ منتصِباً =يمناهُ في الشمسِ واليُسرى بها القمرُ

ففي المجرَّةِ أصداءٌ مجلْجِلةٌ =تُحيي الأصيلَ وفي سَمْتَيْهِ تبتكرُ

* * * = * * *

يا مُسمِعَ الصُّمِّ أوتاري مقطَّعةٌ =أتتْ عليها رياحُ الغدرِ والغِيرُ

لم يبقَ منِّيَ مِنْ ظلٍّ تُؤرْجِحُهُ =أشعَّةُ الضوءِ في فَوديَّ تنكسرُ

ثم استدارتْ على قلبي فشابَ هوىً =يُدمي حناياهُ ظلًُّ الهُدْبِ واالحَوَرُ

وفارعٌ* بُتِرتْ ساقاهُ يسألُني =متى أسيرُ ؟! وتسري في دمي إبرُ

فأعطنِي الصبرَ والصمتَ الذينِ هما =سرَّا سموِّكَ في دنياكَ يا عمرُ

* * * = * * *

يا بلبلَ الدوحِ حسبي منكَ أغنيةً =يعودُ لحنُ الهوى والعمر يزدهرُ

أَسَرَّ في شاطئِ العاصي هواكَ بمن =أضناكَ في حبِّها التَّسهيدُ والسهرُ

فرحتَ تملأُ أكوابَ الهوى غُرراً =وكنتَ تحرصُ ألا يُنشَرَ الخبرُ

لكنَّه الشعرُ يا للشعرِ كم كشفتْ =آهاتُه ألفَ سِترٍ كان يستترُ

* * * = * * *

أستغفرُ اللهَ لا صبري بمنقطِعٍ =ولا سلوكيَ ظمآنٌ ولا بَطِرُ

لكنْ سمعتُ بجَوفِ الليلِ حشرجةً =كأنَّ مجدَ بلادي اليومَ يُحتَضَرُ

هوِّنْ عليكَ فهذي حالُ أمَّتنا =غِرٌّ يصولُ وشيخٌ عظمُهُ نَخِرُ

باعوا فلسطينَ .. باعوها بلا ثمنٍ =باعوا الدماءَ وفي أسواقِها سَكروا

من ذا يردُّ لقُدسِ اللهِ عزَّتَه =هل يَنتخي " خالدٌ " هل يَنبري " عُمَرُ " ؟

إنِّي سمعتُ بأرضِ الشامِ زَمجرةً =" اللهُ أكبرُ " جندُ الحقِّ قد نَفروا

بوركتِ يا شامُ يا مهدَ النضالِ على =صخرِ التحدّي سيقضي البغيُ يندحرُ

* * * = * * *

" أبا طريفٍ " وكمْ لبَّيْتَ مُندفِعاً =هذا النداءَ وكمْ أوعزتَ فَأْتَمروا

حسبُ المجالسِ إنْ آراؤها اختلفتْ =في مُعضلِ الأمرِ رأيٌ منكَ مُبتكَرُ

براعمُ الأمسِ أفذاذٌ عباقرةٌ =على خطاكَ مَشوا فانهارتِ الجُدُرُ

يروونَ للدهرِ عنكَ اليومَ ملحمةً=هامَ القريضُ بها فانسابتِ الصورُ

قلَّدتَها من كنوزِ الدُّرِّ خالدةً =يَبلى الزمانُ ولا تَبلى لها أُطُرُ

لئنْ تهدَّجَ فيها الصوتُ أرعدَه=مزمجِرٌ في الضميرِ الحرِّ مقتَدرُ

ما أنصفوكَ فهل في الدارِ مُستمعٌ =لما نقولُ وهلْ في الحيِّ مدَّكِرُ

* * * = * * *

يا واهبَ الصحبِ أوتارَ القريضِ على =أنغامكِ البكرِ ما صاغوا وما ضَفروا

هذي التسابيحُ آياتُ البيانِ على =لألائها يرقصُ الإلهامُ والوترُ

وذا " عُكاظٌ " أقاموهُ على قَدَرٍ =فراحُ يسكرُ من أنخابهِ القدرُ

وأنتَ فيهمْ إمامُ الشعرِ لا عجبٌ =إنْ كرَّموكَ فقد وفُّوا بما نَذروا
* المقصود هنا شقيق الشاعر
(غازي) وقد بُترتْ ساقاه إثر حادث

عبدالسلام زريق
03-17-2011, 01:20 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (29)



على ثَراكَ سَلامُ


في إحياء ذكرى شاعر العاصي
المرحوم بدر الدين الحامد






أَشرقْ فأنتَ على الزمانِ تَمامُ =وانشرْ ضياءكَ فاالقريضُ ظلامُ

واعصرْ كرومكَ في الدنانِ قصائداً =تصحو بها جامٌ وتسكر جامُ

واملأْ كؤوسَ الشاربينَ فإنَّهم =عشقوا خمورَ المُلهَمينَ فهاموا

لولاكَ ما جرتِ الحروفُ على فمي =شعراً تَهيمُ بسحرهِ الأفهامُ

أنا ما عرفتُ الشعرَ إلا حينما =هبَّتْ على أجيالِنا أنسامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " ألسنةُ القريضِ فصيحةٌ =لا يَعتريها اللَّبسُ والإيهامُ

كنتَ المُحلِّقَ كالسحابِ بأُفْقِنا =ولكَ البروقُ على الزمانِ تًُشامُ

للهِ صوتُكَ .. ما يزالُ بمسمعي =يحدو الجلاءَ وتخفقُ الأعلامُ

والأرضُ من فرحٍ تُزغردُ والسما =تزهو وآياتُ القريضِ مُدامُ

والشعُب كلُّ الشعبِ يهتفُ عالياً =إنَّا بلغْنا ثأرَنا يا شامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " ما بالُ الدَّوائرِ* في الحِمى =خرِستْ فلا شدوٌ ولا أنغامُ

أين العذارى الحالمات وأين مَنْ =عشقوا الجمالَ فأقعدوا وأقاموا

ومجالس الأُنسِ التي كلِفتْ بها =هذي الضفافُ ونهرها البسَّامُ

في صُحبةٍ ملكوا النفوسَ وضمَّهم =عِقدٌ يُنضِّدُهُ هوىً ووئامُ

فنجيبُ* يشدو والبلابلُ تنتشي =والزهرُ حولَ المنتدى أكمامُ

وعلى الضفافِ عرائسٌ مَجلوَّةٌ =وعلى الغصونِ المائساتِ حمامُ

في جنَّةٍ صاغَ الإلهُ جمالَها=لا شاعرٌ فحلٌ ولا رسَّامُ

ما بينَ دَهْشَتِها* وبِشْرِيَّاتِها* =يصفو الشرابُ وتسكرُ الأحلامُ

ورياضها حبِّي تُبادلُني الهوى =ونسيمُها بين الرُّبا نمَّامُ

عاشتْ على مرِّ العصورِ أبيَّةً =يزهو بها الأخوالُ والأعمامُ

إنِّي أُقدِّسُها وأعشقُ تربَها=فعليكِ يا رمزَ الفداءِ سلامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " أوتارُ القريضِ تقطَّعتْ =لمَّا تَطاولَ خارصٌ رجَّامُ

جاروا على ألقِ الأصيلِ فأظلموا =ومضوا إلى ليلِ الدَّخيلِ وناموا

يتقيَّؤونَ على الطُّروسِ وينبري =قلمٌ يباركُ قيأَهمْ هدَّامُ

تَعبوا على مُهَجِ السطورِ وأتعبوا =لا الوحيُ يسعفُهمْ ولا الإلهامُ

أمَّا قصائدهم فليتكَ سامعٌ =لا شاعرٌ فيهم ولا نظَّامُ

هم عُصبةٌ كفرتْ بإرثِ جدودِها =فكأنَّهم في هَذرهم أعجامُ

تتسلَّقُ الأبراجَ وهي كسيحةٌ =لا الجسمُ يحملُها ولا الأقدامُ

فتعودُ للأوكارِ تنعقُ في الدجى =وصدى النعيقِ الكفرُ والآثامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " كَمْ كَبَتِ الجيادُ وكم نبا =في الساحِ من بعدِ الجلاءِ حُسامُ

والعَبْشميُّونَ الذين عرفتَهم=ماذا أقولُ وهل هناكَ كلامُ ؟

كانوا إذا نارُ الجراحِ تضرَّمتْ =صلّوا على ألقِ الجراحِ وصاموا

واستعذَبوا طعمَ الشهادةِ في الوغى =ودمُ الفداءِ على الصدورِ وسامُ

خطّوا بأسفارِ الجهادِ ملاحماً =بدمائها تتعطَّرُ الآلامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " في كَبِدي الجراحُ تقرَّحتْ =ويكادُ يحملُني لها استسلامُ

أحيا ليالي الهمِّ أُحرِقُ أدمعي =تغتالني الأوهامُ والأسقامُ

وكأنَّني ما عادَ يُلهبُ جمرتي =من بينِ أكوامِ الرمادِ ضِرامُ

لا صاحبٌ أشكو إليهِ ولا أَخٌ =فبعيدُهم وقريبهم شتَّامُ

يتصيَّدونَ إذا هفوتُ خطيئةً =وعليَّ من أخطائهمْ أكوامُ

والعفوُ عندي شيمةٌ أسمو بها =والغدرُ عندهُمُ هوىً ومَرامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " هَبْ لي منكَ لفتةَ ناصحٍ =فعلى جميعِ مَقاطعي استفهامُ

شعبٌ يُشرَّدُ في العراءِ ومَوطنٌ =في ظِلِّ ألويةِ السلامِ يضامُ

والغدرُ ينشرُ كالغُرابِ جناحَهُ =وجناحه التأبيدُ والإعدامُ

حتى أتى تشرينُ والتهبَ الثَّرى =وتحطَّمتْ في زحفِنا الأرقامُ

فنسورُنا في الجوِّ تحصدُ جمعَهم =وغرابُهم تحت النسورِ حُطامُ

شقَّتْ جحافلُنا الظلامَ فأشرقتْ =شمسٌ لها فوقَ الشآمِ دوامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " قد عَصفَ النوى وتقطَّعتْ =من بعد ملحمةِ الفِدا أرحامُ

شعبٌ بأرض الرافدينِ مُجوَّعٌ =تغتالُه الأعرابُ والأعجامُ

جاروا عليهِ وأرهقوهُ وما جنى =ذنباً ولكنْ ذنبهُ الحُكَّامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " ملحمةُ النضالِ طويلةٌ =يحدو كتائبَ زحفِها ضِرغامُ

عصرٌ به الدُّولُ العظامُ تقاسمتْ =وعلى القسائمِ صُفَّتِ الأزلامُ

فتفجَّرتْ هِمَمُ الطفولةِ عندما سقطَ الكمِّيُ وحُطِّمَ الصَّمصامُ

* * * = * * *

قُمْ شاهدِ الأطفالَ من كَبِدِ اللظى =أحجارُهم بأكفِّهم ألغامُ

يرمونَ بالحَجَرِ الوريِّ كتائباً =فتُزمجرُ الوديانُ والآكامُ

ومُلثَّمونَ يخافُ برقَ عيونهم =تحتَ اللثامِ مُخاتِلٌ حاخامُ

يتنافسونَ على الشهادةِ كلَّما =عزَّ الفِدا والبذلُ والإقدامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " عفوكَ ما تلوتُ قصيدةً =إلا تثاءبَ حاسدٌ لوَّامُ

ومضى يعاتبُني ويزعمُ أنَّهُ =باسمِ الأُخوَّةِ ناصحٌ خدَّامُ

فإذا استوى العملاقُ في وثباتِهِ =بالحاسدينَ فكلُّهم أقزامُ

* * * = * * *

يا " بدرُ " في صدري تموتُ قصائدٌ =تبكي على إشراقِها الأقلامُ

عبثاً أحاولُ أنْ أشدَّ خيوطَها =للنورِ فهْيَ على الظلامِ حرامُ

فاغفرْ إذا جَمحَ القريضُ وعقَّني =فالصمتُ أدهى والخُطوبُ جِسامُ

يا " بدرُ " فاتِحتي لروحكِ كلَّما =ظهرَ الهلالُ على ثراكَ سلامُ1991






*الدوائر ... النواعير المشهورة في حماة
*نجيب ... هو المُغنِّي نجيب زين الدين
*الدهشة ... اسم ناعورة قرب مسجد أبي الفداء
*البشريات ... نواعير معروفة بجمالها

عبدالسلام زريق
03-17-2011, 05:47 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (30)


مَوْتُ العَبَاقِرَة



في رثاء الشاعر
والمُربِّي عمر يحيى





جَسَداً يموتُ العبقريُّ ويُقْبَرُ =لكنَّه أبداً يعيشُ ويكبرُ

يحيا بفكرِ التّابعين براعماً =ظمأى يُروِّيها البيانُ فتزهرُ

وتطلُّ أعراسُ الضياءِ فينتشي =من كلِّ عُرسٍ في الضياءِ ينوِّرُ

* * * = * * *

يا حاديَ الرُّكبانِ قفْ بي لحظةً =علِّيْ أرى عُمَراً بركبٍ يخطرُ

يجري الزمانُ ولا تُصَدُّ خيولهُ =يطوي جسومَ المبدعين ويعبرُ

وتعيشُ إبداعاتُهم لا تنطوي=خمراً يعتِّقُها الزمانُ فتُسْكرُ

في كلِّ كأسٍ من سُلافةِ كرمِها =سحرٌ لأصحابِ البلاغةِ يُبهرُ

تترشَّفُ الألبابُ عذبَ فراتِها =فتهيمُ في سُوَرِ البيانِ وتَسْكرُ

* * * = * * *

يا صاحبَ الذكرى عرفتكَ شاعراً =يشدو على فنَنِ الجمال فيسحرُ

قمْ من ثراكَ فلا وربّكَ ما انتهتْ =سورُ البيانِ على المنابرِ تُنذرُ

وامسحْ دموعَ القانطينَ وقلْ لهم =لا يقنطوا فالشعرُ فينا كوثرُ

يجري على شَفةِ اليراعِ قصائداً =غرَّاء في ختمِ الأصالةِ تُمهرُ

* * * = * * *

" أأبا طريفٍ " لستُ آخرَ شاعرٍ =يحدو الأصيل لعطرِ روضِكَ ينشرُ

لكنَّني أحدُ الذين تسلَّموا =دربَ الأصالةِ في الظلامِ فأبصروا

ومشوا على سَنَنِ الجدودِ مواكباً =تَترى يتيه بها القريضُ ويفخرُ

* * * = * * *

يا مُسكرَ الأجيالِ كأسكَ أترعتْ =والصائمونَ على خموركِ أفطروا

من كلِّ داليةٍ بكرمكَ أينعتْ =أعنابُها سوَرُ البيانِ تَقطَّرُ

قمْ نادِ أربابَ الوفاءِ فإنَّهم =رهنُ النداءِ قلوبُهم تتفطَّرُ

واشربْ على النغمِ الأصيلِ سُلافةً =من غرسِ كفِّكَ في المواسمِ تُعصرُ

* * * = * * *

يا صاحبَ القلمِ الربيعيِّ الرؤى=حسبي أراكَ مع الملائكِ تسمرُ

حلَّ الخريفُ وأقفرتْ سُبُلُ الهُدى =وهوتْ منائرُ واستُبيحتْ أَبحُرُ

إنِّي لأتهمُ الزمانَ وأهلَهُ =بالزَّيفِ إلا قلَّةً لا تُذكرُ

صبغوا لِحاهُم بالدماءِ وتوَّجوا =هاماتِهم بالذّلِّ ثمَّ تبخَّروا

من كلِّ مقهورٍ يجرُّ ذيولَهُ =خَزيانَ في بُؤرِ الأذى يتكبَّرُ

عربٌ ولكنْ لا سبيلَ لجمعِهم =والذئبُ بين جموعهمْ يتنمَّرُ

فانظرْ ألستَ ترى السلامَ مطيَّةً =عرجاءَ يركبُها الكسيحُ الأبترُ

* * * = * * *

يا مَنْ صَليتَ لظى النضالِ لقد مضى =جيلُ النضالِ وجاءَ جيلٌ يكفرُ

تعبتْ أناملُه فنامَ يراعُه =وصحا على مُهَجِ السطورِ يثرثرُ

وأتيتُ في زمنِ الجحودِ مدجَّجاً =والحرفُ من خطرِ القنابلِ أخطرُ

تتفجَّرُ الكلماتُ فهي صواعقٌ =فوق الرؤوسِ بهمسةٍ تتفجَّرُ

إنِّي لأُقسمُ باليراعِ مُجنّحاً =وجناحُه علمُ المُقاتلِ أحمرُ

لا يلأمُ الجرحَ الأبيَّ وثائقٌ =تُطوى على السِّلمِ الهزيلِ وتُنشرُ

* * * = * * *

يا خالداً كالبدرِ يا علماً غدا =ذكرى يداعبُها الحنينُ فتُسفرُ

ذكرى تُحيّينا فتُحيي شوقَنا =وتمرُّ مثل سحابةٍ لا تُمطرُ

ذكرى تُدغدغُ في النفوسِ عواطفاً =مشحونةً بالدمعِ إذْ نتذكَّرُ

تتلمَّسُ الأجيالُ نُبْلَ مسارِها =فتلمُّ حبَّاتِ الجمالِ وتنثرُ

* * * = * * *

يا مُلهمي سورَ البيانِ قصائداً =هلَّا ذكرتَ زمانَ جئتكَ أَعثرُ

وتلوتُ عذرائي فقلتَ لي اتئدْ =واقرأْ على مَهَلٍ ورحتَ تُكبِّرُ

وتقولُ أطربني فإنَّكَ شاعرٌ =فذٌّ وفي جنبيكَ يكمنُ عَبقَرُ

وغداً أراكَ مع الكواكبِ كوكباً =تسمو بآفاقِ القريضِ فتُبهرُ

* * * = * * *

يا خالدَ الذكرِ الكريمِ تحيَّةً =من شاعرٍ بَخَبيءِ سرِّكَ يجهرُ

قَرُبَ اللقا وتنزَّلتْ سورُ الهدى =وهفا الفؤادُ فلن أُطيلَ .. سأحضرُ


1998

عبدالسلام زريق
03-17-2011, 05:52 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (31)




نُورٌ على نُوْر




لكِ .. لا لغيركِ أزهرتْ كلماتي =فصفاءُ وجهِكِ واضحُ القَسَماتِ

نفْسٌ كما المشكاة شعَّ ضياؤها =مصباحُها يجلو ظلامَ حياتي

شفَّافةٌ كزُجاجةٍ قدسيَّةٍ =وسناؤها ينسابُ في خَلواتي

عزفتْ على وترِ الجراحِ نشيدَها =فهفا الفؤادُ لأعذبِ النَّغماتِ

وسَمَتْ لعلِّيِّين تهزأُ بالدُّنى =وتقيمُ ليلَ السُّهدِ بالصلواتِ

فكأنَّها حوريةٌ هبطتْ إلى =دنيا الشقاءِ فآنستْ قبساتي

أحببتُها للطُّهرِ للأَلقِ الذي =مُذْ كنتُ طفلاً ضاعَ في الفلَواتِ

أَرِدُ السَّرابَ ولا أُكذِّبُ لمعَهُ =أبغي ضياعَ الوقتِ في الحسَراتِ

كم من بعيدٍ كنتُ أركضُ خلفَه =حتى وَهتْ خلفَ المُنى خطواتي

ستونَ عاماً بل تزيدُ ولم أجدْ =إلَّاكِ من يُصغي إلى همساتي

ستونَ .. لم تمسحْ دموعَ كآبتي =كفٌّ تلمُّ العِطرَ من عَبَراتي

* * * = * * *

يا بنتَ داليةِ الصفاءِ عواطفي =عنقودُ آمالٍ بكَرْمِ مهاةِ

أَوَ تُدركينَ بأنَّ حبَّكِ في دمي =يَسري فتُسرِعُ في اللِّقا نَبَضَاتي

عوَّذتُه من كلِّ وسواسٍ غوى =ووقفتُهُ للهِ في سُبُحاتي

فتَخيَّري بين اللقا وقطيعةٍ =تُودي بنفْحِ أزاهرٍ عَطِراتِ

وخُذي يَراعي واكتُبي لي أحرفاً =إنِّي أخافُ الخوفَ من كلماتي

فأنا وراعفةُ الهمومِ وما أرى =حولي يؤكِّدُ للمُنى وثباتي

تستنفرُ الكلماتُ جيشَ مواجعي =وتحطِّمُ الأيامُ صُلبَ قناتي

ولقد أتيتُ إليكِ أحملُ خافقي =فترفَّقي بالعتْبِ والنظَراتِ

واستنطِقيهِ إذا رغبتِ لعلَّه =يُنبيكِ عن سهري وعن آهاتي

أو قلِّبيهِ براحتيْكِ وأَيقظي =نبضَ الحياةِ وفجِّري صبواتي

إنِّي أخافُ عليكِ منكِ فخفِّفي =إمَّا عتبتِ حرارةَ النبراتِ

وتحمَّلي هفواتِ قلبٍ مُولعٍ =يبغي الصفاءَ وسامحي هفواتي

أو .. فاتركيني للشقاءِ وأَجْمِلي =بالهجرِ كي لا تُمعني بأَذاتي

فأنا إمامُ العاشقين وخافقي =وقفٌ لأهلِ اليُمنِ والبركاتِ

ولأنتِ شريانٌ دمايَ سَرتْ بهِ =وصفاؤها يَجْلو عَمى مِرآتي

وحنينُها عبقُ الوفاءِ على المدى =وضياؤها سطعتْ به آياتي

فدَعي رحى الأيامِ تطحنُ ما بدا =عفواً ولا تقِفي على عثراتي

1998

عبدالسلام زريق
03-17-2011, 09:30 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (32)




الخَالِدَان



منابرُ الشعرِ ما للشعرِ يَختصرُ =والشمسُ ترقصُ والآفاقُ تعتمرُ

تُباركُ الشامَ مُذْ حلَّتْ ضفائرَها =وازَّينتْ فتبارى الشعرُ والوترُ

لقد تمخَّضَ فجرُ الشامِ عن أسدٍ =هو الذي في ضميرِ الغيبِ يُنتظَرُ

ألقتْ عليهِ عروسُ الشامِ مئزرَها =وأسفرتْ عن جمالٍ زانَهُ خَفَرُ

فأرهفَ الكونُ آذاناً وأفئدةً =وهبَّ يسألُ سِفرَ المجدِ ما الخبرُ ؟

تمايلَ الغارُ مزهوَّاً على بردى =وراحَ يقرأُ والتاريخًُ يفتخرُ

* * * = * * *

تسعٌ وعشرونَ يا تشرين راقصةٌ =فيكَ الأماني بأفْقِ الشامِ تزدهرُ

تسعٌ وعشرونَ ما زلَّتْ بنا قَدمٌ =وحافظُ العهدِ في أُفْقِ الهُدى قمرُ

سِرنا نصحِّحُ أهدافاً تُوحِّدُنا =يحدو مسيرتَنا الإشراقُ والزَّهَرُ

كأنَّ مُفتَرقَ التاريخِ واعدَنا =في شهرِ تشرين حيثُ المجدُ ينتظرُ

فالأرضُ من فرحٍ بالزهرِ حاليةٌ =بالطيبِ غارقةٌ بالحُسنِ تأتزرُ

إنَّا طلعنا على الدنيا عمالقةً =يا أمَّةَ العُرْبِ شُدِّي يَقدحُ الشرُ

شُدِّي تَريْ غابةَ الأشبالِ لاهبةً =وجحفلُ النصرِ كالطُّوفانِ ينفجرُ

* * * = * * *

كم حاولَ العابثونَ الليلَ فانكفؤوا =وجوههم بترابِ الخِزيِ تنعفرُ

باعوا الضمائرَ في أسواقِ سادتِهم =وأجمعوا أمرهم للكيدِ وأتَمروا

وجاء تشرينُ تصحيحاً ومَلحمةً =تجلو مواسمَهُ الآياتُ والسُّوَرُ

فاستيقظتْ حَلَباتُ النصرِ والتأمتْ =كلُّ الجراحِ وغنَّتْ باسمِنا العُصُرُ

وأبحرتْ في خِضَمِّ العصرِ بارجةٌ =يقودُ دفَّتَها للنصرِ مُقتدِرُ

هبَّتْ عليها رياحُ الغدرِ عاصفةً =بِجُنحِ داجٍ وحامتْ حولَها الغِيَرُ

لكنَّ أشرعةَ الإيمانِ ما فتِئتْ =تصارعُ الريحَ يلويها وينحسرُ

طَوراً تشقُّ عُبابَ الموجِ صامدةً =وتارةً لاجتلاءِ السَّمتِ تنتظرُ

حتى استقرَّتْ على التاريخِ رافعةً =بيارقَ النصرِ حتى صفَّقَ القدرُ

* * * = * * *

يا شهرَ تشرين كم أسكرتَ قافيتي =من غَرْسِ كرمِكَ راحُ الشعرِ تُعتَصَرُ

غنَّيتُ مجدَكَ يحدوني هوىً وهوىً =الخالدانِ دمُ الأطفالِ والحَجَرُ

طاروا أبابيلَ لم تُخطئْ حجارتُهم =رؤوسَ منْ بسلاحِ الغدرِ قد نَفروا

دكَّتْ معاقلَ صُهيونٍ أناملُهمْ =فجيشُ " باراك " عَصْفٌ راحَ ينتشرُ

هتافُهم شقَّ أبراجَ السماءِ ولم =يسمعْ هتافَهُمُ بالسلمِ مُتَّجِرُ

مضى إلى الخصمِ محمولاً على سُرُرٍ =من الخيانةِ حتى ناءتِ السُّرُرُ

يجرُّ أشلاءَ سِلمٍ راحَ صانعُه =ينضو الوَقارَ وبالتَّهريجِ يأتزِرُ

وراحَ يحلُمُ في حشرٍ يمنِّعُه =وذنبُه لم يعدْ في الحشرِ يُغتَفرُ

ويَدَّعي صحوةً في كرمِ من غَدروا =وكيف يصحو وفي أعصابِهِ خَدَرُ

معاصرُ الخمرِ حولَ الكرمِ قائمةٌ =لكلِّ من غابَ في أجوائها عذرُ

هذا يُقدِّسُ عنقوداً ويأكلُهُ =وذاكَ يلعنُ عنقوداً ويَعتصِرُ

ما بالكمْ يا ثعابيناً مُحنَّطةً =تَجمَّدَ السُّمُّ فيها وانتهى الخطرُ

أتدخلونَ جحورَ الخوفِ مظلمةً =وترقصونَ إذا ما ساءكمْ خبرُ

فلا فحيحُ الأفاعي باتَ يسعفُكم =ولا التلوِّي على مزمارِ من غَدروا

تشقَّقتْ صخرةُ المِعراجِ وانطلقتْ =أشلاؤها في كهوفِ الجُبنِ تنفجرُ

وأذَّنَ الفجرَ طفلٌ شابَ مُذْ نَبتتْ =أسنانُه ونما في كفِّهِ ظُفُرُ

وراحَ يَملا زُجاجاتِ الرّضاعِ لظىً =أَكْرِمْ بطفلٍ كما البركان يستعرُ

تزهو بكفَّيْهِ أزهارُ الفتوحِ وفي =عينيهِ يبتهلُ الإيمانُ والظَّفَرُ

لا تسلبوا الطفلَ أحجاراً يفجِّرُها =لا ترسموا الليلَ في عينيهِ يا صُوَرُ

شُدُّوا على يدِه هاتوا له حجراً =يزغردُ التُّربُ والأشجارُ والحجرُ

* * * = * * *

يا حاضِنينَ جنينَ السِّلمِ في رَحِمٍ =مات السلامُ به في عُرسِ منْ كَفَروا

ماتتْ زهورُ الأماني في مواسمِكم =وأينعَ الشوكُ حتى اسَّاقطَ المَطَرُ

وأرعدتْ سورةُ الإسراءِ قائلةً =يا ويحَ قوميَ كم هانوا وكمْ صغروا

غداً ستُقتَلُ آلافُ النذورِ على =صخرِ المُحالِ فهل تُغنيهُمُ النُّذرُ

غداً ستولدُ أشباحٌ على دمِهمْ =تحتَ الظلامِ ويروي غرسَهم كَدَرُ

أَيوأَدُ الحقُّ في قبرِ السلامِ ولا =سمعٌ لمُجتمعِ الدنيا ولا بصرُ

وأيّ راعٍ لشاةِ السلمِ يذبحُها =بنَصْلِ " فيتو " على عَمْدٍ ويعتذرُ

ويغسلُ الرايةَ الحمراءَ من دمنا =حتى إذا حانَ وقتُ الذَّبحِ تنتشرُ

ويدَّعونَ سلاماً أيّ مهزلةٍ =هذا الذي باسمِ حقِّ النقضِ ينكسرُ

* * * = * * *

يا عاقدينَ سلاماً في مظلَّتكم =يقضي السلامُ ويحيا الغدرُ والأَشَرُ

يُقهْقِهُ العارُ في ماخورِ مجلسِكم =والعدلُ تحت سريرِ الأمنِ ينتحرُ

تَرهَّلَ القومُ أفكاراً وأفئدةً =فكلُّ قولٍ عن التحريرِ مُختَصَرُ

* * * = * * *

ماذا أقولُ لأحفادي وأصغرُهم =منذُ الرضاعِ يهودَ الكونِ يحتقرُ

ماذا أقولُ لهم بل كيف أزجرُهم =إذا تحفَّزَ في أيديهُمُ حجرُ

أبكي على الشعرِ أعواماً حملتُ بها =كبرَ النضالِ فشابتْ في دمي الفِكَرُ

منْ لي بسيفٍ شآميٍّ أُجرِّدُهُ =على الرقابِ فلا يُبقي ولا يَذَرُ

* * * = * * *

غنَّيتُ فجركَ يا تشرينُ قافيةً =عذراءَ يسكرُ فيها النايُ والوترُ

سَلْسَلْتُها من دمي حمراءَ لاهبةً =وما شربتُ وجرحي راعفٌ عَطِرُ

تغزو الهمومُ شراييني مُسمِّمةً =فينزفُ القلبُ في صدري وينفطرُ

وأقطعُ الليلَ في البُؤسى أُداعبُها =وفي النهارِ أرى الأحلامَ تُحتَضَرُ

حتى أفقتُ على صوتِ البشيرِ وقد =تنفَّس الصبحُ فالأضواءُ تنتشرُ

ودَمْدَمتْ في سماءِ الشامِ راعدةً =اللهُ أكبرُ هذا الغيثُ ينهمرُ

هذي الشآمُ وحيَّا اللهُ حافظَها =فالنورُ بالغارِ في تشرين ينضفرُ

غداً تعودُ على الجولانِ رايتُنا =خفاقةً ويعودُ الأُنسُ والسمرُ

غداً نُجهِّزُ للفاروقِ ناقتَهُ =وتهتفُ القدسُ أهلاً عُدْتَ يا عُمَرُ

عبدالسلام زريق
03-18-2011, 03:31 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (33)




حَصَادُ الذِّكْرَيَات





عمري رهينُ اللظى والشوكِ والسَّقمِ =حملتُ جُرحي من الميلادِ للهرمِ

هذي التضاريسُ تكويني حرائقُها =أنا الشريدُ بها بحثاً عن الدِّيَمِ

مجرَّبٌ عند قومي ما صبأتُ ولمْ=أَسجدْ بمعبدِهم للنارِ والصنمِ

أُخفي عن الناسِ آلامي أُهدْهدُها=وفي قرارةِ نفسي يغتلي ألمي

وألعقُ الجرحَ حتى أنتشي ندماً =كمن يحاولُ دفعَ الخطبِ بالندمِ

وأُطعمُ النارَ من شحمي وأوردتي =حتى أُضيءَ ليالي اليأسِ والسَّأمِ

* * * = * * *

عندي شريطٌ حصادُ الذكرياتِ به =سجَّلتُه بالمُدى حيناً وبالقلمِ

في كلِّ ليلٍ له عرضٌ يؤرِّقُني=أنا البريءُ به في دورِ متَّهمِ

لو يحملُ الصخر لاهتزَّ الجنينُ به =من حانثيْن أمامَ الصخرِ بالقَسمِ

* * * = * * *

أستغفرُ الشعرَ كم أحزنتُ قافيةً =سلبتُ منها ابتسامَ الفجرِ في الظُّلمِ

وقفٌ أنا لحرابِ الغدرِ تنهشُني=وبين يأسي ونارِ الغدرِ ضاعَ دمي

عارٍ أمامَ جميعِ الناسِ يسترُني =ثوبُ الوضوحِ وهذا السترُ من قِيَمي

ما عابَني غيرُ قومٍ لا خَلاقَ لهم =كأنَّهم وفدُ إسرائيل في الأممِ

يَروونَ عني حكاياتٍ ملفَّقةً =لأنني النَّسرُ أَبغي شاهقَ القممِ

* * * = * * *

يا منْ زرعتُ بشطَّيْكِ المُنى فَذوتْ =لم تنجُ واحدةٌ من قبضةِ العدمِ

وأنتِ بالظلمِ دون العدلِ راضيةٌ =والحقُّ أشهرُ من نارٍ على عَلَمِ

إني أحبُّك حتى لو هدرتِ دمي =حتى العبادة أنت الوحيُ في حَرمي

تنزَّلتْ فيكِ آياتُ الهوى سُوَراً =رغمَ الجحودِ فلم أعتبْ ولم أَلُمِ

أستغفرُ الوجدَ كم غالبتُه فطغى =بين الضلوعِ كسيلٍ جارفٍ عَرِمِ

فرحتُ أكتبُ ما شاءَ الهوى ويدي =رغمَ ارتعاشٍ بها تحنو على قلمي

* * * = * * *

أنا الندى يا لظى عمري الذي نَضبتْ=منه المواسمُ إلا ساحرَ النغمِ

هذا جناحيْ الذي حطَّمتُه فغدا =يَدِفُّ بين بروجِ الوهمِ والرُّجمِ

أضحى فحيحُ الأفاعي لحنَ أغنيتي =والعندليبُ قضى في حَوْمةِ التُّهمِ

والسُّمُّ يغزو شراييني وأوردتي =فكلُّ جرحٍ بقلبي غير مُلتئمِ

أستغفرُ الجرحَ إنْ عزَّ الأُساةُ لقد=حمَّلتُه فوق ما حُمِّلتُ في شَممِ

* * * = * * *

يا باسطاً كفَّ عرَّافٍ وتقبضُها =ترمي حُصيَّاتِها كشفاً عن الهمم

أقصرْ .. لعنتُكَ لا تنطقْ بواحدةٍ =فَهمَّتي وُئدتْ في دارةِ النِّقمِ

لو أنَّ زرقاءَ جاءت تجتلي أثَري=كذَّبتها فأنا والقومُ في صَممِ

أضحتْ مجامرُنا في الدارِ خامدةً =لمْ نضطَّرمْ رغمَ ما في الحيِّ من ضَرَمِ

كم صَيحةٍ مِلْءَ سمعِ الكونِ رافضةٍ =وما انتخى لصداها أيُّ معتصِمِ

كأنَّ خيل الزحوفِ البُلْقِ أجفلَها =ذاكَ الهديرُ من الغُربانِ والرُّخُمِ

وكم شهيدٍ على محرابِ مُغْتَصَبٍ =مضرَّجٍ بدماءِ الطُّهرِ في الحرمِ

ما هزَّ عرشاً ولم نثأَرْ لمصرعهِ =إلا بأُغنيَّةٍ غربيَّةِ النغمِ

نهزُّ أردافنا رقصاً إذا انطلقتْ =وننتشي بصدى الآهاتِ و" النَّغَمِ "

أستغفرُ الموتَ إنْ شقَّتْ براثنُه =قبري ولم أنتفضْ من رقدةِ العَدَمِ

* * * = * * *

يا والغينَ دمي كالنارِ ملتهبٌ =لا تسفحوهُ على منظومةِ الأُممِ

أو فاسفحوه لتَلقوا حتفَكم فدمي =صواعقُ الموتِ يُوري الأرضَ بالحممِ

إنِّي لأقسمُ والأيامُ شاهدةٌ =لسوف أَنتعلُ الأحقادَ يا قدمي

عهدُ التظلُّمٍ والتحكيمِ قد طُوِيتْ =أوراقُهُ أُحرِقَتْ في حضرةِ الحَكَمِ

إنِّي شحذتُ دمي بالحقِّ فالتهبتْ =جوانحي وصحا العملاقُ في خِيَمي

غداً أُكَسِّرُ أقلاماً بكتْ حُرَقاً =ويُخْرِسُ الغضبُ الخلَّاقُ كلَّ فمِ

غداً سأَغسلُ تاريخي وأورِدتي =غداً أسيرُ على الأحياءِ والرِّممِ


1990

عبدالسلام زريق
03-18-2011, 05:26 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (34)





مَنْ يَشْتَري مِنِّي الضَّمِيْر






جاءتْ تبادلني الهوى بفتورِ =وترُشُّ عطرَ الوصلِ فوقَ سريري

حوريَّةٌ هبطتْ عليَّ تقودُني =عبرَ العصورِ إلى سحيقِ عُصورِ

تمشي على التاريخِ تسحبُ خلفَها =شَعراً جدلْتُ سوادَه بشُعوري

عُريانةً خلعتْ ملابسَ طُهرِها =سَحَراً بقصرِ الواهمِ المغرورِ

طَوراً تبادلُني العناقَ وتارةً =تهتزُّ مثلَ الخائفِ المقرورِ

* * * = * * *

فسألتُها من أنتِ ؟ قالت : إنَّني =جنِّيَّةٌ من عالمٍ مسحورِ

خلَّفتُ كلَّ الراكعينَ لظالمٍ =الساجدين لسيِّدٍ مقهورِ

ومضيتُ ألتمسُ الحقيقةَ والهدى =وأحلُّ قيدَ العقلِ عن تفكيري

حتى وصلتُ إليكَ من كبدِ اللَّظى =كالظِّلِّ أجهلُ في الدُّخانِ مصيري

* * * = * * *

ها همْ ألوفُ الآبقينَ تَسابقوا =يتساومونَ عليَّ فوقَ بُحورِ

جاؤوا بأسلحةِ الدمارِ وخلفَهم =يُذكي ضِرامَ الحربِ ألفُ وزيرِ

هشَّتْ لمقدمِهم وجوهٌ أدمنتْ =صفعَ النِّعالِ بغرفةِ التَّخديرِ

قرعوا طبولَ الحربِ خلفَ حدودِهم =وصحوا على أحقادِهم بفُجورِ

وتنفَّسوا برئاتِ من أكلَ اللظى =أضلاعهم فشهيقُهم كزفيري

فوقفتُ ألعنُهم وأبحثُ عن دمي =خلفَ الحدودِ بِمَهْمَهِ التَّهجيرِ

ويقامرونَ ويدَّعونَ سفاهةً =ويُساومونَ بألفِ ألفِ مُغيرِ

لولا بقيَّةُ نخوةٍ أُمويَّةٍ =لمحوتُ من سِفرِ الخلودِ سطوري

* * * = * * *

يا ليتَ أبنائي توحَّدَ شملُهمْ =وتسابقوا في حَلْبةِ التحريرِ

يا ليتَهم صَدقوا النفوسَ وأطفؤوا =أحقادَهم وسَمَوا عن التَّشهيرِ

يا ليت أسواقَ الضميرِ تفتَّحتْ =أبوابُها للبيعِ والتصديرِ

من يشتري مني الضميرَ فإنَّني =آليتُ أن أحيا بغيرِ ضميرِ

* * * = * * *

يا حارقينَ الوردَ في روضِ الحمى =يا زارعينَ الرُّعبَ في التصويرِ

يا مُطفئي شمسَ الصباحِ رويدَكم =لن تهتكوا رغمَ الظلامِ سُتوري

يا هادمي جسرَ العبورِ بحقدِكم =إني نصبتُ من الدماءِ جُسوري

لن تطفئوا شمسَ الحياةِ بغَيمةٍ =نَفرتْ بجوٍّ عاصفٍ ومَطيرِ

* * * = * * *

يا زارعينَ على الطريقِ حرابَكم=مسنونةً مسمومةَ التخديرِ

من جاء بالغربانِ تدهنُ ريشَها =بالزَّيتِ فوقَ شواطئِ التفجيرِ ؟

ولمنْ إذا قامتْ قيامةُ يَعربٍ ؟=لمن الجنانُ ؟ لمنْ يكونُ سعيري ؟

ولأجل من نمحو ونُثبتُ دولةً ؟=والخصمُ يُمعنُ باقتلاعِ جذوري

والطفلُ من رَحِمِ الحجارةِ مولداً =يرمي ويصرخُ يا ولاةَ أُموري

رشُّوا على جرحِ العروبةِ مِلحَكم =فالجرحُ أنتنَ في انتظارِ نصيري

شُدُّوا الأكُفًَّ على أكفٍّ أدمنتْ =رَميَ الحجارةِ واهتدتْ لنشوري

لا تزرعوا طُرُقَ الخلاصِ بشائكٍ =من نبتِكم كي لا يُعيقَ مسيري

ولْيَصلبوا جسدي لعاشرِ مرَّةٍ =وليَسمعوا فوقَ الصليبِ زئيري

إني سأُوقفُ بالحجارةِ سيلَهم =فيدايَ تفري عاتياتِ صخورِ

ومضتْ تجرُّ ذيولَها وتقولُ لي =بلِّغْ فَديْتُكَ لن أبيعَ ضميري




1990

عبدالسلام زريق
03-18-2011, 05:29 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (35)



صَحْوَةُ الوَجْدِ





لَكِ الدَّلالُ ولي شوقي وتَهيامي =يا وردةً ضمَّختْ بالعطرِ أيامي

لَكِ الدَّلالُ ولي قلبٌ حلفتُ بهِ =ألَّا أحبَّ وجُرحي غيرُ مُلْتَامِ

حتى رأيتُكِ فاستثنيْتُ يا قدري =هوىً بَرئتُ به من كلِّ أسقامي

وكنتُ قبلَ هواكِ الحلوِ يجرفُني =وهمٌ زرعتُ عليهِ روضَ أحلامي

* * * = * * *

يا صحوةَ الوجدِ بعد اليأسِ لا تَدعي =لغيرِ عينيكِ آفاقاً لإلهامي

وحدِّثيني بلا خوفٍ ولا خجلٍ =أو .. فاهمسي في عيوني همسَ نمَّامِ

إنِّي أحبُّ حديثَ الحبِّ تنقلُه =عيناكِ يسألُ عن شدوي وأنغامي

* * * = * * *

أنا الهزارُ وكم أنشدتُ قافيةً =من سِحرِ عينيكِ تُغري الخمرَ بالجامِ

وأنتِ خمري فهاتي الكأسَ مُترَعةً =وأسكريني أُبدِّدْ كلَّ آلامي

إنِّي أحبُّكِ يا أحلى هوىً نَسَجَتْ =شباكَهُ من دُجى عينيكِ أقلامي

فقرِّبيني إلى عينيكِ واقتربي=من مُقلتيَّ وهاتي ثغرَكِ الظامي

وأشعليني على التَّحنانِ واشتعِلي =لا تحفلي يا ندى رَوضي بلُوَّامِ

عُمْرُ السعادةِ رهنٌ في مواصلةٍ =لا تقطعيها بتسويفٍ وإحجامِ

لا تسمعي لعَذولٍ ناصحٍ فمتى =كان العذولُ نَصوحاً غير هدَّامِ

وأنتِ لؤلؤةٌ أسرارُها خَفِيَتْ=عنِ المُحبِّين في بحرِ الهوى الطَّامي

وسوفَ يَجلوكِ للعُشَّاقِ شاعرُهُمْ =حُسْناً فريداً تحدَّى كلَّ رسَّامِ

فأقبلي يا ضياءَ العمرِ مُشرقةً =كليلةِ القَدْرِ تمحو كلَّ آثامي

1988

عبدالسلام زريق
03-18-2011, 07:55 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (36)




اسْتِغْفَار






مرَّتْ بمجلسِنا والطيبُ ينتشرُ =عذراءُ يسكرُ فيها الدّلُّ والخَفَرُ

تهفو لعالَمِ آمالي يداعبُها =حُلْمُ الوصالِ ووجدٌ عارمٌ حَذِرُ

ضمتْ جناحينِ من حبٍّ ومن أملٍ =وقلبُها من كرومِ الشوقِ يعتصرُ

أحنو وتحنو كلانا هائمٌ ولنا =فيما نعاني وقد جُنَّ الهوى عُذُرُ

في مُقلتيها حنينٌ عاطرٌ أَلِقٌ =عند اللقاءِ بجفنِ السحرِ يستترُ

أحسُّها بدمي تجري مؤجِّجةً =روحي فتسكرُ من صهبائها الفِكَرُ

طارحتُها الشوقَ في خوفٍ وفي حذرٍ =فطارحتْني هواها وانجلتْ صُورُ

وغرَّدَ الحبُّ في قلبي يداعبُه =سحرُ العيونِ وظلُّ الهُدبِ والحَوَرُ

* * * = * * *

حبيبتي أنتِ .. يا الله .. كم رقصتْ =في جانحيَّ المُنى كم صفَّقَ القدرُ

كم رفَّ في مُقلتيَّ اليومَ من حُلُمٍ =وكم صحا في عروقي موسمٌ عَطِرُ

هاتي يديكِ .. تعالَيْ ننطلقْ فلنا =معارجُ الشمسِ درباً والسَّنا سُرُرُ

هاتي يديكِ .. فهذا الكونُ أجمعهُ =ملكٌ بكفِّي وأنتِ الشمسُ والقمرُ

وأنتِ .. أنتِ حياتي .. أنتِ خالقتي =أنتِ التي في هواها أزهرَ العُمُرُ

هاتي عيونَكِ هاتي منكِ كأسَ طِلاً =فخمرةُ الوصلِ من نهديكِ تُعْتَصرُ

إنِّي عشقتُ بكِ الإخلاصَ فالتمِسي =عذراً لأيامِ هجري إنَّني بشرُ

اليومَ عُدتُ بلا ذنبٍ يُدنِّسُني =بضوءِ عينيكِ يا عينيَّ أعتمِرُ

كلُّ الذُّنوبِ وقد وافيتِني لَمَمٌ =والكفرُ أصبحَ في عينيكِ يُغْتَفرُ
1985

عبدالسلام زريق
03-18-2011, 08:00 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (37)



حُبِّيْ وأَوْزَاري




أحببتُها سرَّاً وأخفيتُ الجوى =كي لا يقالَ يحبُّها ويذوبُ

وحضنتُ أحلامي التي ربَّيتُها=عشراً فشبَّتْ والفؤادُ يشيبُ

حتى إذا اكتنَزتْ وحانَ قطافُها =صَعُبَتْ وأفلحَ بالقطافِ غريبُ

وأنا الذي روَّيتُها بمدامعي =أَعصي فؤادي مرةً وأُنيبُ

في كلِّ يومٍ قصةٌ فغرامُها =عبرَ السنينِ محبَّبٌ وعجيبُ

* * * = * * *

كانتْ تعاتبُني إذا خاصمتُها =يوماً وتقسو والعتابُ يطيبُ

وتلوذُ بالأصحابِ تخطبُ ودَّهمْ =كيما أعودَ لروضِها وأثوبُ

وأنا أراوغُها وأُمعِنُ بالجفا =وأصدُّ عنها والصدودُ مريبُ

لم أعترفْ يوماً لها بعواطفي=وعواطفي رغمَ الخفاءِ لهيبُ

وأُغازلُ الغيدَ الحِسانَ سفاهةً =فتصدُّ عني فترةً وتؤوبُ

ولَكَمْ خلوتُ بها لتسعدَ باللِّقا =لكنَّ آمالَ اللقاءِ تخيبُ

* * * = * * *

كانتْ تُصافيني وتَصدقني الهوى =وتخالُ أنِّي في الغرامِ كَذوبُ

تبكي لديَّ فلا الدموعُ شوافعٌ =عندي ولا دمعي العصيُّ يُجيبُ

وتقولُ لي بتدلُّلٍ وتذلُّلٍ =هل لي بقلبكَ يا حبيبُ نصيبُ

أضنيتَني وملَكتَني وسحرْتَني =وجميعُ إحساني لديكَ ذنوبُ

فأَضيقُ بالكتمانِ يصرعُني الجوى =فيُجيبُها قلبي فدتكِ قلوبُ

كُفِّي عتاباً يا حبيبةُ إنَّني =سأتوبُ عن صدِّي نعم سأتوبُ

قسماً بحبِّكِ ما قَليتُكِ إنَّما =داريتُ عنكِ وخافقي مصلوبُ

قسماً بعينيكِ ابتهالي للهوى =وجميعُ أوزاري إليكِ دُروبُ

أهواكِ يا نبعَ الوفاءِ ومَوْسمي =من نهرِ حبِّكِ بالضياءِ خصيبُ

أهوى احتراقي في هواكِ فإنَّهُ =قدرٌ عليَّ مُسطَّرٌ مكتوبُ

فَتَبشُّ راضيةً ويشرقُ وجهُها =وتقولُ عطفكَ يا حبيبُ طبيبُ

سأَظلُّ عابدةً بمحرابِ الهوى =ولَوَ انَّني أُكوى بهِ وأذوبُ

1989

عبدالسلام زريق
03-19-2011, 04:38 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (38)




رَجْعُ الصَّدَى





تهنئةٌ لأستاذي الكريم الأديب
الكبير عبد الرزاق الأصفر
بمناسبة وصوله سنّ المعاش
أطالَ الله عمره






من الأزهارِ أقتطفُ المعاني =ومن قلبي أزفُّ لك التهني

وأرجو اللهَ أن يُبقيكَ ذُخراً =لأصحابِ البلاغةِ والبيانِ

فأنتَ أريبُنا في كلِّ رأيٍ =وأنتَ أديبُنا في كلِّ آنِ

وأنتَ الدُّرُّ في بحرِ المعاني =عليهِ نغوصُ في لُجَجِ الجمانِ

يراعُك مُسكِرُ النفَحاتِ ثرٌّ =كينبوعٍ تفجَّرَ في المغاني

جرى يهبُ الحياةَ فكانَ رُوحاً =وريحاناً تضوَّعَ من جنانِ

فأبدعَ في مغازلةِ القوافي =وأدهشَ في مُساجلةِ الكمانِ

وحلَّقَ بالعقولِ على جناحٍ =فأغرى الناسَ من قاصٍ ودانِ

وزوَّدني بآلافِ الدَّراري =فأجرى المُعجزاتِ على لساني

* * * = * * *

" أبا حَسَنٍ " أهنِّئُ فيكَ نفسي =فكرمُكَ قد تعتَّقَ في دناني

فمنكَ أضأتُ قنديلَ القوافي =وعنكَ قَبستُ أسرارَ المعاني

وبين يديكَ كم صلَّيتُ حتى =تجلَّى الشعرُ في ثوبِ افتتانِ

فكم أصغيتُ في لَهَفٍ وشوقٍ =إليكَ وأنتَ تنقشُ في جَناني

عرفتُ بكَ المعلِّمَ والمُربِّي =ونابغةَ الزمانِ على الزمانِ

زمانَ حَضَنْتَنا طُلَّابَ علمٍ =نسيرُ على هُداكَ إلى الأماني

وها أنا ذا أصوغُ لك القوافي =مُتوَّجةً بتاجِ العنفوانِ

ترقُّ حروفُها وتهيمُ نشوى =إذا أجرى جداولَها بَناني

وإنْ عزَّتْ عليَّ نذرتُ روحي =لأجعلَها تَفجَّرُ في كياني

لقد علَّمتني معنى التحدي =إذا ما الدهرُ أمعنَ بالحرانِ

أموتُ ببردِ أحلامي وأحيا =إذا سعَّرتُها في مِهرجانِ

وأجفو الموبِقاتِ لعلَّ نَحْسي =يُجافيني ولكنْ ما جفاني

يريشُ ليَ السهامَ فأتَّقيها =بآمالي وأسخرُ من زماني

* * * = * * *

" أبا حَسَنٍ " وتقفزُ في خيالي =ألوفُ الذكرياتِ بلا عنانِ

فألمحُ بارقاً في كلِّ ذكرى =يَرُدُّ الروحَ يَخطُرُ في ثواني

يُذكِّرُني بما أغنى شبابي =وأورثني الشجاعةَ في الطِّعانِ

ولقَّنني فنونَ القولِ حتى =سموتُ على البلابلِ بامتحانِ

أَصولُ بمُرهفِ الحدَّينِ عُجباً =وأخطرُ بالمُثقَّفِ واليَماني

أُفرِّقُ جمعَ أعدائي بشعري =وأَجذبُهم إليَّ بصَولجاني

وأتركُهم ورائي لا أُبالي =بمن أثنى عليَّ ومن هجاني

تَرصَّدني الظَّلومُ لصبِّ حقدٍ =ولم يَعن الأذلَّةَ بل عناني

وحمَّلني المُخاتلُ وِزرَ غيري =فلم أرقدْ على سُرُرِ الهوانِ

تحدَّيتُ المخاطرَ والمنايا =وهدَّمتُ المغاورَ والمباني

وأرهفتُ اليراعَ وذُدْتُ فيهِ =فكانَ الشعرُ أنفذَ من سِنانِ

* * * = * * *

" أبا حَسَنٍ " برغمِ سموِّ نفسي =أعاني من زمانيَ ما أُعاني

شجوتُ العاشقينَ بنايِ شعري =ونايُ الحِبِّ أخرسَ من شجاني

فكم دغدغتُ أحلامَ العذارى =بما أبدعتُ من غُرَرٍ حِسانِ

وترجمتُ المواسمَ في بلادي =فكانَ الشعرُ أصدقَ ترجمانِ

فلي نايٌ يُذيبُ الصخرَ وجداً =ببُحَّتِهِ ويغدقُ بالحنانِ

أراهُ لديَّ مِطواعاً عصيَّاً =ولكنْ في الملاحمِ ما عصاني

أُقلِّبُه على شفتيَّ حُبَّاً =فينطقُ والعيونُ له روانِ

فشعري منكَ رَجْعُ صدىً وما لي =بما نضَّدتُ من دُرَرٍ يدانِ
9-8-1995

عبدالسلام زريق
03-19-2011, 04:42 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (39)


لَيْلَةُ القَدْرِ




عيناكِ يا حلوةَ العينينِ بوحُهما =أشهى من الروحِ إنْ رُدَّتْ إلى الجسدِ

يظلُّ يجذبُني شوقٌ لسحرِهما =يُوري حنيني ولا أَقوى على الجَلَدِ

كتبتُ عينيكِ في سِفرِ الهوى سُوراً =خلَّدتُها في ضميرِ العشقِ للأبدِ

جدلتُ هُدْبَهُما وزناً وقافيةً =وصورةً ببيانٍ مُشرقٍ وندي

فما قرأتُ على السُّمارِ واحدةً =إلا وأمعنَ فيكِ الناسُ بالحسدِ

فلْتَعلمي بعد عشرٍ من عِجافِ هوىً =أني كتمتُ لكِ الأشواقَ في كَبِدي

كتمتُها وبودِّي أنْ أبوحَ بها=لكنَّني خائفٌ من حاضري وغدي

أخافُ من ردِّكِ المجهولِ يقذفُني =إلى المتاهاتِ في أُرجوحةِ الكمد

* * * = * * *

عيناكِ أُنشودتا حبٍّ وليلُهما =ليل المحبِّ مع الأفكارِ والسَّهدِ

تحيَّرَ الدمعُ في جَفنيهما زمناً =كما تحيَّرَ هذا البوحُ في خَلَدي

فرُحتُ أجمعُ أشواقي أُنمْنِمُها =شعراً وأنثرهُ كالعطرِ والشَّهَدِ

* * * = * * *

أَجنُّ يا حلوةَ العينينِ في وَلَهٍ =لمُقلتيكِ حنينَ الأمِّ للولدِ

أرى ابتسامَ الأماني في ضيائهما =وليلةَ القدرِ بين الدَّلِّ والغَيَدِ

* * * = * * *

حبيبتي يا احتراقي في هوىً شهقتْ =نيرانُه لا تزيدي النارَ واتئدي

لكِ الدلالُ ولي في الحبِّ أغنيةٌ =تزهو بثوبِ القوافي البِكرِ في صَيَدِ

فعلِّليني بمعسولٍ على شَفةٍ =كبُرعمِ الوردِ لم تَمسَسْه أيُّ يدِ

كنزُ الجمالِ فؤادُ الصبِّ يرصدُه =فكيف إنْ كانَ قلبُ الشاعرِ الغَرِدِ 1986

عبدالسلام زريق
03-19-2011, 04:49 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (40)





احْترَاقُ الوَعْدِ




بلهيبِ الموعدِ أحترقُ =ويُحطِّمُ أعصابي القلقُ

وأُكذِّبُ صادقَ إحساسي =وببابِ الوعدِ ألتصقُ

وتمرُّ دقائقُ من عمري =بدخانِ شعوري أحترقُ

* * * = * * *

بلهيبِ الموعدِ آمالي =تَزْوَرُّ كشمسِ الآصالِ

فأغادرُ مملكةَ اللُّقيا =واليأسُ يُقطِّعُ أوصالي

وأعضُّ بَناني من ندمٍ =وأُمارسُ لهوَ الأطفالِ

* * * = * * *

بلهيبِ الموعدِ مصباحي =يهفو لصريرِ المفتاحِ

ويطلُّ الفجرُ يعاتبُني =فأَهبُّ أُحطِّمُ أقداحي

وأُمزِّقُ أوراقي الظَّمأى =لجنونِ الشِّعرِ وإفصاحي 1999

عبدالسلام زريق
03-19-2011, 07:58 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (41)



لا تَعُوْدِي إِلَيَّ





عفوَ عينيكِ إنْ قتلتُ شجوني =فلقد ماتَ في في هواكِ جُنوني

أين نارُ الغرامِ تُلهبُ روحي =في جحيمِ النوى وعصْفِ الظنونِ ؟

أين جرحُ الإباءِ ؟ مات خضوعي =ماتَ وجدي وقد دفنتُ أنيني

كُنتِ ناراً تشبُّ في كلِّ عرقٍ =من عروقي وجمرةً في عيوني

كُنتِ في أحرفي نداءً حزيناً =سطَّرتْهُ مخاوفي وشجوني

كُنتِ لحناً عزفتُه بضميري =مستمِرَّاً على مدارِ السنينِ

كنتِ .. ما كنتِ غيرَ بؤرةِ وهمٍ =أبعدتْني شكوكُها عن يقيني

فتلاشى الرجاءُ بعد صراعٍ =بين زَيفِ الهوى ووجدٍ دفينِ

* * * = * * *

يا سحابَ الرجاءِ أمطرتَ يأساً =أغرقَ الوهمَ باليقينِ المُبينِ

يا سحابَ الرجاءِ في أُفْقِ وهمي =كيف تمضي على الخداعِ اللعينِ

يا سحابَ الرجاءِ بين ضلوعي =أورقَ اليأسُ بعد موتِ ظنوني

بعد عشرٍ قضيْتُهُنَّ عِجافٍ = كنتُ أُخفي خيالَها بجفوني

بعد عشرٍ من الجمودِ تَلوَّتْ =تنفثُ السمَّ في سُلافِ حنيني

* * * = * * *

أنتِ .. يا أنتِ .. اِسمعي كيف أضحى =ضوءُ عينيكِ ظُلمةً في عيوني

روَّعتْني أنيابُكِ الزُّرْقُ حتى =صارَ في الحُلْمِ خوفُها يعتريني

فاذهبي للجحيمِ لستِ ملاكاً =أنتِ وجهٌ مُقنَّعٌ بالفُتونِ

لا تعودي إليَّ ..لا .. لا تعودي =واحرقي كلَّ قطعةٍ من فنوني

اِحرقيها على لظى الهجرِ حقداً =اِحرقيها على النداءِ الحزينِ

واشربي كلَّ قطرةٍ من دمائي =في غرورٍ وبعدها مزِّقيني

فإذا متُّ يا (....) فَغنِّي =واشربي الكأسَ وارقصي والعنيني

واحرقيني من بعدِ موتي فإنِّي =أُحرقُ الأمسَ في غدٍ يرتجيني

أنتِ بعدي بقيَّةٌ من بقايا =ذكرياتٍ بطيبها كفِّنيني
1976

عبدالسلام زريق
03-19-2011, 08:01 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (42)


هَاتِي يَدَيْكِ




أحبُّ عينيكِ يُغريني بريقُهما =إنِّي بليلِهما أيقظتُ أحلامي

إذا نظرتِ إلى عينيَّ طالعَني =وجدٌ تألَّقَ في شعري وأنغامي

فأسهرُ الليلَ مجنونَ الرُّؤى أَرقاً =أَملا كؤوسَ الهوى من دَنِّ أوهامي

أعاتبُ السِّرَّ إنْ نامتْ كوامنُه =وأنفضُ النومَ عن جُرحِ الهوى الدامي

* * * = * * *

حبيبتي .. هل سألتِ الليلَ عن سهري ؟ =وبسمةَ الفجرِ عن شوقي وتَهيامي

فلو سألتِ مناديلَ الهوى نطقتْ =وأخبرتكِ بأنِّي نَهْبُ آلامي

وحدَّثتكِ بما ألقاهُ من شغفٍ =فكلُّ خيطٍ بها من نَسْجِ نمَّامِ

كأنَّني وهوى عينيكِ يجذبُني =طفلٌ يحاولُ أن يمشي بإقدامِ

يخشى السقوطَ ويمضي من سذاجتِه =يعاقبُ النفسَ إنْ همَّتْ بإحجامِ

* * * = * * *

حبيبتي .. يا جنى عمْري الذي نضبتْ =منه المواسمُ في روضِ الهوى الظَّامي

إنِّي أخافُ ثواني العمرِ تأكلُها =عقارب الوقتِ تمحو كلَّ أرقامي

وأنتِ بسمةُ زهرٍ في تَفتُّحِهِ =ونفحةُ الوردِ مزهوَّاً بأكمامِ

هاتي يديكِ تعالي نختلقْ سَبَباً =يُبرِّرُ الوصلَ أو نَفنى بآثامِ

إنِّي صُلِيْتُ سعير الهجرِ أحرقني =من كنتُ أهواهُ إمعاناً بإجرامِ

وجاء حبُّكِ يُطفي النارَ في كبدي=يروي غليلي ويشفي كلَّ أسقامي

فأزهرَ العمرُ يا عمري بروضِ هوىً =يحنو عليَّ لقد جدَّدْتِ أيامي

وقد رجعتُ ربيعاً دائماً وزهتْ =فيَّ الدماءُ وصارَ السَّعدُ خَدَّامي

عبدالسلام زريق
03-19-2011, 08:04 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (43)




تَبَارَكَ الحُبُّ





بريقُ عينيكِ يُحيي القلبَ والعصبا =إنِّي عشقتُ بكِ الإخلاصَ والأدبا

حبيبتي أنتِ يا أنغامَ قافيتي =يا لؤلؤاً في بحورِ الشعرِ ما نَضبا

ألهمتِني من رؤى عينيكِ أغنيةً =ذوَّبتُ فيها فؤادي فانتشى طربا

لقد وهبتُكِ قلبي فاسكني بدمي =تَغلغلي في شراييني هوىً وصبا

وأرضعيني سُلافَ الحبِّ يُسكرني =وأبعِدي عن شفاهي الخمرَ والعنبا

وعلِّليني بثغرٍ ريقُه عسلٌ =علَّمتُه كيف يعطي الشهدَ فانسكبا

هذي الشفاه وما أَحلى تلهُّفِها =لقبلةٍ كاللَّظى تستمطرُ السُّحُبا

لي في هوى النارِ آياتٌ مرتَّلةٌ =تباركَ الحبُّ ما أعطى وما وهبا

تباركَ الشوقُ في عينيكِ يُبدعني =فأُبدعُ الشعرَ في عينيكِ مُلتهِبا

تباركَتْ وشوشاتُ الليلِ في سَحَرٍ =فمن شذاها يراعُ الفجرِ ما كتبا

في كلِّ حرفٍ كنوزٌ فيكِ يرصدُها =فليسمعِ الجنّ من آياتِه عَجَبا

إني أحبًُّكِ فوق الحبِّ يملكُني =وجدٌ تقدَّسَ أنْ نعزي له سببا

منزَّهٌ عن كلامِ الناسِ إنْ وصفوا =مشرَّفٌ من سماواتِ الهوى نسبا

إني وهبتُ له عمري وقافيتي =وكمْ تعبتُ وحسبي أعشقُ التَّعبا

إنْ كانَ في الحبِّ ما يُضني الفؤادَ فقد =وجدتُ حبَّكِ يُحييْ القلبَ والعَصَبا
1984

عبدالسلام زريق
03-20-2011, 07:41 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (44)




جَلَّ الشَّهِيْدُ




جلَّ الشَّهيدُ لقد وفَّى بما وعدا =وأرخصَ الغاليَيْنِ الروحَ والجسدا

فاسألْ ذُرا الشيخِ* يومَ الرَّوعِ كمْ سمعتْ =وكمْ أتاها من التَّزآرِ رجعُ صدى

قرآنهُ في فمِ الرشاشِ يقرؤه =والحقُّ والنصرُ في قرآنه اتَّحدا

تقحَّمَ الهولَ لم يخفلْ بلاهبةٍ =إذْ راحَ يخطرُ فيها ضيغماً حرِدا

لبَّى ذرا القدسِ إذْ ناداهُ مضطهَدٌ =فلم يُطِقْ أنْ يَرى في القدسِ مُضطَّهدا

وانقضَّ يحملُ في جنبيهِ ألفَ هوىً =لثأرِ يافا وللأعداءِ ألفَ رَدى

فلَّ الحديدَ وما فُلَّتْ عزيمتُه =كالرَّعدِ مُنفجراً كالشَّمسِ مُتَّقدا

وراح يَصلى ويُصلي الغادرين لظىً =لمَّا تصدَّى لهم حتى غَدوا بددا

واستقبلَ الموتَ وضَّاحَ الجبينِ كمنْ =يستقبلُ الفجرَ مخضلًَّ الرؤى غَرِدا

* * * = * * *

يا باذلَ النفسِ ما أغرتكَ فاتنةٌ =غير الشهادةِ حسناً آسراً وندى

دربُ الخلودِ بساحِ الحربِ أوَّلها =وافيتَها مؤمناً بالنصرِ مُعتقدا

كم وقفةٍ لك شرَّفتَ النضالَ بها =وكنتَ كالشمسِ تهدي النورَ والرَّأدا

غضبتَ للأرزِ يَدمى في مشاحنةٍ =إذْ أجمعوا الأمرَ واغتالوه منفرِدا

رأوا بلبنانَ منجاةً لما عَقدتْ =كفُّ الخيانةِ والغدرُ الذي احتشدا

لَئِنْ تنكَّرَ للتحريرِ خائنهُ =وراح يحشدُ في أوكارهِ العددا

فقد مَضيْنا إلى لبنانَ نرفدُه =بأبحُرِ الدَّمِ يا سعدَ الذي رفدا

* * * = * * *

فديتُ أرزَكَ يا لبنانُ كم سَهِرتْ =عليكَ عينُ الحِمى والجفنُ كم سهدا

جاؤوا إليكَ أساطيلاً محمَّلةً =بالحقدِ والموتِ يا ويحَ الذي حقدا

هبُّوا على وعدِ " أمريكا " لهم فمَضوا =يشدُّ ساعدَهم مَنْ أصلَهُ جَحَدا

وعدٌ على وعدِ " بلفورٍ " له هدفٌ =وقد وأدناهُ فيهم قبلَ أنْ ولدا

يمضي الطُّغاةُ ويبقى الشعبُ منتصِباً =كماردٍ لكنوزِ النصرِ قد رُصِدا

* * * = * * *

يا أرزَ لبنانَ في القُربى لنا رَحِمٌ =إني لأشفقُ أنْ ألقاكَ مضطَّهَدا

" أنطونُ " يا أرزُ يمضي في خيانتِهِ =فيحرقُ القلبَ يا لبنانُ والكبدا

يمشي على جُثَثِ الأطفالِ مرتدياً =ثوبَ المهانةِ مزهوَّاً بما عَقدا

وكلّ ما يبتغي الأوغادُ من وطني =أن يحصُدَ اليأسَ لا أن يزرعَ الشّهدا

* * * = * * *

وقفتُ شعريَ للأبطالِ أُبدعُهُ =أشتقُّ من كبدي الأوتارَ مجتهدا

إني لأبرأُ من نفسي وقافيتي =إنْ لم يذودا عن الأوطانِ يومَ فِدا

حسبُ الخلودِ دروبَ الموتِ تمنحُه =نمضي ركوباً لها يا ذلَّ من قعدا

قد صفَّقتْ جنباتُ الخُلدِ من فرحٍ =وسَلْسَلتْ وِردها الصَّافي لمن وَردا

عرائسُ الحورِ ترنو في مدارجِها =تستقبلُ البذلَ والإقدامَ والصَّيَدا

لم تعرفِ الأرضُ أوفى خافقاً ويداً =من الشهيدِ على حُصبانها رقدا

* * * = * * *

يا واهبَ النفسِ تَرقى في معارجِها =إلى السماءِ نعيماً خالداً أبدا

قلْ لي بربِّكَ ماذا أنتَ مدَّخِرٌ =غير الخلودِ يُعزِّي الأهلَ والولدا

النُّعْمَياتُ بدنيا الناسِ فانيةٌ =من عاشَ فيها يُعاني الهمَّ والنَّكدا

وعندَ ربِّكَ جناتُ الخلودِ زهتْ =عيشاً كريماً وإنعاماً ونورَ هُدى

ما ماتَ من خطَّ سِفرَ المجدِ من دمِهِ =لمَّا سقى التُّربَ يومَ الزحفِ بل وُلدا
1983




ذُرا الشيخ ... جبل الشيخ حيث
دارتْ معركة السادس من تشرين
عام 1973

عبدالسلام زريق
03-20-2011, 07:46 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (45)



أَحْلَى فَرَاشَة




طوفي بروضِ الحبِّ مثلَ فراشةٍ =وتألَّقي بقصائدي وبَياني

وترفَّقي بفؤادِ صبٍّ شاعرٍ =أتعبتِهِ باللَّفِّ والدَّورانِ

يسقي ورودَ هواكِ من آلامهِ =ويعيشُ يشربُ لوعةَ الحرمانِ

كم شاهدتْ عيناهُ طيفَكِ مُقبلاً =فطوى لديهِ صحائفَ النِّسيانِ

ليطيرَ للطَّيفِ الجميلِ كأنَّه =عصفورُ دوحٍ هامَ في الأفنانِ

جُنْحاهُ حبُّكِ والسُّهادُ فلا يَرى =إلَّاكِ حُلْماً مُشرقَ الألوانِ

فلِمَ البعادُ وقد عشقتِ فتونَهُ =وعشقتِ سحرَ حديثِه الفتَّانِ

* * * = * * *

يا حلوةَ العينينِ يا أندى هوىً =لولاكِ ما عصفَ النوى بكياني

يا عذبةَ الشفتينِ ثغرُكِ خمرتي =فلْتُسكري بالثَّغرِ صَحْوَ جَناني

يا طِفلةَ النهدين نهدُكِ مرفئي =في بحرِ أشواقٍ بلا شُطآنِ

يا غضَّةَ العِطفينِ يا أندى ندىً =من غضِّ أغصاني وزهرِ جِناني

أهواكِ .. أهوى سحرَ صوتِكِ ذائباً =بدمي يدقُّ النبضَ في شرياني

أهواكِ مجنون الغرامِ كأنَّني =قيسٌ وحبُّكِ آخذٌ بعناني

أهوى تثنِّي الخصرِ أهوى بسمةً =في مُقلتيكِ تُذيبُني بحنانِ

أهوى عذابي في هواكِ لأنَّني =أحيا بحبِّكِ يا ربيعَ زماني

1984

عبدالسلام زريق
03-20-2011, 07:49 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (46)



أَحْلَى عَاشِقَيْن



سمحتْ لي بقبلةٍ وتثنَّتْ =تسترُ الوجهَ باليدين اللُّجينِ

جُلَّنارُ الخدودِ صارَ لهيباً =ودموعُ الحياءِ في المُقلتينِ

واحتراقُ الشِّفاهِ يسري بفيها =يوصلُ الكهرباءَ للبُرعمينِ

* * * = * * *

لحظةً أعرضتْ وعُدتُ فعادتْ =تحتويني بصدرِها واليدينِ

فشممتُ العبيرَ من عارِضيْها =ورضعتُ الحنانَ من مُسكرينِ

صلواتٌ تنسابُ من مُقلتيها =ودعاءٌ يذوبُ في شفتينِ

وتَشَهٍّ للوصلِ يكمنُ فيها =كخيارِ الأطفالِ في لُعبيتنِ

هذه تجذبُ الفؤادَ إليها =في اشتعالٍ وتلكَ تحلو لعيني

إنَّه شاعرٌ يذوبُ حناناً =ويذيبُ الحبيبَ من نظرتينِ

أسكرتْني حروفُه إذْ تغنَّى =بعيوني والشَّعرِ والحاجبينِ

وتلاقتْ شفاهُه وشفاهي =ونسيتُ الوجودَ في رِعْشتينِ

واستحالَ الوقوفُ لمَّا احتواني =فجثونا وهناً على الرُّكبتينِ

ضُمَّني .. ضُمَّني إليكَ قويَّاً =نحنُ أحلى .. عفوَ الهوى عاشقينِ
1983

عبدالسلام زريق
03-20-2011, 07:52 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (47)





المُسْكِرَان





لي في غرامكِ آيةٌ رتَّلتـها في مَعبــدينْ
في معبدِ الإخلاصِ يجذبنـي بريقُ المُقلتينْ
في دُرَّتينِ كبُرعمـيْ وردٍ علـى رُمَّانتيـنْ
تتأرجحانِ بصدركِ العاجـيِّ في أُرجوحتينْ
فتُحلَِّقـانِ وتهبطانِ كطــائـرينِ مغرِّدينْ
وأنا أَهيـمُ بوادييـنِ وشاطئيـنِ وقمَّتيْـنْ
أعلو وأَهبطُ سابحاً متعلِّقـاً فـي موجتيـنْ
وأضلُّ في هذا العُبـاب وأهتـدي بمنارتينْ
عيناكِ يا بحرَ الهـوى تتألَّقـانِ كنَجمتيـنْ

* * *

فإذا وصلتُ مرافئَ الأحلامِ أطلقتُ اليديـنْ
أجنـي مواسمَ غضَّةً من وجنتينِ وناهديـنْ
" شقراءُ " حبِّي جنَّةٌ بهواكِ يصبـحُ جنَّتيْـنْ
غَيْري يفوزُ بموسـمٍ وأنا أفوزُ بمَوْسِميـنْ

* * *

" شقراءُ " ما كذبَ الوشاةُ فنحنُ أغوى عاشقيْنْ
قولي لمنْ شربَ الطِّلا خُذْ من هوانا جُرعتينْ
إنْ كنتَ تعرفُ مُسكراً فلقـد عرفْنا المُسكرينْ
1986

عبدالسلام زريق
03-20-2011, 09:44 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (48)





أنَا لَنْ أَصُومَ سَأُفطِرُ





أحببتُها لا أُنكرُ =داعبتُها أستغفرُ

ثغرٌ كبُرعمِ وردةٍ =منه الهوى يتقطَّرُ

والنَّهدُ بركانُ مُنىً =من لمسةٍ يتفجَّرُ

والشَّعرُ شلالُ سنىً =والليلُ منهُ يُضْفَرُ

* * * = * * *

جاءتْ تَميسُ بقدِّها =فحسبتُها تتكبَّرُ

جلستْ بقربي ساعةً =كالعمرِ بل هو أقصرُ

ضاحكتُها فتضاحكتْ =قالتْ كفاكَ تُثرثرُ

إني عرفتكَ شاعراً =تَسبي العقولَ وتسحرُ

كمْ في حياتكَ من هوىً =وتقولُ عمريَ مُقفِرُ

لمنِ القصائدَ صُغتَها =إيَّاكَ إني أُنذرُ

قلْ لي بربِّكَ من تُرى =جاءتْ إليكَ تبخترُ

فضممتَها ولثمتَها =وفعلتَ ما لا يذكَرُ

* * * = * * *

ومنِ التي أحببتَها =ثمَّ انبرتْ تتنكَّرُ

فهجوتَها بقصائدٍ =هي كالجحيمِ تسعَّرُ

ولعنتَ قافيةَ الهوى =ومضيتَ تجحدُ تكفرُ

ثم انكفأتَ مُجرَّحاً =تبكي الهوى تتحسَّرُ

أَجميعُهنَّ كفرنَ في =عهدِ الهوى يا أسمرُ

* * * = * * *

فأَجبتُها يا حلوتي =للحبِّ لا أتنكَّرُ

الحبُّ روضُ حياتنا =بالقربِ يورقُ .. يُزهرُ

والحبُّ خمرُ شبابنا =يصفو فلِمْ لا نسكرُ

مسكينةٌ من تدَّعي =طُهراً فحبِّي أطهرُ

* * * = * * *

ما دمتِ أنتِ حبيبتي =وهواكِ لا أتغيَّرُ

فإذا هجرتِ فإنَّني =متجدِّدٌ متغيِّرُ

عمري هوايَ بدونه =روحي تموتُ وتُقبَرُ

والحبُّ سرُّ تألُّقي =لَيلي بحبِّكِ مُقمِرُ

أنا لن أفارقَ خمرتي =والكونُ حولي يسكرُ

* * * = * * *

مالتْ عليَّ ضممتُها =واستسلمتْ فتصوَّروا

قبَّلتُها فتأوَّهتْ =ثمَّ انثنتْ تتكسَّرُ

هذا سماطُ قصائدي =أنا لن أصومَ سأفطرُ
1984

عبدالسلام زريق
03-21-2011, 05:30 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (49)




طَرِيْقُ النَّارِ




أذوبُ ومنْ بسحركِ لا يذوبُ =وسهمُكِ رغمَ بعدكِ لا يخيبُ

أذوبُ جوىً وتُرهقُني جراحي =وقد عزَّ المُجرِّبُ والطبيبُ

أتوبُ إليكِ إنْ أذنبتُ يوماً =وأمَّا عن غرامكِ لا أتوبُ

أحبُّكِ لو عرفتِ مدى التياعي=وقد بَعُدَ المقرِّبُ والقريبُ

لَمَا أسرفتِ في في هجري شُهوراً =أخِبُّ بها وتلفظُني الدروبُ

* * * = * * *

سئمتُ على مدى الخمسينَ عمري =يعاندُني بهِ القدرُ الرهيبُ

وأنتِ .. وأين أنتِ من احتراقي ؟ = ومن شوقي فهل هدأَ الوجيبُ

وقلتُ : لعلَّ ليل السُّهدِ ولَّى =ومن ناري أضاءَ ليَ اللَّهيبُ

صباحَ دخلتِ في خفرٍ غريبٍ =وهدْهَدَ مُهجتي أملٌ غريبُ

وقلتِ وفي عيونكِ ألفُ وعدٍ = " صباحُ الخيرِ " وانتشرتْ طُيوبُ

وغِبتُ بعالمٍ للسحرِ يزهو =على كلِّ العوالمِ لا أجيبُ

ونَبَّهَني حياؤكِ قلتُ أهلاً =فعادَ لحُمرةِ الخدِّ الحليبُ

* * * = * * *

فكيف مضيتِ ؟ كيف بَعُدتِ حتى ؟=تمكَّن من وضاءتكِ الشُّحوبُ

أما كنَّا تعاهدْنا بليلٍ ؟=ربيعيٍّ به خفقتْ قلوبُ

تغيبُ نجومُه إمَّا ظهرْنا =ويغمرُنا الصباحُ ولا تغيبُ

ومرَّ العامُ يحملُ ذكرياتٍ =ولا أحلى وموسمُه خصيبُ

فما أخلفتِ لي وعداً حبيباً =ولم أَلمسْ بحبِّكِ ما يُريبُ

حنانكِ .. إنْ نَسيْتِ فلستُ أنسى =وهل ينسى حبيبتَه الحبيبُ ؟

وذنبكِ أنَّ حبَّكِ كان طفلاً =طريق النارِ أوَّلها ذنوبُ
1986

عبدالسلام زريق
03-21-2011, 05:34 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (50)




مِحْرَابُ الحُبّ






أبشِرْ خريفَ العمرِ لستَ يبابا =نَيْسَنْتُ آمالي وعدتُ شبابا

جاءتْ تبادلُني الحنانَ فعادَ لي =حبُّ الحياةِ وكان قبلُ سرابا

حوريَّةٌ هبطتْ عليَّ بسحرها =ترنو فيأسرُ لحظُها الألبابا

قالتْ : ولَحْنُ العندليبِ حديثُها =إنِّي لأجلكَ لا أُطيقُ غيابا

أولستَ تعلمُ أنَّ قلبي عاشقٌ =يرجو من العشقِ الطَّهورِ ثوابا

أنا ما عرفتُ الحبَّ إلا عندما =طالعتُ في الحبِّ القديمِ كتابا

هذا صراخُكَ* في دمي متلهِّبٌ =يسري بأوردتي مُنىً ورِغابا

أغرتْ فؤادي بالهُيامِ سطورُه =في كلِّ قافيةٍ أحبَّ وذابا

وحضنتُهُ أحنو على صفحاتِه =وأغارُ ممَّنْ جرَّعتكَ عِتابا

وأتيتُ أحملهُ وقلتُ : بلهفةٍ =هذا جحيمُكَ ؟ وانتظرتُ جوابا

وغَرِقتَ في بحرِ الذُّهولِ ولم تُجِبْ =فعرفتُ أني قد حملتُ عذابا

* * * = * * *

يا شاعري المجروح ما ماتَ الهوى =فكرومُنا قد أينعتْ أعنابا

هذي عناقيدُ الوفاءِ شهيَّةٌ =فاعصرْ لنا واسقِ الهُيامَ شرابا

وامسحْ دموعَكَ يا حبيبُ فإنَّنا =نجتازُ رغمَ الحاسدين صِعابا

* * * = * * *

يا حلوةَ العينينِ يا أملاً سرى =في جانحيَّ يخدِّرُ الأعصابا

أسكرتِني وملأتِ كلَّ عوالمي =أُنساً وتَحناناً هوىً صخَّابا

عوَّذتُ حسنكِ من عيونِ عواذلٍ =حشدوا عليكِ حبائلاً وحِرابا

حسبوا هوانا نزوةً لم يُدركوا =أَنَّا نشيِّدُ للهوى مِحرابا

أنا بانتظارِ شذاكِ كُلَّ صبيحةٍ =إذْ تَخطرين وتنشرينَ مَلابا

مُرِّي عليَّ وأنعِمي بتحيَّةٍ =تحلو على شَفةِ النهارِ رضابا

واستأثري بفؤادِ كهلٍ شاعرٍ =بهواكِ يزخرُ قوةً وشبابا1983


* إشارةً إلى الديوان الأول
للشاعر (صراخ الجحيم)

عبدالسلام زريق
03-21-2011, 07:39 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (51)





قُيُوْدُ الهَوَى





أجابتْ : وكنَّا نشعلُ الشَّوقَ بيننا =بحُلوِ حديثٍ عن رقيقِ المشاعرِ

حبيبي : تغزَّلْ بي فإنَّكَ شاعرٌ =ويُسعدُني أن تصبحَ اليومَ شاعري

وغرِّدْ كما تهوى وإيَّاكَ أن أرى =سوايَ يرشُّ العِطرَ خلفَ السَّتائرِ

وحاذرْ من العُذَّالِ تَدَرأْ سهامَهم =وإيَّاكَ أنْ تُصغي لخِبٍّ مُسايرِ

* * * = * * *

فقلتُ : وفي جنبيَّ ما ليسَ ينتهي =من الشوقِ يا روحي فدتكِ نواظري

كلامُكِ كالدُّرِّ النَّثيرِ دعي يدي =تُطرِّزْ به شِعري وتُلهِبْ مجامري

فإنِّي محبٌّ والحياةُ شهيَّةٌ =إذا كان من أهوى نقيَّ السرائرِ

تَعالي إلى روضي نَطُفْ برحابه =لنقطفَ عطراً من أريجِ الأزاهرِ

سنشدو مع الأطيارِ في حضنِ أيكةٍ =نزفُّ إلى العُشَّاقِ حلوَ البشائرِ

ونعدو كما الأطفال خلفَ فراشةٍ =ونأوي إلى دَوحٍ من الحرِّ ساترِ

هنالكَ نغفو والنسيمُ يَلُفُّنا =كغُصنينِ في جوٍّ من الحسنِ آسرِ

وبينَهما الأزهارُ تحكي مواسماً =من الشوقِ فاضتْ بعد حُسْنِ تَجاورِ

* * * = * * *

تعالَيْ أُنضِّدْ كلَّ يومٍ قصيدةً =تهيمُ بلحنٍ من جمالكِ ساحرِ

تزفُّ لكِ الأشواقَ شِعراً مُنَمْنَماً =بعِقْدٍ فريدٍ من لآليكِ باهرِ

فإنِّي أسيرُ الحُسْنِ قيَّدني الهوى =ولستُ على كَسْرِ القيودِ بقادرِ
1995

عبدالسلام زريق
03-21-2011, 07:42 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (52)



رُدِّيْ القَصَائِدَ





رُدِّي قصائديَ الحمراء رُدِّيها =لقد أَسلتُ فؤادي في قوافيها

ردِّي القصائدَ رُدِّيها بلا خجلٍ =قد يسأمُ " الدّرجُ " من أفكارِ ماضيها

رُدِّي القصائدَ ردِّيها فلستِ لها =ولستِ أهلاً لآهاتٍ أُعانيها

ردِّي إليَّ بياني بعدما احترقتْ =حروفُهُ الخُضْرُ إذْ أحرقتِني فيها

ردِّي إليَّ شراييني وأوردتي =أسرفتِ في الحبِّ تزويراً وتشويها

يوماً توهَّمت أني عاشقٌ دَنِفٌ =أَلَّهْتُ فيكِ معاني الحبِّ تأليها

وقلتُ جاءتْ فيا أهلاً بطلعتِها =هذي سمائي وأشعاري دَراريها

لكنَّه الوهمُ .. يا للوهمِ كم عصفتْ =رياحُه بفؤادي فانتشى تِيها

يُسلْسلُ الشعرَ نشواناً بكأسِ هوىً =في حانةِ الحبِّ تُغريه ويُغريها

أستغفرُ اللهَ أين الحبَّ يا قدري =فاستغفري للقوافي إذْ أُواريها

أغرقتُ في لُجَّةِ الهجرانِ أمتعتي =وجئتُ أنفضُ عن رُوحي مآسيها

عبدالسلام زريق
03-21-2011, 07:46 PM
المصدر
ديوان جراح الصميم
رقم القصيدة (53)



مَلْحَمَةُ الدَّمِ والحِجَارَة





نضَّدتُ من مِزَقِ الجراحِ عُقودا =وضممتُ من عَبَقِ الدماءِ ورودا

وفتلتُ حبلَ الوصلِ بين قصائدي =والطِّفل فانبثقَ النهارُ جديدا

فكتبتُ ملحمةَ الدماءِ بأحرُفٍ =رفَّتْ على شَفةِ الخلودِ خلودا

* * * = * * *

آمنتُ بالأطفالِ من كبدِ اللَّظى =يرمونَ بالحجرِ الوَريِّ يهودا

تتعشَّقُ الأسماعُ وقْعَ نعالهم =يتسابقونَ إلى الفداءِ وفودا

يمضونَ والغضبُ الرَّضيُّ بزحفِهم =يَهبُ الكفاحَ سواعداً وزُنودا

* * * = * * *

يا أيُّها الأطفالُ نَزْفُ دمائكم =نسجَ الصمودَ على البِطاحِ بُنودا

طفلٌ بحضنِ أبيه كان يضمُّهُ =ليردَّ عنهُ النارَ والبارودا

لو أنَّ وحشَ الغابِ جاعَ ولم يَجدْ =إلا " محمَّدَ " صدَّ عنهُ صدودا

قتلوا الضياءَ بمُقلتيْهِ وصَرَّحوا =" كانَ الضِّياءُ بمُقلتيْهِ شديدا "

* * * = * * *

قسماً بـ " دُرَّة " بالدماءِ زكيةً =تروي سنابلَ زرعِكم تخليدا

قسماً بأيديكم بمسقطِ رأسِكم=بالمسجدِ الأقصى يزفُّ شهيدا

بالحافظينَ عهودَ من عشقوا الثَّرى =بمُكبِّرينَ يُدمْدِمونَ رُعودا

بالحاملين النارَ بين ضلوعِهم =يتواثبونَ على العدوِّ أُسودا

لَنُمزِّقنَّ الغدرَ لو بأظافرٍ =بأَكُفِّ من لبسوا الدماءَ بُرودا

* * * = * * *

يا غَضبةَ الطِّفلِ الذي بَهَرَ الدُّنى =عَزماً وإقداماً فِدىً وصُمودا

قَدَرُ الطفولةِ أن تكوني غضبةً =لا تقبلُ التهويدَ والتشريدا

* * * = * * *

يا أيُّها الأطفالُ أيُّ قصيدةٍ =تَرقى لطُهرِ دمائكم تَمجيدا

بدمي لو امتنعَ اليَراعُ قصائدٌ =حُمْرٌ تسيلُ من الجراحِ وريدا

عوَّذتُ غضبتَكم بفَيْضِ دمائكم =بالأكرمينَ مَحاتِداً وجُدودا

بالمؤمنينَ بزحفِكم وهتافِكم =" اللهُ أكبرُ " همَّةً وصعودا

بالمانعينَ الواهبينَ بلادَهم =الرافعينَ من الضياءِ عَمودا

بالعاقدينَ الغارَ فوقَ جِباهِهم =تيجانَ عِزٍّ ترفضُ التهويدا

عوَّذتُها بالنَّاذرينَ شُبولةً =بالأمِّ تدفعُ خالداً وسعيدا

من خائفينَ على الطريقِ تساقطوا =من كلِّ مشلولٍ يجرُّ قَعيدا

من عاقدينَ السِّلمَ تحتَ مِظلَّةٍ =نسجَ العدوُّ خيوطَها تمهيدا

من كلِّ مأفونٍ يخورُ مُصرِّحاً =في الليلِ يخشى في النهارِ رُدودا

ثوروا فلسطينُ السَّليبةُ كلُّها =مثوى الجدودِ مفاوزاً ونُجودا

لولا أخافُ اللهَ لم أُشركْ به =لَتَخِذْتُ من أحجارِها معبودا

فتَقحَّموا الغَمَراتِ لا تَهِنوا ولا =يحزنكمو من بدَّدوا تَبديدا

حسبوا انتفاضتَكم تموتُ بضربةٍ =تلوي إذا عصفَ الحديدُ حديدا

حَشدوا عليكم كلَّ باغٍ خائفٍ =من كفِّ طفلٍ تقذفُ الجُلمودا

خسِئوا وخابَ الغادرونَ وسعيُهم =خسِئوا وخابوا لن نَخِرَّ سُجودا

شُلَّتْ أياديهم تُكسِّرُ أَعظُماً =وتشقُّ أرحاماً تخافُ وليدا

* * * = * * *

يا خائضينَ غمارَ ملحمةِ الفِدا =يا باذلينَ لها دماً وكُبودا

يا زارعينَ الليلَ آمالاً على =أنوارِكم جرتِ الحروفُ قصيدا

أَلَقُ الجراحِ يُضيءُ دربَ نضالِكم =ويعيدُ وجهاً للكفاحِ مَجيدا

أنتمْ نجومٌ في دَياجي أمَّةٍ =لَطَمَتْ على فَقْدِ النهارِ خُدودا

رُدُّوا لأوردةِ العروبةِ نبضَها =رُدُّوا لها نَفَسَ الجهادِ مَديدا

وامشوا أمامَ الخائفينَ فإنَّهم =ألِفوا الحياةَ مع الخُنوعِ رُقودا

نَصبوا على جِسرِ السلامِ شراكَهم =" باراكُ " يعقدُ حبلَها المشدودا

وبَنَوا جدارَ الصمتِ خلفَ حدودِهم =والكونُ يعرفُ من أباحَ حُدودا

لا .. للسلامِ المُرِّ يترعُ كأسَهُ =مَنْ راحَ يملأُ وِرْدَهُ تهديدا

دَمِيَتْ ورودُ السلمِ من أشواكِه =فهوى يُحطِّمُ غُصْنَها الأملودا

* * * = * * *

يا خائفينَ على السلامِ رويدَكم =رأيُ المُمالئِ لن يكونَ سَديدا

لا تطلبوا شرفَ العروبةِ ساسةً =ترضى من الخصمِ اللَّدودِ زهيدا

شرفُ العروبةِ يُستَرَدُّ بأَنمُلٍ =ترمي وتكتبُ بالدماءِ نشيدا

2000

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 03:46 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (1)




يا شيزر المجد



ألقيت بمناسبة ذكرى أسامة بن
منقذ في المهرجان الكبير الذي
أقيم في حماة



هُزِّي يراعَ الهوى للعلمِ والأدبِ =وجرِّدي السيفَ للأخطارِ والنُّوبِ
وذوِّبي العطرَ في عاصيك وارتشِفي =من سَلسلِ النورِ مجداً مترَفَ النسبِ
وأرهِفي السمع للتاريـخِ في شَغَفٍ =ينبئْكِ عن خيرِ مرجوٍّ ومرتَقَبِ
في حقبةٍ لم تزلْ تزكو مواسمُها =بالخالدين من الأعلامِ والكتبِ
***=***
يا شيزرَ المجدِ كُفِّي العتبَ واتئدي =لا تكثِري اللومَ ما للهجر من سببِ
حملتُ في الصدرِ سرَّاً كدتُ أفضحُهُ =لولا بقيَّةُ إشفاقٍ على العربِ
فقرِّبيني إلى علياك واقتربي =لعلَّني أنتشي بالعطرِ من قرب
تربَّعي فوق عرشِ المجد وابتسمي =لكلِّ نجمٍ بأفقِ الشعر لم يغبِ
أطلَّ من جنةِ العاصي وكوثرِها =يرصِّعُ التاجَ بالياقوت والذهبِ
تربَّعي بل قِفي كالطودِ شامخةً =وقلِّديهم وسامَ الشعر والأدبِ
واستصرِخي النخوةَ العرباءَ في دمِنا = فقد بشِمنا من التكرارِ للخطبِ
لا تُرقصينا على أنغامِ أغنيةٍ =وتُسكرينا بكأسٍ من دم العنبِ
لعلَّ لحظة إنصافٍ بحاضرنا =تعانقُ الغابرَ المدفونَ في الحقب
أيامَ كان بنوك الصيدُ ملحمةً =تزهو بها الشامُ من بُصرى إلى حلبِ
خميسُهم لو سرى في ظُلمةٍ فضحتْ =أسيافُهُ سيرَه بالومضِ كالشهبِ
وغُرةُ الزحف ليثٌ في عزيمته =حتفَ الليوث وقد عزَّت على القُضُبِ
لو لم تكن لبني قحطانَ نسبته =لكان بالسيف يعلو القومَ لا النسبِ
عزَّتْ به القلعةُ الشماءُ رافعةً =بيارقَ الزحف في عجبٍ من العجب
" أبو المظفَّر" من جلَّت مناقبُهُ =عن كلِّ وصفٍ لسِفْرِ المجد منتَسِبِ
فما خطا خطوةً إلا مظَّفرةً =وما رمى رميةً إلا بذي يَلبِ
لم يبلغِ الألفَ جيشٌ قاده بطلاً =في عسقلانَ لقهرِ العارمِ اللجِبِ
***=***
يا شاعراً أرقصَ الأطيارَ في دَعةٍ =وفارساً أذهلَ الأعداءَ في الكَرَبِ
جاروا عليكَ بلا ذنبٍ جنيتَ وهل =جنى سِنمَّارُ إلا طاهرَ النسبِ
وأخرجوكَ وكنتَ المشرفِيَّ بهم =وجرَّدوكَ من الأموالِ والنَّشب
غادرتَهُمْ والأسى يفشي الوفاءَ لهم =وعُدتَ تدفعُ عنهم جحفلَ الصُّلُبِ
لم تبغِ مالاً ولا مُلْكاً ولا رُتباً =من يرخِصُ الرُّوحَ لا يفطنْ إلى الرُّتبِ
وما رَعَوا حرمةَ القُربى لذي رَحِمٍ =وكنتَ تحضِنُهم في القلب والهُدُبِ
قابلتَ كيدَهُمُ صفحاً ومغفرةً =وما جزيتَ بغيرِ الصَّدِّ والحَرَبِ
ورُحتَ تندُبُهُمْ تبكي منازلَهُمْ =والحزنُ يفتِك بالشِّريان والعَصبِ
***=***
" أبا المظفَّر " هذي مِصرُ شاهدةٌ =على الولاءِ بقلبٍ طيِّبٍ حَدِبِ
فكم سعيتَ لجمعِ الشملِ مُجْتهداً =بين الشآم ووادي النيلِ في النُّوبِ
فاعذُرْ دموعَ يَراعي إن بكى أسَفَاً =وجاءَ شعريَ بُركاناً من الغضبِ
ماذا على العُربِ لو صفُّوا سرائرَهم =وأشعلوها على اسمِ الله والعَربِ
ماذا عليهم لواَنَ الحبَّ رائدُهم =بالحبِّ نَغلِبُ لا بالشكِّ والرِّيَبِ
***=***
يا شاعرَ الخيلِ أسرجْ خيلَنا فلقدْ =خابَ الكُماةُ وخيلُ اللهِ لم تَخِبِ
أفقْ .. تقحَّمْ زمانَ الخوفِ مدَّرعاً =بالمُنقِذَينِ ظُبى الإيمانِ والنُّجُبِ
ألمْ تقُلْ قد حلبتُ الدهرَ أشطرَهُ =فكلُّ خَطبٍ دهاني لاذَ بالهربِ
فانهَضْ لخطبٍ دهانا واجلُ ظلمتَهُ =جرِّدْ حسامكَ بدِّدْ حالكَ السُّحُبِ
يا شيزرَ المجدِ مجدُ المنقذِينَ له =فلم ينلْهُ سوى الزِّلزالُ بالعطبِ
تلمَّسي الجرحَ في تاريخِنا ودَعي =فجرَ الجراح يواري الليلَ بالحُجُبِ
***=***
" أبا المظفرِ " والتسعون زاخرةٌ =وكلُّ عامٍ زها في ثوبه القَشِبِ
وكلُّ منظومةٍ كالدُّرِّ خالدةٌ =وكلُّ بيتٍ بذوق الفكرِ كالضَّربِ
وافيتَ " كيفا " وألقيتَ العصا فإذا =عصاك تلقَفُ ما خطُّوا من الكُتبِ
***=***
" أبا المظفر " يا كنزَ الضِّياءِ أفقْ =فشمسُ مجدِك طولَ الدَّهر لمْ تَغِبِ
أسرجْ جوادَكَ هذي الدَّارُ ماعَقِِمَتْ =تشرينُ ينفُخُ فيها الرُّوحَ كاللهبِ
اليومُ عُدنا إلى التاريخِ نكتبُهُ =يقودُ أمتَنا ليثٌ أغرُّ أبي
مجرَّبٌ ورُبى الجولانِ ناطقةٌ =في كلِّ شِبرٍ شهيدٌ في جِوارِ نبي
***=***
يا قُدسُ عفوَكِ لم تُغمدْ صوارمُنا =لقد أطلَّ صلاحُ الدِّينِ فالتهِبي
جاءَ المَخاضُ فهزِّي النَّخلَ وانتظري =يجُدْ عليكِ بمنهلٍّ ومنْسكِبِ
فقطرةٌ من دمِ الأطفالِ شاهدةٌ =أنَّ الدِّماءَ بساحِ النَّصرِ كالرُّطَبِ
هيا اضرِبي واسحقي قُرِّيْ بمن نفروا =عَيناً فهمْ خيرُ أبناءٍ لخيرِ أبِ
***=***
يا شيزرَ المجدِ شِعري فيكِ رجعُ صدىً =فأطلقي الصرخةَ العرباءَ يستجِبِ
ماذا أقول وآلامي تكبِّلني =فصرتُ أبكم بين الصِّدق والكذبِ
فمن رآني أصوغُ الشعر مضطرباً =فإنني في ضميري غيرُ مضطربِ
***=***
يا حافظَ الشَّام سرْ بالشَّام مدَّرعاً =بالحافظَيْنِ كتابِ اللهِ والعربِ
لا تأمَنَنْ لأفاعي الغدرِ لو جَنحوا =إلى السلامِ وخذْ بالرأسِ والذنَبِ

واحذرْ تقلُّبَ حيَّاتِ السلام دجىً =فأخطرُ السُّمِّ في يأتي حينَ منْقَلِبِ
حبيبتي يا بلادي يا ندىً وهدىً =يا ملعبَ الصِّيد يا حضناً لكلِّ أبي
ما نحن إلا قناديلُ الضياء على =دربِ الخلود ننيرُ الكونَ كالشهبِ
نغزو السماءَ بأقلامٍ إذا خرستْ =عند الحقيقةِ نرمي الكون للشجبِ
تُميدُ كلَّ عُروشِ الظلمِ قاطبةً =من غَمْزِ قافيةٍ مشبوبةِ اللهبِ
أنتِ الفؤادُ الذي عمَّدتُهُ بدمي =فراح ينبضُ بعد الوهنِ والتَّعبِ
سيَّانَ عندي وقد أجريتُ أوردتي =على يراعيَ إن أخطئْ وإن أُصِبِ
حسبي أراكِ على الأيامِ شامخةً =بالواثِبِينَ بعزم الفارس الذهبي*
* الفارس الذهبي ...لقب باسل
حافظ الأسد وقد فاز في مسابقة
الفروسية بالوسام الذهبي

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 03:53 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (2)






الساعة الأولى من عام "2000 "






من منكم كان يصدِّقُ أني أستجدي الكلمات ؟
من منكم راح يكذِّبُ ذَبحَ الشعر على العتبات ؟
من منكم ينْكِر تسويقَ القُبُلات على أرصفة
العهر بغير أتاوة ؟
من منكم يفتح شباكَ تذاكرِ في أيام العيد ؟
في ليل الأولِ من كانون ..
ويُطِّل العامُ الميلاديُّ من الشرفاتِ المصلوبة ..
وتُباع بطاقات الفرحِ المجنونِ بلا أثمانْ ..
* * *
وهنالك في صالاتِ العرضِ الليليَّة
تتعرَّى حاجاتُ الإنسانِ العصريَّة
خمرٌ وحشيشٌ ودخانْ
يرتدُّ صدى أنفاسِ الصمتِ من الجُدرانْ
أزهارٌ تقبعُ في الظلمة
تستمرِئُ أضواء الأفلام ال...
تذوي ..تتقوقعُ .. ترتعشُ ..
وتُحيلُ الصمت إلى آهاتٍ محمومة
* * *
في أعلى الصالةِ أصباغٌ تحتلُّ وجوهاً حجرية
تَنْسَرِبُ دماءُ وجوهِ الصَّخرِ إلى الأعماقْ
حينَ انكسَرَتْ مِحبرةُ الزيتِ ..
أطلَّ الحبرُ من الأحداقِ معَ الإرهاقْ
وأصابَ " الفستانَ " الخمريَّ
فراح يفتِّشُ عن أوراقْ ...
سمَّوها بالفصحى " ديمة "
لم تَنْبِسْ صاحبةُ " الفستان " بِبِنتِ شَفة
بل راحتْ تمسحُ أوضارَ الحبرِ الزَّيتيِّ بمنديلٍ
قالوا : نسجتْهُ من الأخلاقْ ...
" ألأيدزُ " وأمراضٌ أخرى
يحملُها ليلُ الأولِ من كانونْ
فلنشربْ نخبَ هزيمتِنا
وجنونِ العصرْ
مستقبلُ أجيالٍ يذوي
في عصرِ الذعرْ
فتَعالوا ننهبْ لذاتِ القرنِ المخمورِ
بغيرِ حسابْ
نستجدي ألوانَ الإمتاعِ على الأبوابْ
ونغنِّي لحناً غربيَّاً
هبي بير زديه تو يو ؟؟ !!
* * *
وانفضَّ الجمعُ
وغادرَ كلٌّ مقعدَهُ المترنحَ بالعطر " الكوكتيل "
واشتعلتْ رغبة أصحابِ الأقلامِ على صفحاتِ الزَّيفْ
تنهلُّ حروفاً همجيَّة
* * *
وأطلَّ الوجهُ الغجريُّ الحجريُّ على جُدُر الإسمنتْ
يتفحَّصُ حاويةَ الأوراق المكتَنَزَة ..
يستخلصُ منها أغنيةً
كُتبتْ بحروف زيتيَّة
" هوَّ ده الحب الحقيقي "
وتراءى للوجهِ الحجريِّ تفشِّي الزيت !!
فليُخرجْ علبة كبريتٍ كانتْ
قد سقطتْ في الصالة
من جيبِ فتاةٍ عاشقةٍ
تتكسَّرُ في غُنجٍ ودلالْ
وليشعلْ " عوداً محموماً "
ليُضيءَ دهاليزَ الأنفاقْ
واحترقتْ حاويةُ الأوراقْ ...
* * *
فاجأهُ رجلُ التنظيفاتِ يجرُّ حماراً ونفاياتْ
ويردِّدُ قولاً مأثوراً :
" الموت يعشِّشُ في الفضلات "
" الموت يعشِّشُ في الفضلات "
* * *
هربَ الغجريُّ إلى الخيمة
خلعَ الألبسةَ الغجريَّة
وتعرَّى ..
إلا من وجعِ الإحباطِ المصلوبِ أمام الزيتِ المتفشِّي ..
في كُلِّ مكانْ ...
وأمامَ المرآةِ العفِنة
وقفَ المصلوبُ على الأخلاقْ ...
من ثَمَّ تساقطَ
فاستسلمَ للنومِ الأبديِّ
يطاردُهُ شبحُ الخيبة
3/1/2000

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 03:59 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (3)



سهرة بإذن سفر



في زحمةِ أخبارِ الدُّنيا ينسرِبُ الوقتْ
لم يحضرْ حاملُ أوراقِ الإحصاءِ
لتسجيلِ الأزهارْ
الجوُّ ضبابْ
ها قد أقبلْ
في جُعبةِ هذا المغرورِ المتسوِّلِ أوراق
للمسحِ الميدانيِّ ِوإذنِ سفَرْ
في الصمتِ علاماتُ استفهامٍ واستغراب
رفعَ الأوراقَ وعدَّدَها
وانهالَ يسبُّ جموحَ الخط
نوعان فقط
لا ثالثَ يبدو بينهما ..
لا رابعَ ما هذا الإجحافْ ؟
الخطُّ توارى لم يُقْبِلْ
ما هذا الخط ؟ !
اِلعب .. اِربحْ .. اِخسر .. سجِّلْ
* * *
هاتِ الأوراقَ على عَجَلٍ
لا تعبثْ في ترتيبِ الدَّورْ
السائقُ صاحْ .. أكمِِلْ .. أكمِلْ
دَوْري .. دورُكْ
أكمِلْ واحذَرْ .. إيَّاكَ تحاولَ إقناعي
بضمان الرِّبحْ
فأنا من أمهرِ خَلْقِ اللهِ بفنِّ الغِش
اِلعب .. اِربحْ .. اِخسر .. سجِّلْ
* * *
في حيِّ الطَّ ... الشرقيِّ تَربَّعَ عملاقُ السَّاحه
الساعةُ تبدو مسرِعةً
والجوُّ دخانْ
اِفتحْ .. أغلقْ
دخلَ البرذون .. تلاهُ الأرنبُ ثمَّ الفأرْ
لكنَّ الثعلبَ لم يحضُرْ
فلنكملْ ثرثرةَ الأوراقِ بغيرِ قيودْ
اِلعب .. اِربحْ .. اِخسر .. سجِّلْ
أخبارٌ سيِّئةُ الإيقاعِ تُذاع على أسماعِ الحيّْ
غِربانٌ تقصفُ في هلعٍ فرسانَ النَّصرْ
الطَّفلُ يفجِّرُ " دبابة " ويضمُّ الأرضْ ..
خرج " الشيشان " من " كروزني "
غرقوا بالدم
ما اهتزَّت حاملةُ الأختامِ الرسميَّة
تصريحٌ أخرقُ هزَّ الكونَ ولا آذانْ ..
اِسمعْ .. اِخرسْ .. لا فرقَ ومن بَعدي الطوفانْ
فلنكملْ ثرثرة الأوراقِ
بدونِ كلامْ
إعصارٌ يجتاحُ " الـ "
زلزالٌ يضربُ " أ "
يا لطفَ الله ...
دعنا من هذا التلفاز المشحونِ بأخبارِ العالمِ
ولنكمل ثرثرة الأوراقِ
بلا أخبارْ
* * *
في أقصى الشرق يموتُ ملايينُ الأطفالْ
في أقصى الغربِ يموتُ الناسُ من التخمةْ
بركانٌ يقذفُ أحشاءهْ
فتميدُ الأرضْ
اِلعب .. اِربحْ .. اِخسر .. سجِّلْ
* * *
كمْ صارَ رصيديَ في المصرفِ ؟
" بلغَ المليارْ "
حمْداً للهِ على نِعمِهْ
وافاني الخط
أكملْ .. أكملْ
عُدَّ الأوراقَ على عجلٍ
اِلعبْ .. اِربحْ ..
سجِّلْ
وافاني الخط
* * *
دخلَ الطاووسُ على عجلٍ منفوشَ الريشْ
هاتِ الأوراقَ .. لقد أخطأتْ ..
ألمْ تسمعْ ؟
جلس الطاووس وفي يدهِ مطرقةُ الزّيف
وانهالَ يطبِّلُ ويُزمِّرْ
* * *
ثعبانُ الوقتِ يحاصِرُ أبطالَ الحلبة
أسرعْ .. أسرعْ
اِلعب .. اِربحْ .. اِخسر ..
سجِّلْ
جاءَ الثعلبُ .. هربَ الأرنبُ ..
الفأرُ تقوقعَ في جُحرِهْ
برذونُ الحلبةِ راحَ يسُبّْ
ساعاتُ السهرةِ مُسرعةٌ والفجرُ أطلّْ
فلنجمعْ أوراقَ الخيبة
ولنسرعْ حان أذان الفجرْ
ذهبَ الأبطالُ إلى المسجدِ ..
صلَّوا .. وبَكوا .. ثمَّ ابتهلوا
ربَّاهُ انصُرنا .. يا الله
* * *
خرجَ الأبطالُ من المسجد
ومَضوا بخطىً متعثرةٍ
يروون تفاصيلَ اللعبة
وصلوا أبوابَ مضاجِعِهم
لكنَّ اللعبة لم تُحسمْ
الموعدُ أصبحَ معروفاً
وغداً نتأهبُ كي نغلِبْ
والآن دعُونا حان النومْ
فلنحمِ حدودَ مضاجعِنا
بسلاحِ النومْ
ولنحلمُ بالآتي الزاهرْ
وغداً سنوقعُ إذنَ سفرْ
5/2/2000

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 05:12 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (4)



المُجسَّدَة




النايُ يسبِّحُ والمِزهرْ =وقوافٍ من وادي عَبْقَرْ

وطُيوفُ الأمسِ تحاصرُني =باللون الأسودِ والأحمرْ

* * * = * * *

عتَّقتُ الخمرَ بأوردتي =وشربتُ دمائيَ كي أسكرْ

فكؤوسي قافيةٌ ظمأى =تستنزِفُ شرياني الأبهرْ

مازلتُ أعاقِرُها حتى =أدمنتُ حروفاً لا تُذكرْ

فسموتُ إلى الملأِ الأعلى =بجنانِ الخُلدِ إلى الكوثرْ

أتوضأُ .. أغسلُ أدراني =أتطيَّبُ بالمسكِ الأذفرْ

وأَلُمُّ شتاتي مُؤتزِراً =بشعاعٍ من أملٍ أخضرْ

فيحاصرُني وجعُ الماضي =وهمومُ الحاضرِ في المِئزرْ

أتُراني أحلمُ أم أنِّي =ما زلتُ على وجعي أسهرْ

* * * = * * *

يا بنتَ خيالي لا تَدعي =بركانَ جحيميَ للمحشرْ

لا ترمي أوراقَ الماضي =بسلالكِ في جوٍّ أغبرْ

فأنا ما زلتُ نديمُ هوىً =صوفيَّ المورِدِ والمصدَرْ

وأنا ينبوعُ عطاءاتٍ =في ليلكِ أسطعُ كالجوهرْ

أتلوَّى من وجعِ الذكرى =وجراحي تولدُ لا تُقْبرْ

أتناثرُ دُرَّاً ينظِمُني =خيطٌ من نورٍ لا يُكسَرْ

وأصوغُ السحر وأسكبُهُ =وأصونُ السِّرَ ولا أجهرْ

وأُداوي القلبَ وأَصبغُهُ =باللونِ الأسودِ والأحمرْ

فضفافُ جراحي قد كَفرتْ =باللونِ الأسودِ والأصفرْ

* * * = * * *

عشرون ربيعاً فاتَتْني =عشرون ربيعاً لا أكثرْ

عشرون ربيعاً أرسِمُها =بالنورِ على الشفَقِ الأشقرْ

عشرون ربيعاً ما كبُرَتْ =حلقاتُ العمرِ ولم أكبَرْ

* * * = * * *

يا فجرَ شحوبٍ يطلقهُ =خوفي من آتٍ لا يُقهَرْ

خوفي من ذنبٍ يقلقني =في يومِ حسابٍ لا يُغفَرْ

من وحشٍ يفترِسُ الماضي =من عقربةٍ تُخفي خنجرْ

تمشي لا تهدأُُ لا تُلوي =إن ضاعَ العمرُ ولم أظفر

تمحو دقاتُ ثوانيها =عمري المكتوبَ ولا تفترْ

* * * = * * *

يا بنتَ خيالي يا قَدَراً =يَخْفَى عن عيني لا يظهرْ

أهواك أُجدِّدُ أيامي =يا أجملَ حلمٍ يا أنضرْ

أهواكِ وأكتُمُ أشواقي =وأخافُ من الفزعِ الأكبرْ

* * * = * * *

عيناكِ وحسبي أنَّهما =كأسان بخمرِهما أسكرْ

عيناكِ وخوفي يتركني =أتوجَّسُ من طرْفٍ يسحر

فتعالَي ذوبي في كَبِدي =يا أحلى من قطعِ السكرْ

* * * = * * *

يا بنتَ خيالي لا تَدَعي =ستينَ خريفاً لا تُعصَرْ

بخيالي أنتِ مجسَّدَةٌ =شلالَ ضِياءٍ بل كوثرْ
3/4/1998

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 05:14 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (5)



ملحمة الدموع




سكِرَ الحديثُ فجُنَّتِ الكلماتُ =وصَحَتْ على أوتارنا النغماتُ

وزهتْ مواويلٌ بأوردةِ المُنى =وتراقَصتْ في الأعينِ العَبَراتُ

سِحْرٌ وأين السِحْرُ من همساتِنا =جَلَّ الحديثُ وجلَّتِ الهمساتُ

تتواثبُ الكلماتُ تُبدِعُ قصةً =هامتْ بعطرِ مدادِها الصَّفحاتُ

حتى انتهى سيلُ الكلام وعقَّنا =حلوُ الحديثِ وغابتِ الومضاتُ

فسألتُها والخوفُ يصهل في دمي =يحدو الوجيبَ فتسرعُ النبضاتُ

هذي البدايةُ .. ما النهاية يا تُرى ؟ =تعبَ المسيرُ وحارتِ الخطواتُ

هوَ ذا السؤالُ فهل لديكِ إجابةٌ ؟ =شهَقَتْ وقالت : في دمي حسراتُ

وغرقتُ في صمتي ونبَّهني إلى =سهرِ الحريقِ بثغرِها زَفَراتُ

فأخذتُ كفَّ حبيبتي ولثمتُها =وتوالتِ الزفراتُ والقُبُلاتُ

حتَّى اطمأنَّ فمي ونامتْ كفُها =في راحتَيَّ تُذيبُها اللمساتُ

جمَّعتُ نفسي واستعنتُ بجُرأتي =وضحكتُ حتَّى شاهتِ الضحكاتُ

وصرختُ في صمتٍ يمزِّقُ أضلعي =وتلاحقتْ تغزو دمي الصرخاتُ

قولي بربِّكِ مابدا لكِ ؟ أفصِحي ؟ =وتعثَّرتْ بشفاهها الكلمات

نظرتْ وملحمةُ الدموعِ تقولُ لي : =ماذا جنيتَ ؟ وغامتِ النظراتُ

فحملتُ أوراقي وعُدْتُ بخيبتي =صحتِ الذنوبُ ونامتِ الحسناتُ

ورجعتُ ألتهمُ الطريقَ يقودُني =ندمُ السنينِ وماتتِ البسماتُ
17/10/1997

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 06:48 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (6)



لعلَّهُ بدعائي يبسمُ القدرُ





ما خُنتُ حبَّكِ لكنْ هكذا القدرُ =وما كفرتُ بهِ لكنَّهمْ كفروا

ما خُنتُ حبَّكِ لا واللهِ يا قمري =الدمعُ يشهدُ والتسهيدُ والسَّهرُ

مرَّتْ ثلاثونَ وازدادتْ ثمانيةً =حَملتُ ما ناءَ فيه الجِّنُّ والبشرُ

حملتُ صمتي وتَحناني وقافيتي =وكِدتُ أُصعقُ لمَّا جاءني الخبرُ

* * * = * * *

قالوا: التي كنتَ تهواها غَدَتْ هَمَلاً =مشلولةًً في زوايا البيتِ تنتظرُ

في كلِّ يومٍ يراها الناسُ باسطةً =كفَّاً إلى اللهِ ترجوهُ وتعتذرُ

تبكي زماناً بِهِ أرخَتْ ضفائرَها =تُغازلُ الأفْقَ كيما يبزغَ القمرُ

تلوذُ بالذكرياتِ الخُضْرِ تحضنُها =حتَّى تجذَّرَ في أعماقِها الوطرُ

* * * = * * *

مرَّتْ ثلاثونَ وازدادتْ ثمانيةً =لم يبقَ دماءُ الشوقِ تستعِرُ

واليومُ يا أيُّها الغافي على دعةٍ =ماذا تقولُ ؟ وهل يرضيكَ تنتحرُ

ألمْ تكنْ في حنايا الصدرِ تحضنُها =أيامَ كانت بشالِ الحُسنِ تأتزرُ

ألمْ تكنْ يومَ تنأى تكتوي ألماً ؟ =فهلْ نسيتَ ؟ وزاغَ الفكرُ والبصرُ

أمِ انتبذتَ مكاناً تستحمُّ به =بين الغواني وطابَ الأُنسُ والسمَرُ ؟

* * * = * * *

فقلتُ : والنارُ تكوي أحرفاً دمعتْ =والقلبُ من نازفاتِ الوجدِ ينفطرُ

هيهاتَ .. هيهاتَ أنساها سأذكُرُها =فلم أزلْ رهنَ نارِ الشوقِ أنصهرُ

أرجو الشفاءَ لها ممَّا تكابده =لعلَّهُ بدعائي يبْسَمُ القدرُ

6/1/2000

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 06:51 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (7)




موعدٌ يحترق





بلهيبِ الموعدِ أحترقُ =ويُحطِّمُ أعصابي القلقُ
وأُكذِّبُ صادقَ إحساسي =وبباب الموعدِ ألتصقُ
وتمرُّ دقائقُ من عمري =بدُخانِ شعوري أحترقُ
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ أنتظرُ =وتُسمِّرُ أقدامي الفِكَرُ
وأحاولُ أهربُ من ظنِّي =لكنَّ يقيني ينتصرُ
فأَلمُّ شتاتيَ أزرعُهُ =في لحظةِ وعدٍ تُختَصَرُ
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ آمالي =تزْوَرُّ كشمسِ الآصالِ
فأغادرُ مملكةَ اللُقيا =واليأسُ يقطِّعُ أوصالي
وأَعَضُّ بَناني من ندمٍ =وأمارسُ لهوَ الأطفالِ
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ يُشعِلني =يتمطَّى المَطْلُ ويطفئني
وأسيرُ بظُلمةِ إخفاقي =ودروبُ الفرحةِ تلفظُني
فأعاتب نفسي أَزجُرُها =وسيولُ الخيبة تجرِفُني
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ مِصباحي =يهفو لصريرِ المفتاحِ
ويُطلُّ الفجرُ يعاتبُني =فأَهبُّ أحطِّمُ أقداحي
وأُمزِّقُ أوراقي الظمأى =بجنون الشعرِ وإفصاحي
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ أوهامي =تتفجَّرُ مثلَ الألغامِ
تتهاوى خلفي .. قُدَّامي =تتصارعُ توقِظُ آلامي
فأَلُمُّ الجرحَ أُضمِّدُهُ =وأعودُ أُعاتبُ أيامي
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ أبتَرِدُ =فأضمُّ جناحي أرتعدُ
وأعودُ بخيبةِ من يسعى =لسرابٍ يركضُ .. يبتعدُ
وأنامُ يمزِّقُني يأسي =وأَفيقُ وأحلامي بَدَدُ
* * * = * * *
بلهيبِ الموعدِ يقتربُ =يرتاحُ القلبُ ويضطربُ
ويمُرُّ الوقتُ ويتركني =ودموعُ الحُرقةِ تنسكِبُ
فأحاولُ أقهرُ أمواجي =لكنَّ شراعي ينقلِبُ
29/1/1999

عبدالسلام زريق
03-22-2011, 06:55 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (8)



فَيْضُ الهُدَى




مهداة للشاعر الفحل
أحمد معروف




أَلوتْ عِنانَ الهدى تمشي على مَهَلٍ =تستبطئُ الخطوَ حتى ضاقتِ السُّبُلُ
تلفتَتْ حولَها والخوفُ يمنعُها =من المسيرِ إلى أن أينعَ الأملُ
وازورَّ عنها جوادُ الليلِ فانتبهتْ =إلى الضياءِ تشدُّ الجفنَ تبتهلُ
في كُلِّ رَفَّةِ هُدبٍ أبصرتْ صوراً =من الجمال بنورِ اللهِ تغتسلُ
تشهَّدتْ فتجلَّى اللهُ بارئها =فكلُّ ما حولَها من دونهِ هَمَلُ
تبارك اللهُ هذا الفيضُ فيْضُ هوىً =تبارك اللهُ نورُ الحسْنِ يكتمِلُ
* * * = * * *
يا شاعري يا سميرَ الرُّوحِ تُسكرُني =آياتُ شِعرِكَ إمَّا رُحتَ ترتجلُ
تدُقُ نبضَ قلوبِ المبدعينَ هدىً =وأنتَ بين المعاني البِكْرِ تنتقلُ
تنسابُ فيها انسيابَ النورِ في غَسَقٍ =فتستبينُ مساءَ الأنجمِ المقَلُ
هَبْني يراعَكَ أَقبسْ كلَّ بارقةٍ =تحتَ الظَّلامِ بنورِ اللهِ تكتحلُ
فأنتَ أدرى بصمتِ الجُرحِ إن نطقتْ =خرْسُ الهمومِ ولا حوْلٌ ولا قِبَلُ
وأنتَ أدرى بمنْ شابتْ مواسمُهُ =وخانَهُ السعدُ واستشرى به المللُ
وأنتَ أدرى بمنْ شاخَ العطاء بهِ =فراحَ من مزجياتِ الوهم ينتحلُ
ومدَّ كفَّاً تخلَّتْ عن أصابعِها =يرجو الأماني فأوهى كفَّهُ الخجلُ
وارتدَّ يشحَذُ حدَّ الكِبرياء به =فارتدَّ عنه ظلامُ الفكر والزَّللُ
* * * = * * *
يا شاعري يا " أبا الحزمِ " الذي شهِدَتْ =له المنابرُ واختالتْ به المُثُلُ
ألبستَني ثوبَ فخرٍ حاكَهُ قلمٌ =كأنَّ آياتِهِ جاءت بها الرُّسُلُ
منَزَّهٌ عن حديثٍ شاءه نَفَرٌ =سودُ الوجوهِ وفي أنظارِهمْ حَوَلُ
مالوا إلى الهدمِ والتَّشويهِ يدفعُهُمْ =زَيف الحضارة والإرهاقُ والفشلُ
يستكبرون كإبليسَ اللعين وفي =" حديثهم " يتساوى الزَّهرُ والجُعَلُ
ونحنُ نسجُدُ في مِحرابنا وهُمُ =بما أَضلَّهُمُ شيطانُهم فَعلوا
* * * = * * *
يا شاعري صُبَّ لي كأساً معتَّقَةً =مما عصَرتَ ففكري مُقْفِرٌ خَجِلُ
أجوسُ فيهِ بفأسِ الشِّعرِ مُحتَطِباً =لعلَّهُ ببريقِ الحرفِ يشتعلُ
واعذُرْ فديتكَ تقصيري لقد هَرَبَتْ =منِّي الحروف فشِعري خائفٌ وجِلُ
3/1/2000

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 02:30 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (9)




غُوْلُ التَّقَاعُد




اليومُ أكملتُ في التعليمِ أعمالي =وصِرتُ كالماءِ في أحضانِ غِربالِ
مهما نخلت به لم يبقَ لي أثر =تغلغُلَ الماء في صحراء آمالي
جاروا عليَّ أحالوني إلى هَمَلٍ =كأنَّني لم أكن أهلاً لإجلالِ
سَلوا الذين مضوا قبلي لمأتمِهم =كم من أبيٍّ قضى في ثوبِهِ البالي
* * * = * * *
غولُ التقاعُدِ شلَّ اللهُ قبضتَهُ =شقَّتْ براثنُهُ بالخوفِ سِربالي
ألوذُ بالنَّومِ خوفاً منْ حبائلِهِ =فيدخُلُ الحلمُ يغريني بأغلال
ويشتري النومَ من عيني ببارقةٍ =تلوحَ لي بينَ وسواسٍ وبلبالِ
ولستُ أملِكُ شيئاً أستطيعُ به =دفعاً لهذا سوى صمتي وإعوالي
فأرقبُ الفجرَ والآلامُ تطحنُني =طحنَ الرَّحى بينَ إدبارٍ وإقبالِ
ومن رآني أُغني اليأسَ محترِقاً =لاكَ الكلامَ ولم يعجبْهُ موَّالي
وازورَّ عنِّي كمنْ يزورُّ عن دَنَسٍ =أو عن وباءٍ سرى في كلِّ أوصالي
كذا بدا الناسُ مذْ لملمتُ أمتعتي =فجلُّهم بين غدَّارٍ ومحتالِ
* * * = * * *
ستُّونَ مرَّتْ وما هلَّتْ سحائبُها =غيرَ الدُّموعِ وقيل الناس والقالِ
ستُّونَ ما كحَّلتْ عينيَّ بارقةٌ =وما أطلَّتْ سوى الأوهامُ في بالي
حتَّى وصلتُ لحالٍ في مجاهلِها =أستعذبُ الصَّمتَ في حِلِّي وتَرْحالي
ألوكُ خبزَ شقائي في مُجابهةٍ =معَ النفاقِ فساءتْ كلُّ أحوالي
حتى الذينَ غدا دمعي لهم شُعلاً =نَسَوْا ودادي أحالوهُ لإهمالِ
وما تعودتُ إغضاءً وتَرضيةً =وما مددتُ يديْ سلْبَاً لأموالِ
وما خفضتُ جناحيْ عند مُنْتَفِجٍ =وما انحنيتُ سوى للخالقِ العالي
أمضي إلى سُدَّةِ السبعين مرتقِياً =سلالمَ الطّهُرِ مزهواً بأفعالي
وسوف أمضي إلى التسعين لو سَمَحتْ =كفُّ المنونِ ولم أعبأْ بأثقالي
تشدّني أمنياتٌ أينعتْ صُوراً =من الجمالِ تحدَّتْ كلَّ جوَّالِ
* * * = * * *
سأمتطي القهرَ بالإيمانِ أسرجُهُ =أحاصرُ الزَّيف في أوكارِ أنذالِ
حتَّى إذا لم أدعْ للغدرِ مُتَكأً =أهوي عليه وألقيه لأوحالِ
وأضرِمُ النَّارَ في أوكارِ معقِلِهِ =ليرقصَ الحقُّ تيَّاهاً بخَلخالِ
هناكَ أَبراُ من يأسٍ يمزِّقني =فأستريحُ .. لقد ألقيتُ أحمالي

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 02:34 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (10)




أفديكِ يا أمَّ الفداء




ألقيت في مهرجان
الربيع الثالث في حماة





غَفَلَ الرَّقيبُ فهاجتِ الأشواقُ =وصحا بقلبِ العاذلِ الإشفاقُ
وتلفَّتَتْ ظمأى العيونِ حبيبةٌ =سمراءُ تملأُ وجهَها الأحداقُ
كَشَفتْ حِجاباً من نسيجٍ قاتمٍ =فسرى بها نحو الضِّياءِ بُراقُ
دَرَجَ الرَّبيعُ فأزهرتْ أحلامُها =وحَنتْ على أزهارها الأوراقُ
وتبسَّمتْ سُمْرُ الضفافِ وأسفرتْ =فتلألأتْ بمروجِها الأعلاقُ
وتواضعَ الحَوْرُ المكابِرُ وانحنى =للبَيلسانِ تشدُّه الأشواقُ
وطوى بها العاصي السقيمُ فِراشَهُ =ذهبَ السَّقامُ وأدبرَ الإرهاقُ
وشدَتْ نواعيرٌ ورقَّقَ شدوَها =همسُ الغصونِ هادِرٌ دفَّاقُ
فتمايلتْ سكرى البيانِ قصائدٌ =فالشِّعرُ يُسكَبُ والضياءُ يراقُ
وحبيبةُ العاصي تعبُّ وتنتشي =والعُشبُ في حللِ النَّدى برَّاقُ
* * * = * * *
أفديكِ يا أمَّ الفداء مواسِِماً =لا الضَّنكُ يسكنُها ولا الإملاقُ
ها همْ ألوفُ الزَّائرين توافدوا =تسعى بهم قدَمٌ إليكِ وساقُ
أهلاً بهم حلَّوا كِراماً بيننا =فازدانتِ الحاراتُ والأسواقُ
* * * = * * *
هذي حماةُ عشيقتي وخطيبتي =ودمي لها يومَ الزفاف صُداقُ
كم من عَذولٍ رامَ خدْشَ حيائها =فارتدَّ يصفعُ وجهَهُ الإخفاقُ
فنسيمُها برْدٌ لمن حملَ الهوى =ورياحُها لعذولِها إحراقُ
شَمَخَ الإباء بها فطأطأَ شامتٌ =وهوى برأسِ الحاسدِ الإطراقُ
في كُلِّ منعَطَفٍ وكلِّ ثَنيَّةٍ =علمٌ إلى قِممِ العلى سبَّاقُ
فيها تعانقَ مسجدٌ وكنيسةٌ =وبها تخاصرَ مِنبرٌ ورواقُ
سَطَعتْ شموسُ الهديِ من شرفاتِها =وتواصلَ المخلوقُ والخلَّاقُ
أنَّى التفتْتَ بدتْ شمائلُ أهلها =صِيدٌ أماجيدٌ بها ورفاقُ
ومحبةٌ في كلِّ وارِفةٍ نَمَتْ =ومودةٌ وتراحُمٌ ووِفاقُ
صُورٌ من الإبداعِ جلَّ جلالُها =في ظِلِّها يتفيأُ العشاقُ
ملكَتْ قلوبَ الملهَمينَ وعطَّرتْ =حللَ النَّدى فتضوَّعَ الإشراقُ
أشهى الحديثِ إليَّ وصفُ جمالِها =وكأنَّ وصفَ جمالِها تِرياقُ
طبع المحبِّ إذا الحبيبةُ ألمحتْ =حملَ الصَّبابةَ قلبُه الخفَّاقُ
* * * = * * *
أنا يا حبيبةُ في هواكِ مطوَّقٌ =عشِقتْ رقيقَ مشاعري الأطواقُ
قلبي على شَفتيْ يطارِحُكِ الهوى =وأنا المحبُّ الهائم المشتاقُ
غنَّيْتُ للوطنِ الحبيبِ قصائداً =نَفَثَتْ لهيبَ حروفِها الأعماقُ
تتراقصُ الآمالُ خلْفَ لهيبِها =ويسيلُ منها جدولٌ رقراقُ
واليوم يحملُني النَّسيمُ سحابةً =لا الرعدُ يسبِقُها ولا الإبراقُ
لكنَّها هَمَلتْ دموعَ صبابةٍ =وخيولُ هامِلةِ الدُّموعِ عِِتاقُ
* * * = * * *
أنا في هوى العاصي أصوغُ قصائداً =بين الطِّلا ودبيبها ميثاقُ
صلَّيْتُ في محرابِ حبِّ حبيبتي =فتأرَّجتْ بصلاتيَ الأخلاقُ
أهوى أزقَّتَها وقلعةَ مجدِها =ويشدُّني بالدَّيدبانِ* وثاقُ
فالعينُ تعشقُ والدُّموعُ شواهدٌ =والقلبُ رُغمَ جراحِهِ يشتاقُ
بيني وبينَ تُرابِها وسمائها =عَقْدٌ وعَهْدٌ لا يحلُّ طلاقُ
فإذا دنا يومي ضممتُ ترابَها =وأنا للثْمِ سمائها توَّاقُ
وأغيبُ في حضنِ الحبيبةِ واثقاً =أنْ لن يكونَ إلى النُّشورِ فراقُ
15/4/2000



* الديدبان .. منطقة فيها بساتين خلَّابة قرب قرية الضاهرية

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 02:40 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (11)



الحَضَارَةُ وإنْسَانُ العَصْر




أغذُّ السيرَ يخذِلُني الطريقُ =وترعبُني الرواعدُ والبروقُ
أغذُّ السَّيرَ أبحثُ عن مكانٍ =ألوذُ به وتخدعُني الشُّقوقُ
وأدخلُ حاملاً فكراً مُضيئاً =فيطفئني ويطفئهُ النقيقُ
هناكَ ضفادعٌ تلهو بماءٍ =تخافُ الفجرَ يقتلُها الشروقُ
تعبُّ فلا يراها النَّاسُ حتَّى =إذا ما أُتخِمتْ برزتْ عروقُ
وتنقسِمُ الضَّفادعُ في احتفالٍ =فريقُ النومِ يوقظُهُ فريقُ
* * * = * * *
أنا إنسانُ هذا العصرِ أهفو =إلى كونٍ تسودُ به الحقوقُ
وينعمُ بالعدالةِ كلُّ شعبٍ =فكلُّ مواطِنٍ حرٌّ طليقُ
ألسنا من بني الإنسانِ طُرَّاً =فكيف أتى التَّملكُ والرَّقيقُ ؟
أرى سربَ الضفادعِ لا يُبالي =وبومَ العصرِ جدَّ به النَّعيقُ
* * * = * * *
وحوشُ الغابِ شِرعتُها افتراسٌ =وشُرعتُنا التآلفُ والوثوقُ
يجوعُ الطِّفلُ في الدُّنيا ويَعرى =ويُحجَبُ عن موائده الدَّقيقُ
حلوقٌ للتقيُّؤِ فاغراتٌ =وكم من جوعِها فُتحتْ حلوقُ
فكيف أصابَ عالمَنا التردِّي =وسادَ به التَّنكُّرُ والعقوقُ
فتشريدٌ هنا وهناكَ قتْلٌ =وقصفٌ فيه يتَّصلُ الحريقُ
أرى ركْبَ الحضارةِ كلَّ يومٍ =يواكبُهُ التَّهتكُ والمُروقُ
" حواسيبٌ " يبرمجُها احتيالٌ =وعولمةٌ بها يطغى الفُسوقُ
فأيَّةُ بِدعةٍ سكبتْ صَبوحاً =وسمُّ الفتكِ تكنزه الغَبوقُ
وشمسُ الحقِّ تسبَحُ في ضُحانا =ونورُ الفجرِ عندَهُمُ غريقُ
لقد عَميَتْ بصائرُهمْ وزاغتْ = قلوبُهُمُ وغادرها البريقُ
ومن لم يلتمسْ نوراً فأولى =به نومٌ يطول ولا يفيقُ
* * * = * * *
بني الإنسانِ كوكبُكمْ صغيرٌ =وعالمكُمْ على سَعَةٍ يضيقُ
تعالَوْا نَبْنِ للإنسانِ صَرْحاً =حضاريَّاً بعالمِنا يليقُ
لنتركْ للورى إرثاً شهيَّاً =يُسيِّجُهُ من الزَّهرِ الرحيقُ

21/4/2000

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 02:47 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (12)



مَوْقِدُ الجُرْح




صمتَ الجُرحُ أرعبتْهُ الدِّماءُ =وطغى الخوفُ فاشهدي يا سماءُ
شبَّتِ النَّارُ فاستحالتْ رماداً =كلُّ أحلامِنا وضاعَ الرَّجاءُ
أحرقَ الدَّمعُ مُقلتَيَّ وثنَّى =بفؤادي فمات فيه الإباءُ
* * * = * * *
أيُّها الدَّمعُ يا حليفَ جفوني =واحتراقي إذا تهاوى المساءُ
يا صَبوحي في وحدتي وغَبوقي =لا تعاتبْ عينيَّ هذا افتراءُ
أرضعتني الأيامُ ثديَ الليالي =حين شحَّتْ عند الصَّباحِ ذُكاءُ
فاستبدَّ الظَّلامُ يحكمُ عُمْري =منذُ أغفى خلفَ الدُّخانِ الضِّياءُ
* * * = * * *
قلِّبيني يا أذرعَ النَّارِ رُوحاً =طهِّريني حتى يعودَ الحُداءُ
عشَّشَ الصَّمتُ في عروقي وباضتْ =حاملاتُ الرَّدى ودبَّ الفناءُ
ضعتُ في زحمةِ الحروفِ الحيارى =لُغتي صودِرتْ وضاعَ الغناءُ
كلُّ معنىً لفقتُهُ .. كلُّ حرْفٍ =كلُّ ما قلتُ في حياتي هُراءُ
أنا وهمٌ على حدودِ مُحالٍ =أينَ منِّي الشَّوامخُ الشمَّاءُ
أينَ منِّي سليقةٌ ويَراعٌ =أينَ منِّي القصيدةُ العصماءُ
أينَ منِّي النُّسورُ تحدو جناحيْ =للأعالي وأينَ ذاكَ المُضاءُ
فامنحيني يا ألسنَ النَّارِ حرفاً =واضحَ الحبرِ ليس فيه عَماءُ
كلُّ حبرٍ أهرقتُهُ ضاعَ هدْراً =كلُّ ما جاءَ في قصيديْ رِياءُ
أنجديني بمُديةٍ تتلظَّى =من عظامٍ تغمَّدتها الدِّماءُ
واكتبيني بأحرفٍ من حريرٍ =فوقَ جَفنٍ أهدابُهُ الكبرياءُ
* * * = * * *
أنا وهْجُ الحنينِ في موْقِدِ الجُر =ح وناري لا يعتريها انطفاءُ
كلَّما جدَّ مطفئٌ باغتيالي =جدَّ في كومةٍ النُّدوبِ الهواءُ
فمتى تنهضُ الجِراحُ وتحكي =قصةَ الدَّمعِ يومَ عمَّ البكاءُ

8/7/2000

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 02:52 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (13)




تَوْبَةُ عَاشِقَة




بلساني النَّديِّ يسكبُ شهدا =رُحتُ أجني مواسماً منه أندى
همتُ في لذةِ العناقِ وهامتْ =بشفاهي دفئاً وحرَّاً وبردا
أسفَرتْ عن أُنوثةٍ وجَمالٍ =فتساءلتُ : كيف من أينَ أبدا ؟
كيفَ تَبدا ؟! تضاحكتْ وتهاوتْ =تنهلُ الوصلَ من شفاهيَ شهدا
* * * = * * *
أرضعتني كالطِّفلِ برعمَ وردٍ =أودعَ العطرَ في فمي واستردَّا
فطمتني بقولها : " دعكَ منِّي " =ثمَّ راحتْ تزْوَرُّ جيداً ونهدا
أبعدتْني برقةٍ ثمَّ قالتْ : =أنا أصبحتُ حاكماً مستبدَّا
كنتُ أُغريكَ بالوصالِ وإنِّي =أَشعرُ الآنَ أننِّي صرتُ نِدَّا
كنتَ بالأمسِ مالكاً كلَّ أمري =يا حبيبي واليومَ أمسيتَ عبْدا
كنتُ بالقربِ لا أُطيقُ سكوناً =فلعلِّي بالبعدِ أغفو وأهدا
ضِقتُ بالقربِ مرةً تِلوَ أُخرى =فتجلَّدتُ في اللقا كي أَصدَّا
هكذا نحنُ حينَ نأسِرُ نقسو =فتخيَّرْ في أسركَ اليومَ قيدا
لا تقُلْ خانتِ الحبيبةُ عهدي =أُشهِدُ اللهَ لم أخُنْ لكَ عهدا
كنتُ كالطِّفلةٍ الصغيرةِ أعدو =كنتَ وِردي واليومَ أصبحتُ وِرْدا
لمْ يعُدْ فيكَ ما يثيرُ اهتمامي =فكنِ اليومَ للجَفا مستعِدَّا
ما قصدتُ البُعادَ عنكَ ولكن =كلُّ قصديْ أن لا أُوفِّيكَ وعدا
فإذا ما رغِبتَ يوماً لقائي =فاجتنِبْ في اللقاءِ أخذاً وردَّا
وتعلَّمْ منِّي التَّنكرَ واحذَرْ =إنْ تعلَّمتُ أن تضيِّعَ وُدَّا
لا تلُمني فيما أقولُ فإنِّي =تُبْتُ للهِ لم أعُدْ أتردَّى
* * * = * * *
كفكفِ الدَّمعَ يا فطيمُ وبادِرْ =لاتصالٍ باللهِ إنْ شئتَ رُشْدا
أتبِعِ السيئاتِ بالعَوْدِ تغنمْ =يا حبيبي عند امتثالكَ خُلدا
لم أعُدْ للوصالِ أهلاً فإنِّي =صرت أخشى في الحبِّ قرباً وبُعدا
وتولَّتْ وغادرتْني حزيناً =في خِضمِّ البُعادِ أَلطِمُ خدَّا
واعتراني الحياءُ واخترتُ ربِّي =وقتلتُ الأشواقَ قصْداً وعمْدا

10/9/2000

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 02:56 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (14)



قَصِيْدَةٌ مِنَ الشِّعْرِ السَّجِيْن






لحستْ حروفَ قصائدي الفئرانُ =ومشتْ على أوراقِها الدِّيدانُ
وبنى عليها العنكبوتُ شباكهُ =وبكلِّ خيطٍ ناعمٍ شيطانُ
صرخَ الرَّميمُ من الجحيم منادياً * =وذَرتْ رمادَ هشيمهِ النِّيران
ومشتْ جراحاتُ الصميمِ على اللَّظى =حتى اكتوتْ بجمارهِ الأوزانُ
* * * = * * *
ماذا أقولُ ؟ وكيف تنفذُ صيحتي ؟ =وببابِ كلِّ قصيدةٍ سجَّانُ
حملَ السِّلاحَ مهدِداً مُتوعداً =وعلى البروجِ تعاونِ الذُّؤبانُ
صورٌ على جُدرانِ وجهٍ يابسٍ =لا الجِنُّ ترسمها ولا الإنسانُ
وأنا أُحدِّقُ في زوايا صمتِها =وبكلِّ زاويةٍ بها آذانُ
تترقبُ الأسماعُ كلَّ صبيحةٍ =صوتَ الأذانِ فللقريضِ أذانُ
لكنَّه الثُّعبان يقبعُ في فمي =تحتَ اللِّسانِ وجوفه حرَّانُ
أخشى إذا حدَّثتُ نفسي سمعَه =وأخافُ دوماً أن يزِلَّ لسانُ
نَهَرُ الدِّماءِ يسيلُ ضمنَ أصابعي =وأنا على شُطآنِهِ ظمآنُ
والأمنياتُ البِكرُ ملءُ أصابعي =تهوى الدَّلالَ حلا لها العِصيانُ
تصحو ثواني النَّومِ في عصيانها =لا الفكر يكبحها ولا الوجدانُ
هي خمرُ أيامي وكم سكِرتْ بها =روحي وكم قَلَبَ الدّنانَ بيانُ
وكم استعنتُ بعنفوانِ مُكابِرٍ =لا العزمُ يسعفُهُ ولا الإيمانُ
حتَّى تمكنتِ الهواجسُ من دميْ =ونما بنفسي الخوفُ والإذعانُ
أطلقتُ زَفرةَ يائسٍ من سعيِهِ =وبَكيْتُ عمراً كله غثيانُ
تتقيأُ الأقلامُ فوقَ طُروسهِ =من جَوفِ ماضٍ كلُّه هذيانُ
ورجعتُ أقتنصُ الرجاءَ وأبتني =كوخاً فضاقَ بخيبتي البنيانُ
وهوتْ عليَّ قواعدٌ أسَّستُها =وانهارتِ الجُدرانُ والأركانُ
لمَّا رأيتُ ركامَها متوجِّساً =من كلِّ حرفٍ في ذراهُ دُخانُ
آثرتُ أسبابَ السَّلامةِ وليكنْ =من بعديَ الزِّلزالُ والطُّوفانُ
* * * = * * *
ضحكَ الذي حملَ السِّلاحَ مهدِّداً =ممَّا فعلتُ وقهقهتْ غِيلانُ
وصحا الضَّميرُ على رُفاتِ قصائدي =يبكي وتشربُ دمعَه الأكفانُ
والنَّازعاتُ لرُوحِ كلِّ قصيدةٍ =مني يباركُ نزعَها الثُّعبانُ
حتَّى إذا غدتِ القصائدُ جُثَّةً =ومشتْ على أوراقِها الدِّيدانُ
مزَّقتُها وحملتُ مِعولَ خيبتي =ودفنتُ ما رَجَحتْ بهِ الأوزانُ15/1/2001




* يذكر الشاعر هنا دواوينه الأربعة
الأولى صراخ الجحيم ونداء الرميم
ورماد الهشيم وجراح الصميم

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 03:05 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (15)




آيَةُ الخَلْق




قالتْ أحبُّكَ غير أنِّي لم أَزلْ =رُغمَ احتراقيَ في النَّوى أهواهُ
لكنَّ نُصحك لي بقولِ تشاغَلي =عن حبِّه وتعلَّقي بسواهُ
لم أَلقَ غيرَكَ منقِذاً لعواطفي =فحملتُ قلباً أرهقتْهُ مناهُ
وجعلتُ حبَّكَ لي شفاءَ مواجعي =فاقبَلْ هوايَ لعلَّني أنساهُ
فأجبتُها والشوقُ يصهر أحرفي =والقلبُ يخنقُ في الضُّلوعِ هواهُ
أنا يا حبيبةُ مذْ رأيتُكِ هائمٌ =أوَّاهُ من حرقِ الهوى أوَّاهُ
أوَما قرأتِ بمقلتيَّ قصائداً = في العشقِ لا قيسٌ لا ليلاهُ
لكنَّني وصباكِ كانَ يصدُّني =وصراخُ شيبي لا يعودُ صداهُ
آليتُ أن يبقى الصُّراخُ بأضلُعي =حتَّى رأيتُ بمقلتيكِ مداهُ
* * * = * * *
يا حلوةَ العينينِ حسبُكِ في الهوى =قلبٌ تسيلُ على يديكِ دماهُ
إنِّي أخافُ عليكِ غدرَ مُخادعٍ =يجفو هواكِ وتَتبَعينَ خُطاهُ
أَغليتُ دمعَكِ أنْ يسيلَ لكاذبٍ =يوري اللهيبَ وتصطَلينَ لظاهُ
فالحبُّ آيةُ خَلقِنا نحيا به =لولاهُ ما كان الورى لولاهُ
والحبُّ في السِّتينَ حبٌّ جامحٌ =روحي تحِنُّ وخافقي يخشاهُ
وأنا مع السِّتينَ يُرجِعُني الهوى =طفلاً يحبُّ على يديكِ هداهُ
فتقدَّمي وتعهَّدي قلبي ولا =تثِقي بقلبٍ عاشقٍ إلَّاهُ
20/11/2000

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 03:16 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (16)



لعيني بُناةُ المَجْد




أُلقيتْ في مهرجان
ربيع حماة الرابع





على صَهواتِ الشِّعرِ والشِّعرُ مولَعٌ =بملحمةِ الإبداعِ أغزو القوافيا
وأقطِفُ من زهرِ النُّجوم سنى الهدى =وأًثقُبُ بالنُّورِ المبين لآليا
وأَنظِمُ أطواقاً لجِيدِ حبيبةٍ =تبادلُني أنخابَ حبِّي أغانيا
على ضِفتيْ عاصٍ على الدَّهرِ طائعٍ =لدى الأهلِ لم يتركْ عليه طواميا
تدورُ عليه الدَّائراتُ فينتشي =ليغدقَ نشواناً وينعِمَ راضيا
وتحت جناحيْ شاطئيهِ ترَّنمتْ =عصافيرُ حبٍّ ترسلُ اللَّحنَ صافيا
فبينَ الرِّياضِ الحانياتِ قصائدٌ =من العشقِ تستهوي الحبيبَ المُداريا
تغازلني الآمالُ في رَبواتِها =ويجذُبُني العاصي فأهبطُ واديا
* * * = * * *
دَرجتُ بها طفلاً تعلَّقّ قلبُهُ =بمرضِعةٍ هيفاءَ عزَّتْ تساميا
رضعتُ لبانَ الحِّب منها فأينعتْ =هُياماً بقلبي خالداً متناميا
تسلَّقتُ أشجارَ البساتينِ يافعاً =وهامَ بألوانِ الجَمالِ شبابيا
وغازلتُ أوتارَ النَّواعيرِ شاعراً =وأرقصتُ أسرابَ البلابلِ شاديا
تحدَّيتُ أوكارَ النُّسورِ ولم أَزلْ =أحثُّ لآفاقِ الخلودِ جناحيا
رضيتُ بها الإملاقَ أفدي ترابَها =وعزَّةَ أهليها ونبلَ رفاقيا
وعشتُ على جمرٍ أُبرِّدُ غلَّتي =بومضةِ برْقٍ لم تفارقْ خياليا
فما عابني إلا حسودٌ بغيبةٍ =وما شانني إلا وذلَّ أماميا
* * * = * * *
هي الجَّنةُ العذراءُ ما مسَّ طهرَها =غويٌّ يُبينُ الخيرَ يخفي المساويا
أخافُ عليها من عَذولٍ وشامتٍ =وأخشى غريباً حاقداً ومُعاديا
ولمْ أَجفُها يوماً لكسبٍ ولمْ تكنْ =خزائنُ أهلِ الأرضِ ضِمنَ حسابيا
يحجُّ لها العشَّاقُ في كلِّ موسمٍ =ويُحيونَ للشِّعرِ الأصيلِ أماسيا
تنزَّلَ فيها الوحيُ بالشِّعرِ مُعجزاً =توشِّيه أثواباً ويسمو معانيا
بها شامخاتُ المجدِ تزهو أوابداً =على الدَّهرِ فاسألْ شَيزراً وأفاميا*
أقدِّسُ فيها كلَّ ديرٍ ومسجدٍ =وألثُمُ أحجاراً وأبكي غواليا
وألهو مع الأطفالِ أجني براءةً =لأنفِضَ عن روحي الضَّنى والمآسيا
أرى بهُمُ نفسي فأسرفُ لاهياً =لعلِّي أداوي بالبراءةِ دائيا
ويُخجِلُني شيبي وقحطٌ بهامتي =فأمضغُ آلامي وأكتمُ مابيا
وأستعطفُ الأيامَ تمضي ولا أرى =حبيباً يساقينيْ الضِّياءَ مَجانيا
فأغفو على نارٍ أُحِسُّ لهيبَها =بأوردتي الظَّمأى يقضُّ مناميا
وأصحو على برْقٍ يقودُ سحابَةً =تُدمدِمُ في أُفْقيْ فتَهمي سمائيا
وتسكِبُ في شعري الطِّلا وأعبُّه =فيُقبلُ مخموراً ويُدبِرُ صاحيا
وأرسُمُ لوحاتي بظلِّ وريفةٍ =وتصطخِبُ الألوانُ تحت ظلاليا
فيزهو ربيعٌ بالجَلاءِ مضمَّخٌ =وتخطِر أيامُ الجِهادِ بباليا
غداةَ طلعْنا صِبيةً وكواعِباً =نهلِّلُ للثُّوارِ تصْلي الأعاديا
طَلعنا عليهم نقرعُ السَّيفَ بالعصا =كما يقْرَعُ الأطفالُ بالقدْسِ غازيا
هنا فوقَ ساحِ النَّصرِ غنَّتْ دماؤنا =فعادتْ سرايا الغدْرِ حُمْراً دواميا
تُجرِّرُ أذيالَ الهزيمةِ والخنا =وتندبُ مجداً هالكاً متهاويا
ولمَّتْ فِرنسا خِزيَها وتقهقرتْ =ورفَّ لواءُ النَّصرِ في الشَّامِ عاليا
* * * = * * *
حنانيكِ يا مهْدَ البطولةِ والنَّدى =حنانيكِ عادَ العيدُ حرَّانُ صاديا
يعاتبُنا الأقصى فنغلقُ دونَهُ =مسامعَنا خوفاً فيصرخُ باكيا
أفيقوا دُعاةَ السِّلمِ لا سِلمَ يُرتجى =إذا كان من يدعو إليه مُرائيا
ففي كلِّ يومٍ للسَّلامِ حكايةٌ =وفي كلِّ يومٍ ينزِفُ الشَّعبُ غاليا
أفيقوا .. أفيقوا سلمُ " شارونَ " كاذبٌ =أفيقوا فوَكرُ السِّلمِ يُخفي أفاعيا
أفيقوا وسيروا وحدةً عربيَّةً =تدُكُّ بصدقِ السَّائرينَ رواسيا
* * * = * * *
أرى هَمَزاتٍ للشَّياطينِ أينعتْ =تُطبِّعُ أفكاراً وترجو تلاقيا
وهل يرجِعُ التَّطبيعُ شعباً مشرَّداً =ليشربَ من سُمِّ العقاربِ هانيا
* * * = * * *
تفرَّستُ أقطابَ السِّياسةِ جُلَّهمْ =فلم ألقَ إلا واهماً ومُداجيا
تفرَّستُ فيهم فالوجوهُ غريبةٌ =ولستُ أرى فيهم طبيباً مداويا
فرحتُ أُداوي الجُّرحَ بالدَّمعِ واجماً =وأستنفرُ الأطفالَ جيشاً محاميا
وأَصفعُ " أمريكا " ومن لفَّ لفَّها =بطفلٍ يرى بالموتِ للدَّاءِ شافيا
* * * = * * *
لعينيْ بُناةُ المجدِ والمجدُ شامخٌ =بمقلاعِ طفلٍ يَزْحَمُ الهولََ حافيا
بثوبِ فتاةٍ مزَّقته بلهفةٍ =تضمِّدُ جرحاً نازفاً بفؤاديا
لعينيكَ بشَّارُ العروبةِ صغتُها =قصيدةَ حبٍّ تصفعُ اليوم باغيا
تنكَّبْ سلاحَ الحقِّ واقحمْ بنا اللَّظى =فليس لها إلاَّكَ رُمحاً وماضيا
فأنتَ لها يا حيدراً بزئيرهِ =يدكُّ عروشَ البغيِ كالرَّعدِ داويا
تقدَّمْ .. تقدَّمْ خُضْ بنا البحرَ إنَّنا =بفكرِك نستهدي عرَفناكَ هاديا
ودعْ كلَّ نكسٍ خائفٍ مُتخاذلٍ =يلوذُ بأوكارِ السَّلامِ تفاديا
سنُعلي أذانَ الفجرِ فالفجرُ قادمٌ =وينطقُ صخرُ القدْسِ صِلٌّ ورائيا

15/4/2001

* شيزر وأفاميا من بلدات حماة الأثرية

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 03:24 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (17)




صَوَارِيْخ




مهداةٌ لروح الشهيد البطل
سعيد حسن حسين حوتيري
منفذ عملية نهاريا البطولية






فجِّرْ حزامَكَ في دوَّامةِ النَّارِ =وانثُرْ شظاياكَ في قُدسي وأغواري
فجِّرْ فؤادَكَ فجِّرْ كلَّ جارحةٍ =وانشرْ كتابَكَ لا تعباْ بإنذارِ
فجِّرْ عيونَكَ فجِّرْ كلَّ داميةٍ =من دمعِ أُمٍّ على الأطفالِ مِدرارِ
فجِّرْ ضلوعَكَ بركاناً وقلْ لهُمُ =هذي صواريخُ تصميمي وإصراري
هيَّا اقصفوا فالغدُ الموعودُ يجذبُكم =إلى النِّهايةِ في عصفي وإعصاري
لن تقتلوا غيرَ عجلَ السَّامريِّ فقد =آنَ الأوانُ وهذي شُرعةُ الباري
ترقَّبوا يا شرايينَ الفساد على =أرضِ النُّبوَّاتِ ما أعددتُ للثَّارِ
أعددتُ جيشاً حياضَ الموتِ موردُهُ =بفتيةٍ من هواةِ الموتِ أبرارِ
صُنَّاعُ نصرٍ بأجسادٍ ممزَّقةٍ =أكفانُهم من نسيجِ النُّورِ والنَّارِ
لا يَسألون إذا نودوا مناديَهمْ =ماذا وراءكَ من أمرٍ وأخطارِ
بل ينفِرون بأكفانٍ وأحزمةٍ =ويضفرون أكاليلاً من الغارِ
والحاملونَ لواءَ السِّلمِ ما فتئوا =يقدِّمونَ تعاويذاً لسمسارِ
يستقبلون وفودَ السَّائرين على =أجسادِ من سقطوا في هدْمِ أسواري
والعائمون على موجِ الحصارِ غداً =تهوي مراكبُهم في عصْفِ تيَّاري
باعوا السَّلامَ بأسواقٍ مهيَّأةٍ =لكلِّ نكسٍ مضى يحبو لدولارِ
حتَّى إذا ارتفعَ الميزانُ وانخفَضَتْ =كلُّ العروشِ تواروا خلفَ أستارِ
* * * = * * *
فليمضِ " شارونُ " في إعدادِ خطَّتِه =إنِّي أُعدُّ له قبراً بأحجاري
لو يدركُ الوغدُ ما معنى انتفاضتِنا =لغادرَ القدسَ ملفوفاً بأطمار
أو طأطأَ الهامَ في ذلٍّ وغاصَ إلى =أذْنيْهِ في حومةٍ غصَّتْ بأقذارِ
لكنه وحشُ هذا العصرِ يدفعُه =شربُ الدِّماءِ لآثامٍ وأوزارِ
والقائمون تغاضَوا عن جرائِمهِ =في مجلسِ الأمنِ وانحازوا لجزَّارِ
ليعلمَ الكونُ أنَّا ثورةٌ بدأَتْ =من كفِّ طفلٍ بساحِ الموتِ مِغوارِ
يمشي على النَّارِ ثَبْتَ الخطوِ مدَّرعاً =بالقِبلتين ومنقضَّاً كإعصارِ
عيناهُ أُغنيتا عِشقٍ لمقدسِهِ =يرنو من المسجدِ الأقصى لبشَّارِ
حتَّى يعودَ أَذانُ الفجرِ مُنطلِقاً =وتكتسي صخرةُ الأقصى بأزهاري 10/6/2001

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 03:29 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (18)


بَسْمَةُ الجُرْح





من بسمةِ الجرحِ يهمي النورُ والعبَقُ =حتَّى يسيلَ على آفاقِنا الشَّفّقُ
من بسمةِ الجرحِ تزهو كلُّ باسقةٍ =ويضحكُ الغصنُ والأزهارُ والورقُ
فعانِقي يا روابي القدسِ بسمتَه =ودلِّليها فمنها الصبحُ ينفلقُ
لا تُغلقي شَفَتيْ جرحِ الضِّياءِ على =سُمِّ السَّلامِ فهذا السلم مختَلقُ
والخانعون تباروا في صِياغتِه =كلٌّ إلى وكرِه للغدرِ يستَبقُ
ناموا مع الفجر لم يكحلْ بصائرَهم =نورُ الصَّباح فجفْنُ الفجر منغلِقُ
أعياهمُ البحثُ تحت الليل عن نَفَقٍ =للمارقين فلم يُفتحْ لهم نفقُ
فأَجمعوا أمرهم للكيد وانطلقوا =يهرولون وباب الذلِّ منطلَقُ
تملَّقوا كلَّ وغدٍ آثمٍ وقحٍ =يحمي الغزاةَ فما أجداهمُ الملَقُ
فآثروا العومَ في بحرِ الدِّماءِ إلى =شطِّ الخنوعِ وفي أمواجه الغرقُ
وأولموا للسَّلام المرِّ واجتمعوا =على الطَّعام فسادَ الخوفُ والقلقُ
صفُّوا موائدَهم فوق الرَّمادِ على =وعْدٍ كذوبٍ فلم يُسكَبْ لهم طبقُ
واستنفروا مالئَ الأقداحِ يسكرهم =بالأمنياتِ فغصَّ القومُ واختنقوا
مالوا إلى الرَّقص والأحجارُ تلعنُهم =والطِّفل والبيدرُ المحروقُ والطُّرقُ
والأمهاتُ وأرحامٌ ممزَّقةٌ =وكلُّ حبةِ زيتونٍ بها رمقُ
وقبةُ المسجد الأقصى وصخرتُه =ومهدُ عيسى ومَنْ إسراؤُه عَبِقُ
* * * = * * *
يا صخرةَ القدسِ يا معراجَ سيِّدِنا =إلى السَّماءِ غصونُ الغار تصطفِقُ
جذورُها تُنبِتُ الأطفالَ تشحذُهم =على الإباء وهم في زحفِهم صُدُقُ
يرمون والثَّأرُ في أحجارٍهم غرِدٌ =" يسُ " تُتلى و" نصرُ اللهِ " و " الفلقُ "
يقبِّلُ الحجرُ الصوانُ أَنملَهم =إذْ يحملُ الموتَ مِقلاعٌ وينطلقُ
فقبِّلوا كلَّ كفٍّ تنتضي حجراً =وبادروا لاختراقِ الخوفِ واتَّفقوا
كفاكمُ اليوم تهريجٌ وفلسفةٌ =كفاكمُ في ميادينِ الردى نَزَقُ
الخصمُ وحَّدَ رُغمَ الزيف دولتَه =وأنتمُ رُغمَ أنوارِ الهدى مِزَقُ
إنِّي لأقسمُ بعدَ اللهِ في ثقةٍ =بالطِّفلِ إنِّي أرى " كوليزا "* تحترقُ
البوم ينعقُ في أركانِ دولتِها =والخائفون على أركانِها نعقوا
والمجرِمُ الوغدُ يوري النارَ محتضِناً =قِدْرَ السَّلامِ ولا لحمٌ ولا مَرَقُ
لمْ يدْرِ أنَّا نحبُّ الموتَ نطلبُه =كما يحبُّونَ عيشاً كلَّه فَرَقُ
رسالةٌ سُطِّرتْ بالسَّيفِ خالدةٌ =وخالدٌ لم يزَلْ للسيفِ يمتشقُ
* * * = * * *
قولوا لهم يا لُيوثَ القدسِ إنَّ لنا =يوماً به ينجلي عن شمسِنا الغسقُ
أعلامنُا من دمِ الأطفالِ ننسِجها =أعلامُكم في ذُرا أوهامِكم خِرقُ
سنرفعُ الرَّايةَ الحمراءَ يعقدها =ضياءُ فجرٍ من الجَولانِ ينبثقُ
جبينُ بشَّارَ وضَّاءٌ بغُرَّته =وملءُ عينيهِ نورُ اللهِ والألقُ


17/6/2001



* كوليزا ... كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 03:39 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (19)




سَهَرُ الشَّوْق




يسهرُ الشَّوقُ مسرِفاً بالتهابِ =ويغنِّي الحنينُ لحنَ التَّصابي
ويطولُ السهادُ والليلُ يحبو =والخلايا المواتُ تبكي شبابي
أرقبُ الفجرَ والضِّياء كسولٌ =يسحبُ الخطوَ لا يرِقُ لما بي
يتمطَّى على الطَّريقِ ويغفو =ثمَّ يصحو في أضلعي كالحرابِ
وأنا بين صحوِه ومنامي =أتشظَّى على دموعِ انتحابي
* * * = * * *
هذه الحالُ أيقظتْ في عُروقي =نبضَ همٍّ يحبُّ ليلَ عذابي
أتشهَّى الرُّقادَ لو لثوانٍ =والثَّواني تُثيرُ فيَّ ارتيابي
أحرقُ العمرَ بين شوقٍ وسُهْدٍ =في الليالي على حدود السرابِ
أزجرُ النفسَ حين تهفو لإثمٍ =خشيةَ اللهِ طامعاً بالثوابِ
وأُغنِّي يا ليلُ .. يا عَيْنُ جودي =بدموعي وأَمعني بانسكابِ
قدَري أنْ أعيشَ عُمري شقيَّاً =في جحيمي مطارَداً من ذئابِ
يجهلُ اللائمون كيف أُعاني =من براكينِ هدأتي واضطرابي
ويقولون يا غبيُّ تقدَّمْ =لارتشافِ اللَّمى وعَبِّ الشَّرابِ
وتمتَّعْ كما تحبُّ وتهوى =بكؤوسِ الطِّلا ووصلِ الكِعابِ
أنتَ من ضيَّعَ الشَّبابَ غباءً =بين فرطِ الهوى وخوفِ العقابِ
سوف نمضي ونستحيلُ تراباً =فاغنمِ العيشَ من بقايا التُّرابِ
أرهقتْكَ الأيامُ تمضي سِراعاً =بين لومٍ وحُرقةٍ وعِتابِ
* * * = * * *
وتصوَّرتُ ما مضى من حياتي =وابتعادي عن خيبتي واقترابي
أَرجفَ المرجفون منِّي كثيراً =يومَ كان الشَّبابُ ملءَ إهابي
يومَ آثرتُ أن أَعيشَ كريماً =رافِعَ الرأسِ هازئاً بالصِعابِ
واستجارَتْ بيَ الدموعُ وضجَّتْ =ذكرياتٌ تواثَبتْ من كِتابي
أنتَ أَسرفتَ في الحياءِ طويلاً =تتوارى من الضُّحى في الضبابِ
وانقضى العمْرُ والأمانيْ تناءتْ =وطموحي هوى وقامَ حسابي
وتمطَّى السُّؤالُ صعباً عسيراً =أين نورُ الهدى ؟ وحارَ جوابي
14/7/2001

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 03:44 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (20)



قُمْ يا وَليْدُ شَفَاكَ الله




مهداةٌ إلى الشاعر وليد قنباز
وقد أقعده المرض





حطَّمتُ من حُرقتي دَنِّي وأقداحي =ورحتُ أشربُ آلامي وأتراحي
أنوسُ كالظلِّ في أضواءِ راعشةٍ =كطائرٍ جِدِّ غدَّاءٍ وروَّاحِ
وهناً تؤرجحُني الأضواءُ مختلِجاً =مالي يدٌ في اختلاجاتي كلَّواحِ
أهيمُ في " صالة الإبداعِ "* أسألُها =عمَّنْ غزاها بأقلامٍ وألواحِ
أديرُ عينيَّ في أرجائها وجِلاً =أُقلِّبُ الطَّرفَ بحثاً عنك يا صاحِ
وأحبِسُ الدَّمعةَ الحرَّى وأُطلقُها =إذْ لمْ أَجدْكَ مع الفرسانِ في السَّاحِ
* * * = * * *
" وليدُ " يا بسمةَ الشِّعرِ الذي انبثقتْ =أنوارُه في شراييني ومصباحي
" وليدُ " يا مبدِعَ السِّحرِ الذي شهدتْ =له المنابرُ في شرحٍ وإيضاحِ
" وليدُ " يا فاتحاً لي كلَّ مُغلقةٍ =إنِّي كسرتُ بقُفلِ الغيبِ مفتاحي
* * * = * * *
ماذا أقولُ ؟ ومنْ يُزجي ندى قلمي =وكيف أُوجِزُ أفكاري لشُرَّاح ؟
وكيف أشدو ولا ألقاكَ مبتسماً =بين الحُضورِ ولم أُبصِر سوى اللاحي
قفْ يا وليدُ على ساقيكَ منتصباً =بإذنِ ربِّكَ واهجُرْ كلَّ جرَّاحِ
قفْ يا وليدُ وبادرْ بالمسيرِ إلى =دارِ الثَّقافةِ لا تسمعْ لنُصَّاحِ
أُتلُ المثانيَ واستنجدْ بمن نزَلتْ =آياتُهُ هديَ أفكارٍ وأرواحِ
عُدْ للحديقةِ صدَّاحاً على فَننٍ =وانْسَ السَّقامَ وغازلْ كلَّ صدَّاحِ
أين الهديلُ وأين الرَّاحُ هلْ نفدتْ ؟ =أين العنادلُ هل نامتْ بأدواحِ ؟
* * * = * * *
أشرِقْ " وليدُ " علينا في مجالسِنا =فخَمرةُ الشِّعرِ قد حنَّتْ لأقداحِ
والمصبِياتُ على شَدْوٍ وهدهدةٍ =تشتاقُ عِطرَ الهوى من كلِّ فوَّاحِ
ذوِّبْ يراعَكَ توِّجها بمُرقصةٍ =من فنِّكَ البكرِ واسكُبْها مع الرَّاحِ
إنَّا عهِدناكَ وضَّاحَ السَّنا عبِقاً =كالزَّهرِ في كلِّ إمساءٍ وإصباحِ
* * * = * * *
قُمْ يا " وليدُ " شفاكَ اللهُ صلِّ بنا =وادعُ الإلهَ بتجويدٍ وإفصاحِ
لُذْ بالذي قدَّرَ البلوى وأنزلَها =واجأرْ إليهِ بإصرارٍ وإلحاحِ
إنِّي أُصلِّي وأدعو اللهَ مُبتهِلاً =كيما تعودَ لإنشادٍ وتَصداحِ
فاللهُ يُصغي لعبدٍ شاكرٍ ورِعٍ =في النَّازلاتِ عليه جدِّ مِلحاحِ
فارفَعْ يديك إلى ربِّ العبادِ ولا =تقنَطْ فديتُكَ أنت الأزهرُ الضاحي
وأنتَ من أنتَ في تقوى الإلهِ فقُمْ =وخلِّصِ النَّفسَ من تهويمِ أشباحِ
ثبِّتْ فؤادَكَ لا تعباْ بنازلةٍ =إنَّ الذي سطَّرَ البلوى هو الماحي
واسفحْ دموعَ الرِّضى فالبرْدُ في يدِه =ومَنْ سواهُ لمهمومٍ ومُلتاحِ
أقبلْ عليه وقلْ يا ربِّ خُذْ بيدي =وافتح طريقَ الشِّفا يا خيرَ فتَّاحِ
21/8/2001



*صالة الإبداع : صالة المركز الثقافي في حماة

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 07:19 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (21)




أَسْتَغْفِرُ الشَّيْب




على شفا جُرُفٍ هارٍ أداعبُهُ =حلْمٌ شهيٌّ تقيٌّ طاهرُ الأرَبِ
على شفا جُرُفٍ ما زلتُ ألثمُه =بين الجفونِ كطيفٍ هامَ بالهدبِ
خمسينَ عاماً على أسوارِ مملكةٍ =من الهُيامِ يعاديني بلا سببِ
* * * = * * *
أواهُ .. أواهُ يا حُلماً ألوذُ به =في النومِ والصَّحوِ بين الشكِ والرِّيَبِ
أما تعبتَ على أسوارِ مملكتي =ألا اقتحمتَ عليَّ الليلَ بالشُّهُبِ
ألا دحَرْتَ ظلامي في ضِياءِ غدٍ =حتَّى يلوذَ ظلامُ العيشِ بالهربِ
* * * = * * *
تعالَ وابحثْ عن التَّفسيرِ في كُتُبٍ =حروفُها أشرقتْ من دمعِ منتحِبِ
لعلَّ نورَك يسعى بين أسطرِها =يضيءُ فيَّ ليالي الهمِّ والنَّصبِ
يُمِدُّ كوثرَ إلهامي يفجِّرُه =بين الضلوعِ فيأتي الشِّعرُ بالعجبِ
* * * = * * *
أواهُ .. أواهُ يا حلماً بذلتُ له =عمْراً تأرجحَ بين الجدِّ واللعبِ
هاتِ اسقني خمرةَ الإبداعِ تُسكرني =روحاً فأنأى بها عن خمرةِ العِنَبِ
واعطفْ على كبِدٍ حرّى يمزِّقُها =شوقٌ قديمٌ إلى مشبوبةِ اللهبِ
أدمنتُ فيها صباباتي وقافيتي =خمسين عاماً أُناديها ولم تُجِبِ
كأنها تختفي كي لا يطاردها =شوقي إليها على صافٍ من العَتَبِ
فأُجفلتْ أُمنياتي بعدما انقطعتْ =آمالُ وصليْ على بوابةِ السغَبِ
* * * = * * *
أواهُ .. أواهُ يا حُلْماً أهدهده =بين الجُفونِ فيرميني إلى العطبِِ
أصبحتَ عنِّي بعيداً لا سبيلَ إلى =لقياكَ حتَّى ولو أمطرتَ كالسحُبِ
لكنَّني هائمٌ خلفَ السَّرابِ ولا =أستغفرُ الشَّيبِ عفوَ العمْرِ لم أشِبِ8/1/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 07:22 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (22)



مَجْنُوْنَةُ الشَّوْق




أنامُ على قربٍ وتغفو على بُعدِ =وأصحو على وصلٍ وتصحو على صدِّ
وأحيا على عهدٍ قطعناه بيننا =وتحيا على الإمعانِ في نقضِها عهدي
وفي مَهْمهِ الأيامِ أمضي مكبَّلاً =تُهدهدني الذكرى فأحنو على قَيْدي
ولولا ثواني القربِ في الشهرِ مرَّةً =لأحرقَني دمعي وأطفأني سُهدي
وجاريتُها بالغدرِ في الهجرِ والجفا =فلا همُّها همِّي ولا سعدُها سعدي
* * * = * * *
لأجلِكِ يا مجنونةَ الشَّوقِ أنتضي =قصائدَ حبٍّ ضاعَ في الجزرِ والمدِّ
لأجلِكِ يا مشبوبةَ النَّارِ أنتقي =لآلئَ أصدافٍ تنضَّدُ في عِقْدِ
لأجلِكِ يا فتَّانةَ الرَّوضِ أجتني =مواسمَ أزهارٍ تنامُ على زندي
وأنتِ ولا أخشى العقابَ غبيَّةٌ =تصدُّ على قصدٍ وترضى على عمْدِ
تغارين ممَّن لا أُبالي بحبِّها =وتدرينَ أنِّي لا أزالُ على ودِّي
تنامينَ والأوهامُ تغتالُ مضجعي =فأغفو على نارٍ وأصحو على برْدِ
وأستعذِبُ الآلامَ يشربُها دمي =وتتركُني شلواً يمزِّقُني وجدي
وأستنفٍرُ الآمالَ في حومةِ الأسى =فيخذِلُني عزمي ويفتِكُ بي جهدي
فأرفعُ كفِّي للسماءِ تضرُّعاً =أخاطبُ ربِّي كي أعودَ إلى رُشدي
وما بيَ مسٌّ ..لا .. وما بيَ جِنَّةٌ =ولكنَّ بي شوقٌ لسيَّالةِ الشَّهدِ
أهيمُ بها كالنَّحلِ أجني رحيقَها =وأسكبُه شِعراً فأبني به مجدي
لقد كنتِ يا محمومةَ العطرِ وردةً =وكنتُ أصوغُ الشِّعرَ للعطرِ والوردِ
فإنْ عُدتِ يا مسمومةَ الشَّهدِ شوكةً =فخلِّي سؤالي عنكِ يَشقى بلا ردِّ
27/1/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 07:27 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (23)



رِيْحُ النُّهُوْض





لا للعراقِ ل " إسرائيلَ" ألف نَعمْ =فاستسلموا أو فذوقوا عصفَ إعصاري
السِّلمُ غايتُنا والعدلُ رائدُنا =ناموا على الذلِّ وانصاعوا لإنذاري
إنَّا نقيمُ لكم حفلاً يمتِّعُكم =بعرضِ أزيائنا الحُبلى بأقذارِ
رِفقاً بشارونَ لا تُؤذوا عواطفَه =وعاملوه بإحسانٍ وإيثارِ
ماذا : لو اقتلعَ الأشجارَ حوَّلها =زيتاً لدبَّابةٍ غصَّتْ بأشرارِ
ماذا : لو احترقتْ بغدادُ وانسحقتْ =كلُّ الشعوبِ وبادتْ في لَظى النارِ
ماذا : لو انهدَمَ الأقصى وعاثَ به =كلُّ الزُّناةِ بأبكارٍ وأطهارِ
ماذا وماذا : وماذا لا سبيلَ إلى =إعرابِ ماذا وقد أتقنتُ أدواري
إنِّي أحذِّرُ من تثبيتِ قاعدةٍ =تَنفي وتُثبتُ ما تبديه أخباري
فما عليكم سوى أن تعربوا ولنا =حقٌّ بتوزيعِ أصفارٍ لأصفارِ
* * * = * * *
أشعلتُ محرقتي في ظِلِّ داليةٍ =حمراء تشربُ من سُمِّي وأوزاري
تنمو المنونُ بها عُنقودُها غَضَبٌ =وخمرُها من لَظى اليَحمومِ والقارِ
سيسكرُ الكونُ منها حين أسكبُها =لكلِّ شعبٍ على وعدٍ بمقدارِ
هذا نظامٌ جديدٌ سوف أفرضُه =على الشُّعوبِ بإعلانٍ وإسرارِ
من يومِ حطينَ أظفاري مقلَّمةٌ =واليومَ أشحذُ أنيابي وأظفاري
لم يبقَ فيكم صلاحُ الدينِ إذْ لجأتْ =كلُّ الزعاماتِ في صمتٍ لأوكارِ
وأوغلتْ في جُحورِ الخوفِ تاركةً =كلَّ المبيعاتِ تشكو غِبْنَ سمسارِ
حتَّى إذا بيعَ تاريخٌ برُمَّتِهِ =راحتْ تُعربدُ في رفضٍ وإقرارِ
* * * = * * *
يا حاملينَ لواءِ السلمِ في دِعةٍ =والريحُ تمعنُ في تحطيمِ أشجاري
أتفرحون إذا ما ساءكمْ خبَرٌ =وتغضبون إذا ما انقضَّ ثوَّاري
أتشربون كؤوسَ الذلِ في شُرَفٍ =وتأكلون ضحايا النارِ في غارِ
والطفلُ في المهدِ والأقصى يناشدُكم =يا أمةَ العُربِ يا أهلي وأنصاري
أعددتُ للثأرِ مقلاعاً ومحبرةً =ورُحتُ أطلقُ أحجاري وأشعاري
فليقطعوا الماءَ بعدَ الكهرباءِ فلن =يستقبلوا غير إيماني وإصراري
* * * = * * *
يا نائمون أما ملَّتْ مضاجعُكم =من التقلبِ واشتاقتْ لسُمَّارِ
أما ترهلتِ الأجفانُ واحترقتْ =أحلامُكم في فضاءاتٍ وأقمارِ
" بيروتُ " ملحمةٌ ضافتْ بفارسِها =فوسِّعوها بطبَّالٍ وزَمَّارِ
غنُّوا على وعدِ أمريكا بمؤتمرٍ =وشاركوها بأبواقٍ وأوتارِ
واستقبلوا كلَّ من يسعى لفُرقتكم =بالهمزِ واللمزِ في عَرْضٍ وتَكرارِ
وعرِّفوا ما هو الإرهابُ والتمسوا =عُذراً لمستهترٍ بالسلمِ كفَّارِ
* * * = * * *
" شارونُ " ينذِرُ والأحداثُ شاهدةٌ =يقول: لا تكسِروا بالضربِ مِسماري
لا تقتلوا الصمتَ لا تُبدوا مقاومةً =لا تطلقوا طلقةً في حقديَ العاري
وهيئوا لافتاتِ الشجبِ إنْ ضُربتْ =بغدادُ أو سُلِّمَ الأقصى لأحبارِ
تربَّصوا سوف يأتي دورُكم فعلى =جداولِ القصفِ أسماءٌ لأمصارِ
فبادروا لاقتحامِ السوقِ واغتنموا =عرضاً لكلِّ تصاميمي وأسعاري
ولنبدأَ العرضَ في الأقصى وننقلَه =لكلِّ عاصمةٍ ضاقتْ بأفكاري
حتى إذا جئتُ من صاموا على أملٍ =في دولةٍ حرَّةٍ من غيرِ أسوارِ
قدَّمتُ مائدةً بالسُّمِ عامرةً =فغادروها وباتوا دون إفطارِ
وأولِموا للسلامِ المرِّ وانتظروا =بعضَ الفُتاتِ ولكن خلفَ أستارِ
* * * = * * *
يا ساجدين على أبوابِ سادتِكم =ماذا فعلتم لمحوِ الإثمِ والعارِ
أتصدِرون بياناتٍ منمَّقةٍ =وتُجمِعون على إطفاءِ أنواري
أتطمعون بعفوِ الشعبِ إنْ عصفتْ =ريحُ النُّهوضِ بكفَّارٍ وفُجَّارِ
أم تلجؤون إلى أوكارِكم هَلَعاً =وتغرقون بأورادٍ وأذكارِ
لا بقبلُ اللهُ منكم أيَّ مبتهِلٍ =وأنتمُ بين مستَجْدٍ وخوَّارِ
تبَّتْ أياديكُمُ .. تبَّتْ مناصبُكم =وتبَّ من يشتري عرشاً بدينارِ
* * * = * * *
يا لابسينَ دروعاً غيرَ واقيةٍ =من الشُّعوب إذا هبَّتْ كإعصارِ
لا تحسبوا أنكم تخفون أنفسَكم =تحت البراقعِ عن سمعي وأنظاري
أغصانُنا الخُضرُ ما انفكتْ أناملُها =تبرعِمُ النَّصرَ من دارٍ إلى دارِ
تفِرُّ منهم حشودُ البغيِ هاربةً =وتحتمي من صدى المقلاعِ بالنارِ
تجري البطولةُ في شريانهم سُوراً =" آياتُها "* ملءَ أسماعٍ وأبصارِ
ليمونةٌ عُمْرها عمرُ الضِّياءِ ضُحىً =تجرَّعتْ غُصَّةَ الزَّيتونِ والغارِ
تناثرتْ مِزَقاً أشلاؤها كتبتْ =أحلى القصائدِ في تفجيرِ زُنَّارِ
إنِّي لأسجُدُ إجلالاً لمن خلَعتْ =ثوبَ الزَّفافِ ولم تركعْ لكفَّارِ
فأجمِعوا أمرَكم واستنفِروا دمَكم =وشرُّكم من توارى خافَ أعذارِ
شعوبُكم أُتخِمتْ بالزَّيفِ فاحترَفتْ =فنَّ الوجومِ بلا سمعٍ وإبصارِ
يزمجرُ الصَّمتُ في الآذانِ يثقبُها =والصوتُ يحفِرُ أغواراً بأغوارِ
* * * = * * *
يا أمَّتي يا بقايا نخوةٍ جُمِعتْ =من كلِّ عاصمةٍ في صحنِ آذارِ
لا تعقِدوا قمةً في ظِلِّ فرقتِكم =وجرِّبوا مرةً في العزفِ قيثاري
صَفُّوا سرائرَكم في كلِّ مُعتَرَكٍ =وراقبوا اللهَ في جهرٍ وإضمارِ
فالوغدُ " شارونُ " يغزوكم بمعتَقَدٍ =فلا تبيعوه إيماناً بدولارِ
يشدُّه " بوشُ " بالحقدِ الدَّفينِ كما =تُشدُّ فيه خنازيرٌ لأبقارِ
أحداثُ أيلول لم تبرَحْ مخاوفُها =رأساً تحدَّرَ من أصلابِ أحبارِ
فليأتِ مبعوثُ أمريكا على جُثَثٍ =يلفُّها القادمُ العاري بأطمارِ
* * * = * * *
يا مؤمنون وحزبُ اللهِ رائدُكم =تيقَّظوا لا تُصلُّوا قربَ غدَّارِ
ولا تصوموا على وعدٍ بمائدةٍ =في بيتِ نذلٍ على الأضيافِ مُنهارِ
" شَبْعا " كيافا " كرامِ اللهِ " فانتصروا =للأمهاتِ لأطفالٍ وأبكارِ
* * * = * * *
يا من عقدْتُم على التطبيعِ قمَّتَكم =ماذا تركتم لثوَّارٍ وأحرارِ
لُمُّوا بياناتِِكم من صحنِ مؤتمرٍ =وارموا بها خُلسةٍ في عُنفِ تيَّارِ
لا ترهقوا النفسَ في كشفٍ وتعريةٍ =لِما تُكنُّونَ من حقدٍ وأوغارِ
لا تصلبوني على وعدٍ تُطيحُ به =ريحُ النزاعِ ولا تصغوا لتجَّارِ
لا تحرقوا الغارَ في الأرضِ التي شربتْ =طُهرَ الدِّماءِ وغذَّتْ كلَّ أزهاري
لا تحملوني على أنقاضِ عزَّتِكم =إلى المشافي فما أنتم بزوَّاري
لا تُبرموا صفقةً للسلمِ خاسرةً =لا تهتكوا في حِياضِ القدسِ أستاري
لا تَشربوا السمَّ في كأسٍ مزخرفةٍ =لا تبلعوا الطعمَ محشوَّاً بأثمارِ
لا تأمنوا لذئابٍ في مُساومةٍ =ولا تناموا على سكِّين جزَّارِ
ومزِّقوا كلَّ راياتِ السَّلامِ ضُحىً =وسلِّموا رايةَ الجلَّى لبشَّارِ
فبايعوه على الجلَّى لقد سقطتْ =كلُّ الزعاماتِ في مستنقعِ العارِ
31/3/2002


* آياتها ... آيات سورة الأحزاب

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 07:30 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (24)




جَائِزَةُ نُوْبل للسَّلام





لا تسمعوا .. أغلقوا آذانَكم فأنا =أغلقتُ خوفَ دويِّ القصف آذاني
لا تنطِقوا .. أطبِقوا أفواهكم فأنا =أطبفتُ فوقَ حروفِ الرَّفضِ أسناني
لا تؤمنوا .. جمِّدوا إيمانكم فأنا =جمَّدتُ فوق لهيبِ النَّارِ إيماني
ناموا طويلاً ولا تستيقظوا فأنا =أنامُ بين الأفاعي ملءَ أجفاني
* * * = * * *
شعوبُكم في زوايا الخوفِ قابعةٌ =وأنتُمُ بين رِعديدٍ وخوَّانِ
تستنجدون بمن يحمي مضاجعَكم =تخشون فَتكةَ أشباحٍ وغِيلانِ
لا تعقِدوا قمةً في ظِلِّ خيبتِكم =لا تُبرِموا صفقةً تمضي لخُسرانِ
لا تخرجوا في مسيراتٍ منظَّمةٍ =أهدافُها ووْرِيتْ في صُلْبِ أحزاني
قولوا بكلِّ فضائياتِ عالمِكم =قتلُ الملايينِ فعلٌ غيرُ إنساني
قولوا " لشارون " أهلاً واسألوه رضىً =وصافحوه على ذُلٍّ وإذعانِ
ودجِّنوا كلَّ جُرحٍ نازفٍ فأنا =دجَّنتُ كلَّ جراحاتي وأشجاني
غنُّوا لأجلِ حصارِ القدسِ واحتفلوا =وقدِّموا عُلبةَ الحلوى لقرصانِ
وامضوا إلى الشَّرقِ واستجدوا مُناصرةً =وفاوِضوا الغربَ في أوكارِ فئرانِ
إنَّا نُعِدُّ لكم سوراً يُمنِّعكم =من الخليلِ إلى الأقصى لعمَّانِ
قفوا جميعاً على أعجازِكم ودعوا =أقدامَكم تنحني من غيرِ سيقانِ
سيروا إلى حتفِكم حبْواً ولا تدعوا =صوتاً يعبِّرُ عن رأيٍ ووجدانِ
بالأمسِ سرتُم على أعجازِكم دولاً =تباركُ الوحشَ لاستعمارِ أفغانِ
فأمعنَ القصفَ مشحوناً بهمَّتِكم =وحوَّلَ الأرضَ من روضٍ لبركان
* * * = * * *
قلنا لكم : قاوِموا الإرهابَ واغتنموا =أحداثَ أيلول واستعلوا بسُلطاني
أنتمْ صنائعُنا نغري الشُّعوبَ بكم =أنتم عبيدٌ لنا في ظِلِّ تيجانِ
لا تتركوها بلا ريشٍ يزيِّنُها =ورصِّعوها بياقوتٍ ومَرجانِ
لا ترفعوا رأسَكم إلا لمشنقةٍ =لا تُخفضوه لغيرِ القاتلِ الجاني
لا توقظوا النخوةَ العرباءَ في دمِكم =كونوا حمائمَ سِلمٍ تحت غرباني
صوموا وصلُّوا على أعتابِ سادتِكم =ووقِّعوا السِّلمَ في صمتٍ وكِتمانِ
غداً نُقيمُ لكمْ في القدسِ عاصمةً =لدولةٍ حرَّةٍ من خلفِ قضبانِ
وسوف نقضي على الإرهابِ في بلَدٍ =يليهِ آخَرُ فاختاروا من الثَّاني
أفي العراقِ ؟ أمِ الصُّومالِ ؟ أمْ بلَدٍ =تُذكي الطفولةُ فيه كلَّ مَيدانِ
بأنمُلٍ تقذفُ الأحجارَ لاهبةً =من مسلمٍ يفتدي الأقصى ونَصراني
في مهْدِ عيسى وفي مسرى الرَّسولِ وفي =حيِّ الخليلِ تحدُّوا عصْفَ نيراني
يرمون والثأرُ في أحداقِهمْ غَرِدٌ =لا يعبئونَ بتنينٍ وثُعبانِ
أم ننثني نحوَ حزْبِ اللهِ نقصِفُه ؟ =هذا الذي في ذرا لبنانَ أعياني
أم للشآمِ التي من أفقِها سطعَتْ =شمسُ الصباحِ على قدسي وجولاني
تزهو بهمَّةِ حاديها وفارسِها =وفي مرابِضِها يخْتلُّ ميزاني
وربَّما .. ربَّما تمضي عدالتُنا =لتُكملَ القصفَ من أجواءِ سودانِ
تخيَّروا موتَكم في أيِّ مجزَرةٍ =ترضونه وانعموا في ظِلِّ عُدواني
وعرِّفوا ما هو الإرهابُ وانتظروا =تعريفَنا سوف يأتيكم ببُرهانِ
الحقُّ للقوةِ العمياءِ فاحترموا =مواقفي واخبطوا خلفي كعُميانِ
* * * = * * *
إنِّي لأقسمِ بالتدميرِ منتشِياً =بالإنتقامِ ولمْ أَحنَثْ بأيماني
لأقضِينَّ على الإرهابِ معتمِداً =صمتاً يعمِّقُ إصراري وإمعاني
وأهدِمنَّ محاريباً وأديِرةً =وأرفعنَّ على الأنقاضِ جُدراني
كلُّ الشعوبِ التي تسعى لعزَّتها =لسوفَ يجرِفُها سيلي وطوفاني
شريعةُ الغابِ عندي سوف أفرضُها =على الملايينِ من إنسٍ ومن جانِ
فرشِحوني ل " نوبلْ " سوف ألصقُها =على القبور وأَحميها بشيطاني
ولتعقِدوا قمَّةً أوراقُها نُشِرتْ =في بهوِ أمركةٍ تزهو بطغيانِ
أنتم على صفحةِ الإرهابِ من زمنٍ =من يومِ حطينَ ذُلُّ القهرِ أعماني
من يومِ حطينَ نارُ الحقدِ تدفعُني =لكي أُعدَّ لهذا العصرِ صُلباني
أنتم جميعاً لدى تقييمنا عربٌ =وتؤمنون بإنجيلٍ وقرآنِ
ونحن نبني لتهويدٍ وعولمةٍ =وسعيُكم ممعنٌ في هدمِ بنياني
لا فرقَ بين مسيحيٍّ يعارضُني =ومسلمٍ يرهبُ الدنيا بأكفانِ
لا فرقَ بين مليكٍ راح يغبِطُني =وبين راعٍ يلاقيني بقطعانِ
لا فرقَ بين مُغالٍ في عواطفهِ =وبين مسترشِدٍ بالعقلِ ينهاني
* * * = * * *
بترولكم دمُنا يجري بكم خطأً =ردُّوا لنا دمَنا تحظوا برضوانِ
وكبِّلوا كلَّ حرٍّ ينتضي قلماً =وعلِّقوه على أعوادِ نسيانِ
سُدُّوا مسامعَه واعموا نواظرَه =وأغلقوا فمَه إمَّا تحدَّاني
وعلِّموه احترافَ الخوفِ إنْ جمحتْ =أفكارُه وجرى من غيرِ أرسان
غداً يرى العالمُ النامي سياستَنا =لَمَّا أدعِّمُ تحت القصفِ أركاني
ألستُمُ من رعى الإرهابَ منطلِقاً =من أَرْزِ لبنانَ للأقصى لإيرانِ
إلى " الفلبين " نمضي قبلَكم فإذا =تمَّتْ مهمتُنا سرنا لبغدانِ
فباركِوا سعيَنا حتى نخلِّصَكم =ممَّا تُعانون من جوعٍ وحِرمانِ
لا تنظروا في اتجاهاتٍ معاكسةٍ =عبرَ الفضاءِ ولا تُصغوا لإنسانِ
لا تركبوا موجةَ التحريرِ في زمنٍ =أطلقتُ فيه على الشُّطآنِ حيتاني
لا تُرهِفوا سمعَكم للصدقِ واستمِعوا =لِما نؤكِّدُ من زورٍ وبُهتانِ
كنَّا نخافُ من " السوفييتِ " يدعمُكم =واليومَ نسخرُ من "روسٍ " وألمانِ
* * * = * * *
ناموا على الذلِّ أنتم أمةٌ نعمتْ =بالعزِّ ثمَّ توارتْ طيَّ خِذلانِ
عادتْ إلى القهرِ فالتاريخُ يمقتُها =لمَّا تُسائلُه عن مجدِها الفاني
تغفو على خُضْرِ أحلامٍ يدغدغُها =ذئبٌ يراودُها في جِلدِ حملانِ
وأوغلتْ في جُحورِ الجبنِ ساستُها =يغتالُها الخوفُ من سجنٍ وسجَّانِ
* * * = * * *
ودمدمَتْ في سماءِ القدسِ راعدةٌ =" اللهُ أكبرُ " يا أهلي وجيراني
قولوا لشانئنا الغرورِ حسبُك لا =تُسرفْ بظنِّكَ صوتُ الحقِّ ناداني
قد أذَّنَ الفجرَ طفلٌ ينتضي حجَراً =وراحَ يضِربُ في سرٍّ وإعلانِ
فأمةٌ شرعُها عدلٌ ومَرحمةٌ =للعالمينِ بإنعامٍ وإحسانِ
وطفلُها في سبيلِ اللهِ منجرِدٌ =لن تستكينَ لأوغادٍ وعِبدانِ
ينقضُّ والثأرُ في جنبَيْهِ محتدِمٌ =والموتُ والعيشُ إذْ ينقضُّ سيَّانِ
يقولُ للعُربِ والأجيالُ شاهدةٌ =لا تشتروا بدمي سُمَّاً لأوطاني
لا تصلِبوني على أعوادِ مؤتمرٍ =لا تقطعوا بمُدى الزيتونِ شرياني
لا تبحثوا عن عناوينِ الفِدا فأنا =نقشتُ في صخرةِ المعراجِ عنواني
وليذبحوني على الإيمانِ إنَّ دمي =يضيءُ دربَ أشقَّائي وإخواني
إنِّي كتبتُ ل " بوشٍ " بالدِّما صُحُفاً =فليقرأ الوغدُ ما يُمليه إيماني
فكفِّنوني إذا استُشهِدتُ في علمي =وكحِّلوا بترابِ القدسِ أجفاني
حتَّى أنامَ قريرَ العين في وطنٍ =يضمُّني تربُهُ الغالي بتَحنانِ
ولتكتبوا فوقَ قبري آيةٌ نزلتْ =باسمِ الشهادةِ من آياتِ قُرآني

3/2/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 07:35 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (25)




مَلْعَبُ النَّسْر




ألقيت في أربعين المرحوم الشاعر
الفلسطيني " حسن أبو أحمد "





اِضفروا الغارَ أيُّها الأدباءُ =واسكبوا العطرَ أيُّها الشعراءُ
رصِّعوا سُدَّةَ الخلودِ بنجمٍ =آثرَ العتمَ كي يشِّعَ الضياءُ
توِّجوا النَّسرَ بالقريضِ وفاءً =ملعبُ النسرِ شِعرهُ والفضاءُ
واحبسوا الدمعَ فالمُصابُ عظيمٌ =ليس يجدي في النازلاتِ بكاءُ
* * * = * * *
يا صديقي وصاحبي وخليلي =يا شذا الزهرِ إنْ تهادى المساءُ
يا نديَّ الحديثِ في أُمسياتٍ =طابَ فيها اللِقا وطابَ الغناءُ
يا رضيَّاً بما تعاني وتشقى =يا وفيَّاً يبكي عليه الوفاءُ
لِمْ تعجَّلتَ يا أخي ولماذا ؟ =ألِصمتِ القبورِ هذا الولاءُ ؟
أمْ على الشاشةِ الصَّغيرةِ أدمتْ =قلبكَ الحرَّ فِعلةٌ شنعاءُ
فرضيتَ الحِمامَ يأسو جراحاً =حينَ عزَّ الأساةُ والرُّحماءُ
أنتَ في شُرعةِ النضالِ شهيدٌ =تغبِطُ الأرضُ روحَه والسَّماءُ
* * * = * * *
يا سخيَّاً بكلِّ ما هو غالٍ =يا أميناً يزهو بها الأمناءُ
كيف تمضي ولا تقولُ وداعاً =أيُّها الصحبُ لن يكونَ لقاءُ
لا تُجبني على ندائي فإنِّي =قد أُوافي الثرى ويخبو النداءُ
* * * = * * *
يا سعيداً بالموتِ إنِّي شقيٌّ =في حياتي يغتالُني الأغبياءُ
كلُّ حرفٍ نضَّدتُه صار طوقاً =في خِناقي يشدُّه الأدعياءُ
سوف آتي إليكَ فاحفظْ مكاني =وانتظرني فما لحيٍّ بقاءُ
وتضَّرعْ للهِ واسألْهُ نصراً =نحن بالصمتِ والعمى فصحاءُ
نعشقُ السلمَ نكره الحربَ نسعى =لسلامٍ يأتي به الغرباءُ
نرفعُ اللافتاتِ من كلِّ لونٍ =ويغنِّي حشودَنا الخطباءُ
كلُّ جدرانِنا تنوءُ بحِمْلٍ =من شِعاراتنا ويزهو الطلاءُ
من صميمِ الشريانِ نسحبُ خيطاً =من دماءٍ كي لا يجفَّ الهواءُ
ونغنِّي للقدسِ لحناً حزيناً =وقَّعتْه المدافعُ الخرساءُ
تتبارى فيهِ العواصمُ عزْفاً =مُخمليَّاً يزهو به الجهلاءُ
هذه عُدَّة الصمودِ لدينا =فليُباركْ صمودَنا الأقوياءُ
* * * = * * *
يا أخا الشعرِ والجراحُ دليلٌ =شاخَ فيه الصدى وماتَ الرجاءُ
صُبَّ لي من علاكَ كأساً دُهاقاً =يا نديمي لقد قضى الندماءُ
مزِّقِ الصمتَ والحجابَ وغرِّدْ =في جنانِ الخلودِ كيفَ تشاءُ
كبَّلونا بالصمتِ ثمَّ استباحوا =عِرضَ أقلامِنا فعمَّ البِغاءُ
أنتَ حرٌّ فيما تقولُ وتعني =والمراؤون كلُّهمْ جبناءُ
النبِيُّونُ وحدُهم أبرياءٌ =من رِياءٍ يليهِمُ الشُّعراءُ
بعضُهم هائمون في كلِّ وادٍ =والصفيُّونَ فهمُ استثناءُ
صدقَ اللهُ .. كم يهيمُ بوادٍ =شاعرٌ ماتَ حسُّهُ والحياءُ
* * * = * * *
يا أخا السهدِ والفؤادِ المُدمَّى =غاضَ نبعُ الهُدى وماتَ الظِّماءُ
كيف أَرثيكَ يا أخي وفؤادي =قد أصابتْهُ طعنةٌ نجلاءُ ؟
كيف أَبكيكَ والقوافي تشظَّتْ ؟ =كلُّ سطرٍ من جسمِها أشلاءُ
في فلسطين يسقُطُ الناسُ صَرعى =والسياساتُ كلُّها خرقاءُ
يتبارَونَ في كلامٍ وعرضٍ =والأحاديثُ بينَهم جوفاءُ
كم تنادَوا من كلِّ فجٍّ وعادوا =والبياناتُ صفحةٌ سوداءُ
كم أعدُّوا للرفضِ ثمَّ استجابوا =لعروضِ السلامِ وهيَ بلاءُ
أنتنَ الحِبرُ في يراعي فأضحى =من صديدِ اليَراعِ هذا الهُراءُ
غاضَ نبعُ الحروفِ جفَّتْ غصوني =وادلهمَّتْ سمائيَ الزَّرقاءُ
أتلظَّى على الجليدِ احتراقاً =ولَظى النارِ والجليدُ سواءُ
عقَّني الصمتُ يومَ هبَّتْ وعاثَتْ =في فلسطينَ زَعزَعٌ نكباءُ
* * * = * * *
يا أخي في الحنينِ للثأرِ هذا =عصرُ ذُلٍّ حكَّامُه أُجراءُ
كم تصدَّوا للشعبِ وهو ينادي =يا فلسطينُ داؤنا الأمراءُ
رفعوا في النضالِ راياتِ سِلمٍ =رايةُ الذلِ يا أخي بيضاءُ
زيَّفوا شُرعةَ الفداءِ فقالوا =من صميمِ الإرهابِ هذا الفداءُ
وتمادوا بالصمتِ خلفَ حُدودٍ =غيرَ شِبلٍ تزهو به الفيحاءُ
هبَّ يحدو الشآمَ والعُربَ طُرَّاً =بزئيرٍ فأُجبِلَ البُلغاءُ
وتحدَّى " شارونَ " وهو ينادي =نحن في الشامِ للفداءِ حُداءُ
هو شِبلُ العرينِ من غابةِ الأسـ = ـدِ ونَسرٌ تزهو به العلياءُ
* * * = * * *
يا فقيراً بالعيشِ صِرتَ غنيَّاً =باحتفالٍ يسعى له الشعراءُ
أرهِفِ الروحَ واستمِعْ لبيانٍ =لم تُعكِّره ريشةٌ حمقاءُ
أُمَّتي تنخرُ السياساتُ فيها =يتبارى في هدمِها العملاءُ
يتلوَّى تحت السياطِ النَّشامى =ويغنِّي عبيدُها والإماءُ
بين جُدرانِ صمتِها يتنامى =في الدهاليزِ بيعُها والشراءُ
خلف قُضبانِ سجنِها يتهاوى =مِشعلُ الفكرِ فالضحى ظَلماءُ
أمَّةٌ شعبُها يجوعُ ويَعرى =يدُها في صراعِها شلَّاءُ
أُمَّتي أمةُ الخرابِ ويبقى =عزْمُ أطفالِها هو البنَّاءُ
* * * = * * *
يا أخي في الدماءِ جُرحي بليغٌ =كيف يأسو جراحَنا الغرباءُ
كلُّ يومٍ يأتي فلسطينَ وفدٌ =في تلوِّيه حيَّةٌ رقطاءُ
همُّنا القدسُ والخليلُ ويافا =وجِنينٌ والمَهدُ والإسراءُ
همُّنا همُّ كلِّ حرٍّ أبيٍّ =في حناياهُ ذِمةٌ ووفاءُ
يحملُ الجرحَ راعفاً لا يُبالي =أُذْنُه عن سلامِهم صمَّاءُ
* * * = * * *
يا أخا الصرخةِ الأبيَّةِ إنِّي =أرفضُ العرضَ فالرضى استجداءُ
قُمْ وحدِّقْ تَرَ " النَّعانةَ "* تبكي =طفلَها البَرُّ والدموعُ دماءُ
كلُّ طِفلٍ فيه يمدُّ إلى الشَّمـ = ـسِ ذراعاً بها الظلامُ يُضاءُ
كلُّ أمٍّ تزهو بموتِ بنيها =هي في البذلِ والرضى خنساءُ
تغرسُ الأرضَ والسماءَ ويسقي =غرسَها البِكرَ فتيةٌ شهداءُ
كلَّما فجَّرَ الحِزامَ شهيدٌ =زَغردَ الحمدُ واستجابَ الثناءُ
لن ينامَ الترابُ ما دامَ فيه =جَفْنُ طِفلٍ ما زارَه الإغفاءُ
* * * = * * *
يا أخا العشقِ للفداءِ بصدقٍ =لستُ أبكيكَ فالبُكاءُ هجاءُ
قُمْ وشاهدْ في مهرجانِ الضحايا =ألفَ طفلٍ وما انتخى الزعماءُ
واستمِعْ للكلامِ يُلقى جُزافاً =بَبَّغاءٌ يُصغي له بَبَّغاءُ
* * * = * * *
يا حبيباً مضى ليَلقى حبيباً =في بروجٍ حُكَّامُها الأنبياءُ
أنتَ في جنَّةِ النعيمِ مُقيمٌ =نحن مَوتى وأنتُمُ الأحياءُ
حين يصحو الإيمانُ ينتصرُ الحقْـ = ـقُ وتمضي الهمومُ والأرزاءُ
نحن في صمتِنا الكريهِ غُثاءٌ =وعلى السطحِ لن يدومَ الغثاءُ
نتمنى الرحيلَ في كلِّ يومٍ =حسبُنا الآنَ أنَّنا شُرفاءُ
* * * = * * *
يا أخا الحرفِ والقريضُ شُجونٌ =نحن في الموتِ والحياةِ عطاءُ
نحفرُ الصخرَ بالأظافرِ بحثاً =عن رُفاتٍ تنمو بها الكِبرياءُ
غيرَ أنَّا نعودُ نرقَبُ شوقاً =ساعةَ الموتِ فالرحيلُ شِفاءُ
فانتظِرنا فقد حزمْنا الأماني =لانعتاقٍ يهفو له الشعراءُ
11-4-2002



*النَّعانة : قرية المرحوم حسن أبو أحمد

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 08:34 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (26)



مِهْرَجَاُن رَبِيْعِ حَمَاة الخَامِس






في مهرجانِ الحِمى يا قومُ أنتحِبُ =دمعي دمٌ من جراحِ القلبِ ينسكِبُ
أبكي على القدسِ مِحراباً ومئذنةً =أبكي على المهدِ والناقوسُ يضطربُ
أبكي على العُربِ حكَّاماً وأنظمةً =والدمعُ يصرخُ رغمَ الصمتِ يا عربُ
* * * = * * *
يا مهرجاناً أتى يستلُّ بسمتَنا =من الجراحِ شفاهُ الجرحِ تلتهبُ
في كلِّ عامٍ مواويلي تُهدهدُني =واليومَ يصفعُني الموَّالُ والطربُ
لا تلبِسنَّ ثيابَ العيدِ مبتهِجاً =لا تَبسِِمنَّ فوجه الشمسِ مكتئبُ
فجِّرْ أغانيكَ صاروخاً وقُنبلةً =لا ترقصنَّ إذا ما أينعَ الغضبُ
* * * = * * *
إنِّي لأرفعُ دعوى ضدَّ من صمتوا =أمامَ محكمةٍ للعُربِ تُنتَخَبُ
وأسألُ الطائعَ العاصي أعاتبُه =لعلَّه رغمَ يأسي ينفعُ العتبُ
تُجيبني الدائراتُ السمْرُ نائحةً =نوحَ الثكالى ويبكي الماءُ والخشبُ
يا شاعرَ العيدِ بوحُ الزهرِ غادرَني =إلى ضريحِ شهيدٍ تربُه رطبُ
والناسُ لاهونَ لم يهزُزْ مشاعرَهم =سيلُ الدماءِ ولا قتْلٌ ولا سَلَبُ
ويسألون على علمٍ ومعرفةٍ =لِمَ البكاءُ ؟ وفيهم يكمُنُ السببُ
أجبتُهم بالقوافي البِكرِ داميةً =أتسألونَ ؟ وعِرضُ الأرضِ يُغتَصَبُ
أبكي لِطفلٍ من الأقصى يناشِدُنا =في كرمِه يصرخُ الزيتونُ والعِنَبُ
أين الذين إذا مُسَّتْ محارمُهمْ =طاروا إليها ولم يَهدأْ بهم عصَبُ
أين المذاويدُ هل ماتتْ كرامتُهم ؟ " =وهل طمى الذلُّ حتَّى غاصتِ الرُّتبُ"؟
ويحكمون على حمَّالِ أسلحةٍ =للثائرينَ ويحمي التاجَ معتصِبُ
* * * = * * *
يا نائمونَ أما ملَّتْ مضاجعُكم =من الرقادِ ألمْ ينبُتْ لكم ذَنَبُ ؟
ويا مقيماً على العاصي ودهشتِه =في مسجدٍ لبني أيوبَ ينتسبُ
أفقْ وبادِرْ إلى المحرابِ صلِّ بنا =ورتِّلِ الآيَ واهتُكْ سترَ منْ نَعبوا
لا تيأسنَّ فلمْ تُغمَدْ صوارمُنا =ولن تنامَ على أجفانِنا الهدُبُ
قُمْ جدِّدِ العهدَ للتاريخِ وامضِ بنا =لعلَّها تنجلي عن عهدِكَ الحِقبُ
وافتحْ لنا صفحةً بيضاءَ نكتِبُها =قصيدةً نضَّدتْ آياتِها الشُّهبُ
قد أذَّنَ الفجرُ طفلٌ شابَ مذْ نبتتْ =أسنانُه وجفاه اللهوُ واللعبُ
فانقضَّ يحملُ مقلاعاً يُغيرُ به =وجعبةً ملؤها الأقلامُ والكتُبُ
يستعذبُ الموتَ لم تُرهبْه دارعةٌ =في جَوفِها يحتمي الطاعون والجربُ
في جانحيه هوىً للثأرِ يدفعُه =والخائفون على تيجانِهمْ لُعَبُ
* * * = * * *
يا أمَّتي يا بقايا نخوةِ ودَمٍ =لا تستعدِّي ولا تُصغي لمن نُكٍبوا
لا تُشهري مُديةً في وجه مغتصِبٍ =وباركي زحفَه فالليلُ يقتربُ
غنِّي وسيري على أجسادِ من سقطوا =وهلِّلي إن سرى في جسمكِ العطبُ
* * * = * * *
يا هابطينَ إلى الجُّلَّى بأغنيةٍ =أهلاً وسهلاً بكم أخلاقكُم عجبُ
" آياتُ " تنضو ثيابَ العُرسِ راودَها =حبُّ الشهادة لا عِقْدٌ ولا ذهبُ
فزَغردتْ في حِياضِ الموتِ وانتثرتْ =أشلاؤها وهوى في الساحِ مغتصِبُ
* * * = * * *
يا عارياً من ضميرٍ رُحتَ تخلعُه =أصبحتَ سيِّد من هانوا ومن كذَبوا
اِلبسْ رياءكَ لا تظهرْ بعاريةٍ =حيكتْ من الذلِّ في أوكارِ من هربوا
والضربة البِكرُ لا تُغني شفاعتُها =عن صمتِك المُرِّ في آذانِ من ضربوا
* * * = * * *
القاذفاتُ حيارى أين فارسُها =هل حوصِرَ الرأسُ فاستشرى بها الذنبُ
والوعدُ بالسلمِ والتسويفُ محرقةٌ =والسَّاجدون على أعتابه حطبُ
* * * = * * *
يا مهرجانَ الحِمى عفواً ومعذِرةً =لقد تنازَعَني الإقدامُ والهربُ
وعقَّني الصمتُ حتى كاد يصعقُني =برقُ الرعودِ وقد ضجَّتْ به السُّحبُ
وبرَّني الشعر وانهلَّتْ سحائبُه =سخيَّةً بالقوافي الحُمرِ تنسكِبُ
فما حملتُ يَراعي في هوىً وهدىً =إلا وكان كما العملاقُ ينتصبُ
أذودُ عن قُبةِ الأقصى وصخرتِه =عن الكنيسةِ والصُّلبانُ تنتحبُ
كمْ من نبيٍّ على مِحرابِه قتلوا =كم من مسيحٍ على صُلبانِها صلبوا
* * * = * * *
يا عاقدين على التطبيعِ صفقتَكم =هذي تجارةُ من للموتِ يرتقِبُ
فبادِروا لدهاليزِ السلامِ على =أنقاضِ صرحيَ إرضاءً لمن رغبوا
العادياتُ تخلَّتْ عن شكائِمِها =هل بينَكم لصلاحِ الدِّينِ منتسِبُ ؟
أم ماتتِ النخوةُ العرباءُ يومَ أتى =" شارونُ " يمنحُنا شاةً ويحتلِبُ
ونحن لاهونَ عن شاةٍ ومحتلَبٍ =فلم يعُدْ عندنا شاةٌ ولا حَلَبُ
* * * = * * *
يا مهرجاناً على العاصي تَرِفُّ به =أرواحُ من أذهلوا الدُّنيا بما وهبوا
هُمُ الغيارى وبابُ النهرِ يعرفُهم =وساحةُ النصرِ يومَ الروعِ إذ وثبوا
حتى بدا الفجرُ في نيسانَ غرَّتُه =عيدُ الجلاءِ وعمَّ الفَخرُ والطَّربُ*
فهل تحرِكُ ذكرى العيدِ ساكنةً =من الجوارحِ أم ساختْ بنا الرُّكبُ
وهل أُغنِّي على العاصي وفي كبِدي =نارٌ وفي رئتي يستوطِنُ اللَّهبُ
لكنَّني رغمَ من خانوا ومن غدروا =أرى البشائرَ بالتحريرِ تقتربُ
فطاوعيني قوافي الشعرِ إنَّ دمي =مُزمجِرٌ في شراييني وملتهِبُ
لا تسفحيني على الأوراقِ أخضبُها =لا تتركيني بحقلِ الموتِ أحتطِبُ
لا تُغرقيني ببحرِ الصمتِ في زمنٍ =أمواجُه الحُمْرُ فوق السلمِ تصطخِبُ
لا تحمليني على أنغامِ أغنيةٍ =إلى ربيعٍ تُواري حسنَه الحُجُبُ
وجرِّديني بلا خوفٍ ولا وَهَنٍ =فقد هُزِمنا ولم تشفعْ لنا الخُطَبُ
لولا هَصورٌ بأرضِ الشامِ يحرسُها =لقلتُ لا غُمةٌ تُجلى ولا كُرَبُ
هذا ابنُ من لاذتِ الدنيا بحكمتِه =لمَّا تشابكَ فيها الصدقُ والكذِبُ
فلتَمضِ " بشَّارُ " للتحريرِ يا أسداً =أنصارُكَ اللهُ والإيمانُ والعربُ

27/4/2002



* نيسان .. ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي عن سوريا

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 08:57 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (27)



مصابيحُ الذكرى



شهقات الليلْ
تحاصرُ أحلامَ الماضي
تتساقطُ أوراقُ خريفٍ
من شجرِ العمرْ
تتربَّعُ عاشقةٌ غَضْبى
فوق الأوراقْ
تشكو لجموحِ عواطِفها
عَطَشَ الأشواقْ
ثعبانُ العودةِ يتلوَّى
بين الأنقاضْ
يترقَّبُ حاملةَ الموتى
لا شيءَ
سوى وجعِ الذكرى يتخطى الموتْ
ولولةُ يتامى وثُكالى
ودعاءٌ للهِ تعالى

* * *
ينفضُّ الجمعُ على عجَلٍ
ويعودُ اللَّيلْ
ويرتِّبُ أوراقاً سقطتْ
من شجرِ العُمْرْ
تشتعِلُ مصابيحُ الذكرى
تلتهِمُ الزَّيتْ
وتُخبِّئُ شهْقاتٍ عطشى
لبُزوغِ الفجرْ
2/8/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 09:09 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (28)




حَاوِيَةُ الذِّكْرَى



الليلُ وحاويةُ الذِّكرى
أكلا آلافَ الأحلامِ
شرِبا آلافَ الأرقامِ
تعبا من ثورةِ أقلامي
فتمادى الخوفْ
جُدراني تركضُ حافيةٌ
والأرضُ تميدْ
فئرانٌ تهربُ مسرعةً
نحو الأعماقْ
وأفاعٍ تطبِقُ فكيّها
تبتلعُ الوقتْ

* * *
يا كلَّ دهاليزِ الرغبة
يا بعضَ فضاءاتِ النُّخبة
يا جُزءاً يحترفُ الغُربة
لُمُّوا أطرافَ مشاعرِكم
قد حانَ النومْ
ناموا في جَوفِ مخادعِكم
فالليلُ طويلٌ لم يرحلْ
والفجرُ طريدٌ في المنفى
ينتظرُ مغادرةَ الأشباحِ الناريَّة3/8/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 09:13 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (29)




مُسَافِرَة




لم تكنْ تحلُمُ إلَّا بالرحيلْ
تركبُ المجهول
في جوِّ الخدَرْ
لم تسافرْ
فاتها وقتُ السَّفرْ
ثم عادتْ من جديدْ
" بجوازٍ " مُبتَكَرْ
غلَّفتُه بالضجرْ
يحملُ العِطرَ وأختامَ الدوائرْ
كي تسافرْ
لم تسافرْ
خانها عطرُ الزهَرْ

* * *

ثمَّ عادتْ من جديدْ
تحملُ اليومَ هُويَّة
في زواياها ثقوبٌ راعفاتْ
تشتكي كلَّ الجهاتْ
تحملُ الرسمَ وآلافَ المشاعرْ
سقطتْ كلُّ البشائرْ
ومضى الوقتُ ولكنْ
لم تسافرْ ...


19/2/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 09:17 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (30)




فَجْرُ الزَّاحِفِيْن




حملتْ مخاوفَها وغابتْ ..
أغلقتْ كلَّ النوافذْ
أغلقتْ بابَ الضياءْ
واختفتْ

* * *

في سراديبِ الضياعْ
يطحنُ الضِّليلُ ماءَ الذكرياتْ
ويغنِّي
يا خيوطَ العنكبوتْ
في كهوفِ الأمنياتْ
يا شِراكَ القنصِ
في جَوفِ المناورْ
مزِّقي كلَّ الدفاترْ
أكتبي سطراً بريئاً
من رياءْ
فوقَ آثارِ الحوافرْ
أكتبي أحلى عبارة
اِقدحي أغلى شرارة
عندها ينهضُ فجرُ الزاحفينْ
يملأُ الدنيا حناجرْ
وخناجرْ
وأظافرْ
ويغنِّي البلبلُ الصدَّاحُ
والأفعى تغادرْ
20/8/2002

عبدالسلام زريق
03-23-2011, 10:01 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (31)




آهِ يَا شِعْر




في خِضَمِّ الحياةِ عشتُ أبيَّا =رافعَ الرأسِ شامخاً أريحيَّا
أتحدَّى الشقاءَ أُوري زِنادي =بالأماني مذْ كنتُ غضَّاً فتيَّا
وتمرَُ الستونُ والعمرُ يمضي =ويغيبُ الضياءُ شيئاً فشيَّا
عَسعسَ الليل والصباحُ توارى =واستقرَّ الظلامُ في مُقلتيَّا
وتقدَّمتُ والجراحُ نشاوى =وعيون الظلامِ ترنو إليَّا
يستحمُّ الرجاءُ بين ضلوعي =لم تفارِقْ أشلاؤه جانحيَّا
* * * = * * *
وتُطلُّ السبعون مثلَ ذئابٍ =تتعاوى والوَقرُ في أُذُنيَّا
لم أُصخْ للعِواءِ سمعي ولكنْ =رُحتُ في ظلِّ مطمحي أتفيَّا
تعبر الحاملاتُ نعشي سِراعاً =ويُطلُّ الرحيلُ عذباً شهيَّا
ويغنِّي الإيمانُ لحنَ وداعي =ويضمُّ الترابُ قلباً تقيَّا
ويراعاً ما ذلَّ يوماً لطاغٍ=وضميراً مدى الحياةِ نقيَّا
سوفَ أمضي مكفَّناً بدموعي =وأُوافي من كان خِلَّاً وفيَّا
وسأبقى لو متُّ حيَّاً بشِعري =آهِ يا شعرُ سوف تبكي عليَّا
فاذكروني على الدوامِ وقولوا =كان في الصوتِ والصدى عبقريَّا
واعذُروني فيما أقولُ وأُبدي =واعذُروني عمَّا تركتُ خفيَّا
فسلامٌ عليَّ يوم وفاتي =وسلامٌ عليَّ ما دُمتُ حيَّا
21/8/2002

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 03:10 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (32)




قَصِيْدَةٌ غَافِيَة





شدَّتْ إلى الشمسِ حبلَ الوصلِ وافتتحتْ =برجَ الضياءِ فمات الليلُ واندثرا
قصيدةٌ في ضُحى الوجدانِ غافيةٌ =طاف الخيالُ بها فاسَّاقطتْ دُررا
نضَّدتُ أحرفَها في صحوةٍ ملكتْ =ساحَ الشعورِ بأنوارِ الهدى سحرا
ورُحتُ في ملكوتِ النفسِ أُودِعُها =سرَّاً فأوغلَ في الأعماقِ واستترا
حتى إذا لاحَ لي روضُ السنا انطلقتْ =تقدَّس اللهُ تتلو في الرضى سورا
مزهوَّةً بانطلاقاتٍ معبِّرةٍ =عمَّا تفجَّرَ في أعماقِها وجرى
سيلاً يُحطِّمُ أركانَ الضلالِ ولم =يتركْ لعابثةٍ تمحو الهدى أثرا
فهلَّلَ القلبُ فيَّاضاً بنبعِ هدىً =وراح يرسمُ في تهليلهِ صُورا
تتابعتْ في خلايا الفِكرِ وانتظمتْ =عِقداً تلألأَ بالأنوارِ وازدهرا
وغِبتُ في صحوةِ الوجدانِ مبتهلاً =أُقدِّسُ النُّورَ في القلبِ الذي اعتمرا
25/6/2002

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 03:21 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (33)




للقُدْسِ نَحْنُ مُهَاجِرُون





حلُمٌ على الشُّرفاتِ أُغلقَ دونَه =بابُ الضياءِ وأُسدِلتْ أستارُ
وصحتْ شياطينٌ توسوسُ في الدجى =فبكى على فَقْدِ الضياءِ نهارُ
ما بين تهويدٍ ورفعِ تظلُّمٍ =يقضي السلامُ ويولدُ الأشرارُ
ويُهرولونَ إلى جدارِ بكائهمْ =يتناطحونَ كأنَّهم أبقارُ
حتَّى إذا اكتملَ النصابُ تحلَّقوا =حول الجدارِ وأُطفِئتْ أنوارُ
وتلمَّسَ الضعفاءُ دربَ خلاصِهم =فإذا الطَّريقُ طويلةٌ وعَثارُ
حملوا المعاولَ والفؤوسَ وأوغلوا =رُغمَ الظلامِ يشدُّهم إصرارُ
يتسابقونَ وما وهتْ أقدامُهم =ومنَ الجراحِ تدفَّقَ التيار
لبسوا عباءاتٍ تشدُّ خيوطَها =نُهُرُ الضياءِ فينهضُ الإعصارُ
وتلوحُ بارقةٌ ويولدُ مأملٌ =ويصولُ في كبدِ اللظى أحرارُ
ويثورُ بركان وتسقطُ قمَّةٌ =ويهيجُ بحرٌ موجُه زخَّارُ
تتبعثرُ الأوراقُ وهي وثائقٌ =لا الرفضُ يمسكُها ولا الإقرارُ
سقطتْ على بُركِ الدماءِ وورِيتْ =وطغى عليها العاصفُ الهدَّارُ
لغة الحجارة أعجَزَتْ آياتُها =توراتَهم فتساقطَ الفُجَّارُ
قلبتْ موازينَ اللغاتِ حروفُها =فعلامَ يرغبُ طمسَها التُّجارُ ؟
بورِكتََ يا سجِّيلُ تختصرُ المَدى =خَرِسَ الرصاصُ ودمدمتْ أحجارُ
* * * = * * *
يا قدسُ عفوَ الأنبياءِ إذا بكى =مُضرٌ وأردفَ بالدموعِ نزارُ
ما بين مِعراجِ النبيِّ ومكةٍ =تغفو النعاجُ وينهضُ الجزَّارُ
وبنو قريظةَ والنضيرِ مجالسٌ =للأمنِ " بالفيتو" البغيضِ تُدارُ
يتفيَّاُ الإرهابُ تحت ذقونِهم =وكنيسُهم رغمَ الرِّياءِ يُزارُ
يتقوَّلون على الإلهِ سفاهةً =" نحن الهُداةُ وشعبُه المختارُ "
شحَذوا على الحقدِ القديمِ قلوبَهم =وتدرَّعوا بالغدرِ ثمَّ أغاروا
وأتوا بعِجلِ السامرِيِّ ضلالةً =جسداً له باسمِ السلامِ خُوارُ
والخائفونَ على العروشِ تجرَّعوا =غُصَصَ الهزيمةِ فانتشى الغدَّارُ
صبغوا لِحاهم بالدماءِ ومشَّطوا =شَعْرَ الخنوعِ وأوعزوا وأشاروا
هذي مشاريعُ السلامِ فوقِّعوا =إنَّ السلامَ لشرقنا استقرارُ
* * * = * * *
واليومَ يُختَرَقُ السلامُ وتنطفي =شُعلُ الرِّياءِ وتنجلي أسرارُ
تتساقطُ الأبراجُ وهي شوامخٌ =وتنامُ تحت رُكامِها أوضارُ
حاخامُ أمْريكا يثورُ مُعربِداً =وبمقلتيْهِ حرائقٌ ودمارُ
يخشى الحجارةَ والدماءَ وطفلةً =نقلتْ مشاهدَ قتلِها أقمارُ
والكونُ كلُّ الكونِ يخطِبُ ودَّهُ =إلَّا الشآمُ وصِبيةٌ أبرارُ
* * * = * * *
يا قدسُ يا جُرحَ السماءِ بأرضِنا =لا تقنطي مهما عدلتِ وجاروا
أبتِ الحجارةُ والطفولةُ والدِّما =أنْ لا يبلسِمَ جرحكَ الأحرارُ
ها هم براعمُكِ الذين تشبَّثوا =بالموتِ في سِفْرِ الخلودِ كبارُ
إنِّي لأقسمُ بالدماءِ زكيَّةً =تروي الجُّذورَ ليورقَ الصبَّارُ
لن يستحيلَ دمُ الشهيدِ وثائقاً =تُطوى وتنشَرُ والردى دوَّارُ
* * * = * * *
يا قدسُ ملحمةُ الدماءِ قديمةٌ =ودمُ المسيحِ لمنْ وعى إنذارُ
صلبوا المسيحَ ضُحىً لعاشِرِ مرةٍ =وشيوخُ أمْريكا لهم أسوارُ
لم يشجبوا الإرهابَ لا .. بل باركوا =إرهابَهم وتكلَّمَ الدُّولارُ
في كلِّ يومٍ للصليبِ حكايةٌ =تُروى يُديرُ فصولَها الأحبارُ
والصِّلُّ ينفثُ في العروقِ سمومَه =والكونُ لا سمْعٌ ولا إبصارُ
ومُقامرون يفتِّشون جيوبَهم =أوراقُهم نَفِدتْ فشبَّ شِجارُ
فعلى الموائدِ كلُّ يومٍ زُمرةٌ =أرقامُهم بحسابِنا أصفارُ
* * * = * * *
يا قدسُ ملحمةُ الكفاحِ طويلةٌ =لا الطبلُ يكتبِها ولا المِزمارُ
السلمُ تخترقُ النُّفوسَ نصالُه =وبكلِّ نصلٍ ذِلةٌ وصَغارُ
والقائمونَ القاعدونَ تزلُّفاً =وقيامُهم وقعودُهم أوزارُ
سجدوا لربِّ الغاصبين وسبَّحوا =والذلُّ تاجُ رؤوسِهم والعارُ
واستسلموا باسمِ السلامِ وأعلنوا =أنَّ السلامَ تميمةٌ وشِعارُ
* * * = * * *
يا صاحبَ المعراجِ ما عقِمَ الهدى =أقِمِ الصلاةَ فكلُّنا أطهارُ
للقدسِ نحن مهاجرون يشدُّنا =أطفالُ ملحمةٍ هُمُ الأنصارُ
رفعَ الأذانَ دمُ الشهيدِ فهلَّلتْ =بِركُ الدماءِ وكبَّرَ الثوَّارُ
وبضفَّةِ اليرموكِ زمجرَ خالدٌ =وأطلَّ من بينِ الصفوفِ ضِرارُ
وزهتْ بلوحاتِ الجهادِ شقائقٌ =وقَرنفلٌ وتمايلتْ أزهارُ
ونَضَتْ ثيابَ العُرسِ باسمكَ خولةٌ =ولها بعُرسِ المَكرُماتِ فخارُ
ومشتْ سرايا النصرِ تغرسُ غارَها =ودمُ الطفولةِ والجراحُ قرارُ
ما جفَّ ثديُ القدسِ أو عقِمَ الضحى =فهيَ الولود وثديُها درَّارُ
فيها مدارسُ للشهادةِ أُنشِئتْ =الوردُ ملءُ فصولِها والغارُ
يتسابقُ الأطفالُ في أحضانِها =والنُّورُ سَكْبُ جراحِهم والنارُ
حزموا حقائبَهم بشريانِ اللظى =وَمَضَوا وحبلُ دمائهم جرَّارُ
فترسَّموا دربَ الطفولةِ إنَّها =شرفُ العروبةِ والغدُ المِعطارُ
حتَّى تخطَّ الشمسُ آياتِ الضحى =ويشقَّ ليلَ سمائنا " بشَّارُ "

8/3/2002

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 03:25 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (34)





بَسْمَةٌ مُسَافِرَة




أحوكُ ثيابَ البؤسِ للبؤساءِ =وأعجنُ خبزَ الجوعِ للفقراءِ
وأمشي على جمْرِ المواسمِ حافياً =لقدْ مزَّقَ الشوكُ الغريبُ حذائي
وأُضرمُ نارَ اليأسِ في الصدرِ حاملاً =دموعَ ثكالى الجودِ للبخلاءِ
* * * = * * *
أنا الشاعرُ الغِرِّيدُ في دوحةِ الأسى =أجرُّ ذيولَ الشعرِ في خُيلاءِ
ترفَّعتُ عن لُبسِ المُسوحِ لأنَّني =وجدتُ لباساً غيرَها لرِياءِ
كتبتُ على نفسي القتالَ بأحرفٍ =من الجُبنِ أملاها عليَّ غبائي
وقلتُ لكلِّ الناسِ إنِّي مقاتلٌ =فهلْ بينَكم مصغٍ لزَيفِ ندائي
* * * = * * *
حملتُ فؤوسَ القطعِ أبني بحدِّها =قواعدَ هدْمٍ صُمِّمتْ بدهاءِ
وشاركتُ في بيعِ الكلامِ مؤكِداً =طريقةَ بيعي أحرفي وشرائي
* * * = * * *
أنا الشاعرُ الغِرِّيدُ في بؤرِ اللظى =أجودُ بدفءِ الحرفِ للندماءِ
أجوبُ قِفارَ الشعرِ أبحثُ جاهداً =عن الحبرِ والأقلامِ والشعراءِ
فلمْ أَلقَ غير الحقدِ والزَّيفِ مرتعاً =لكلِّ دعيٍّ كافرٍ بحُدائي
أضعتُ ملايينَ الحروفِ ولم تزلْ =تفتِّشُ عن خيطٍ جيوبُ ردائي
أُصارعُ أمواجَ الشقاءِ مقيَّداً =ويحملُني بحرُ الأسى لبلاءِ
ويغرقُ في النُّعمى لئيمٌ وسافلٌ =وأغرقُ في دفعِ الأسى بشقائي
وأكتمُ آلامي ببسمةِ ساخرٍ =أُرمِّدُ فيها جمرةً بدمائي
ويحسدُني قومٌ سمَوْا بتَزلُّفٍ =ويغبِطُني من قاتلوا بإباءِ
وتجري شرايينُ النفاقِ بتُربةٍ =تضمُّ بذورَ الهمِّ والبُرحاءِ
ويُثني على أهلِ النذالةِ جاهلٌ =غريبٌ يقومُ الليلُ للغرباءِ
فتزهرُ أغصانُ الرياءِ وتشتكي =جذورُ حداةِ الحقِّ للشرفاءِ
ويُعطى سفيهُ الرأيِ مالاً وحُظوةً =ويُعطى فتاتُ العيشِ للحكماءِ
سئمتُ حياتي بين نذْلٍ وجاهلٍ =فهدهدْتُ آلامي بفَيضِ دعائي

25/6/2002

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 03:27 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (35)




ثَوْبُ الحَرِيْر





أكتبيني بأحرفٍ من ضياءٍ =فوق طِرسٍ من الحريرِ الأثيرِ
فصِّليني ثوباً جديداً فريداً =طرِّزيهِ بعاطرٍ من شعوري
لوِّنيه براعفاتِ جراحي =ثمَّ خيطيهِ باللمى والعطورِ
والبَسيهِ يومَ اللقاءِ وفاءً =وتعالَيْ إلى الوصالِ وطيري
كلُّ يومٍ يمرُّ يغتالُ فينا =أُمنياتٍ غنيَّةً بالسرورِ
وكلانا في البُعدِ والقُربِ يجري =لمصيرٍ ويا له من مصيرِ
نتشاكى والعمرُ يمضي سريعاً =والثواني تسعى بنا للقبورِ
فاعذُريني إذا نشرتُ شراعي =بين موجِ الأسى وحرِّ الهجيرِ
خانني الصبرُ بعد عشرينَ عاماً =أزفِرُ الشعرَ من شهيقِ ضميري
أتشهَّى لو لحظةً من رُقادٍ =علَّ حلْماً يأتي بطيفٍ غريرِ
فأضُمُّ الخيالَ بضعَ ثوانٍ =ثمَّ أصحو مضمَّخاً بالعبيرِ
أكتِبُ الشعرَ هازئاً بجراحي =وأُغنِّي يا ليلُ عُدْ بالبشيرِ
فتعاليْ بالثوبِ لا تتعاليْ =واخلعيهِ على ضِفافِ سريري

29/2/2002

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 03:31 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (36)




سَيْفُ القَضِيَّة



صُفَّتِ الأزلامُ فلْتقتسموا ...
اِحملوا الموتَ بآلاتِ الدمارِ النرجسية
اِجمعوا الكيدَ ولا تخشَوا صراخَ الضعفاءْ
لا تخافوا عضَّةَ الجوعِ
ولا نقصَ الدواءْ
هيِّئوا كلَّ المِلفَّاتِ القديمة
والجديدة..
واحشدوا الغُربانَ من كلِّ الجهاتْ
أطعموا الفئرانَ والجرذانَ ألوانَ الفُتاتْ
واستعِدُّوا للزفافْ
تشرقُ الدنيا بغربِ الأرضِ تدعو للسلامْ
تحملُ الشمعَ تُضيءُ الليلَ...
تجتاحُ الظَّلامْ
والعباراتُ التي تكسو جسومَ المُهطِعينْ
تحتسي البِترولَ إمعاناً بحبِّ ...
المعتدينْ
وتغنِّي لغروبِ الحقِّ من أُفْقِ ...
الشُّروقْ
وتساوِمْ
تطحنُ الشوكَ بأضراسِ الغباءْ ...
عندها يشهَقُ تُجَّارُ القماقمْ
يزرعونَ النارَ في كلِّ المواسمْ
يحصدون العارَ في أرضِ النبوَّاتِ ...
الجَّريحة
يعقِرون الناقةَ البيضاءَ..
في الأقصى...
وبين الرافدينْ
يومَ لا تُجدي النصيحة
بعدَها يظهرُ دجالٌ جديدْ
يشربُ الآبارَ والزيتَ ويحيا ...
في سلامْ
حيثُ لا يوجدُ شعبٌ ينتضي ...
سيفَ القضيَّة
ويحاربْ
غيرَ ذاكَ الماردُ العملاقُ يشدو في العواصمْ
نحنُ أطفالُ الحجارة
نحن صُنَّاعُ الحضارة
سنقاومْ .. سنقاومْ .. سنقاومْ
21/2/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 03:34 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (37)





تَمَنِّيَات



في حاناتِ العصرِ الفاجرْ
أشربُ نخبَ المضطهَدينْ
ثمَّ أقومُ الليلَ رِياءً ...
حين تحاصِرُني السِّكينْ
أكتبُ شعراً .. أقرأُ نثرا
أعزِفُ لحنَ المفقودينْ

* * *

في صومعتي ..رغمَ البردِ القارسِ...
أفتحُ نافذةَ الأحلامِ ...
وأستجدي قطراتِ الماءْ
تلسعُني الريحُ فأُغلِقُ نافذتي الحمقاءَ ...
وأسترخي

* * *

الأرقُ يحاصرُ أجفاني
ثُعبانُ الوقتِ يطاردُ أشباحَ الظلمةِ ...
ويطولُ الليلُ ...
وتهربُ جاريتي الحسناءْ

* * *

هل يولدُ ليلٌ بعدَ العُسرِ...
يطاردُ خيلَ الدَّجَّالينْ ؟
نتمنَّى

* * *

هل يصمدُ شعبٌ محكومٌ ...
بالنارِ ونصْلِ السفاحينْ ؟
نتمنَّى

* * *

هل تمضي القدسُ إلى بغدادَ ...
تدافعُ عن أرضِ فلسطينْ ؟
نتمنَّى

* * *

هل تزهِرُ كلُّ البيَّاراتِ ...
وتورقُ أغصانُ الزَّيتونْ ؟
نتمنَّى

* * *

هل يزحفُ جيشُ صلاحِ الدينِ...
يعيدُ الكرَّةَ في حطِّينْ ؟
نتمنَّى ... نتمنَّى ... نتمنَّى

11/3/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:06 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (38)




جَدٌّ وجَدَّة





على أملٍ يدغدغُنا مَضْينا =نغذِّي الحبَّ إخلاصاً ووِدَّا
وكنتُ مؤهَّلاً شكلاً ورُوحاً =وكانتْ بانةً حُسناً وقدَّا
وكنَّا نعقِدُ الآمالَ طَوراً =وطَوراً نقتُلُ الأيامَ عدَّا
إلى أنْ مرَّتِ الأيامُ تَتْرى =وفرَّقنا القضاءُ وكانَ ضِدَّا
تقاليدٌ وأعرافٌ ومَكرٌ =وغدرٌ من أقاربِنا تبدَّى
وعانينا الفِراقَ وكان ظُلماً =لقد طعنوا الهوى قصْداً وعمْدا
ولستُ بقادرٍ دفْعاً لهذا =ولا هي تستطيعُ لذاكَ صدَّا
قضيْنا العمرَ كلٌّ في طريقٍ =وكان وصالُنا الخصمَ الألدَّا
وعاتبْنا الزمانَ وما فتِئنا =نعاتبُه وكان الردُّ بُعدا
وصارتْ نُعْمَياتُ الحبِّ ذكرى =تُطوِّحُ بالمُنى هزْلاً وجِدا
فلمْ نظفَرْ بوصلٍ أو بقُربٍ =وكان حياؤنا للوصلِ سدَّا
إذا ما عنَّتِ الذكرى بَكيْنا =على عُمرٍ مضى أسَفاً وزُهدا
تباريحٌ وآلامٌ وسُهدٌ =وآهاتٌ تهُدُّ الجسمَ هدَّا
وكنَّا زهرتينِ بروضِ حُسنٍ =فصِرنا جَدَّةً هرِمتْ وجَدَّا
* * * = * * *
وبعد مرورِ أعوامٍ طِوالٍ =على أملِ اللقاءِ وكان وعدا
تلاقيْنا مصادفةً فهِمْنا =وعاد الشوقُ يعصفُ واستبدَّا
وكنتُ أظنُّ أنَّ الشوقَ يمضي =فأصبحَ شوقُنا في البعدِ وجدا
وسِرنا حيثُ لا ندري ورُحنا =نجدِّدُ رغمَ أنفِ الدهرِ عهدا
ونذكُرُ يومَ كنَّا في الأماسي =نبوحُ بحبِّنا أخذاً وردَّا
رَجوْنا اللهَ بعدَ الموتِ لُقيا =ليجزِينا لِقاءَ الصبرِ سعدا

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:08 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (39)




بَغْدَادُ الأَمْسِ تُخَاطِبُ
بَغْدَادَ اليَوْمِ والغَد




ألقيت في مهرجان الربيع
السادس في حماة




ما لي أرى الطيرَ أسراباً مهاجرةً =ضاقَ المقامُ بها في حضنيَ الحاني
تحومُ تبحثُ عن وكرٍ تلوذُ به =تخشى الهديلَ بأدواحي وأفناني
أراعَها الليلُ والأضواءُ فانتبذَتْ =شرقَ الفراتِ تناجيني بأكفانِ
أم شاقَها دمعُ من يبكي على وطنٍ =أمْ نَوْحُ ثكلى بإعوالٍ وإرنانِ
أم هبَّتِ الرِّيحُ بالنيرانِ لاهبةً =فصوَّحَ الوردُ في روضي وبستاني ؟!
فآثرتْ وحشةَ الصحراءِ واغتنمتْ =صمتَ الرمالِ تحاشى سربَ غربانِ ؟
* * * = * * *
يا دوحةً أنكرتْ ظلماً بلابلَها =لينعقَ البومُ في أنقاضِ جُدرانِ
تعلَّمي الشدوَ في الأقفاصِ والتهمي =أفراخَك الزُّغْبَ في سرٍّ وإعلانِ
هيا ادفعي ثمنَ الصاروخِ مِنْ دَمِ مَنْ =ماتوا بقصفِ صواريخِ " الأمِرْكانِ "
وبارِكي لقوى " المارنزِ " صولتَهم =على الترابِِ وفي جوٍّ وشُطآنِ
نامي على الضيمِ لا تستيقظي أبداً =إيَّاكِ أنْ تلجئي يوماً لعِصيانِ
وطأطئي الرأسَ إجلالاً لمن هدَموا =صرحَ الحضارةِ في ذُلٍ وإذعانِ
سيَّانَ إنْ تخلعي ثوبَ العفافِ ضُحىً =أو تخلعيهِ بليلِ القهرِ سيانِ
لقد تحرَّرتِ من صدامَ فالتمسي =من المغولِ مراسيماً لسلطانِ
وهلِّلي لحكوماتٍ مؤمرَكةٍ =جاءتْ على متْنِ حيتانٍ وغيلانِ
واستقبِلي بالرضا والحبِّ من نهبوا =ما خلَّدَ الدَّهرُ من إبداعِ فنانِ
وضمِّدي كلَّ جُرحٍ نازفٍ بيدٍ =تُديفُ سُمَّ الردى من نابِ ثُعبانِ
وأولِمي للأفاعي بعدما هجرتْ =أوكارَها السودَ وانسلَّتْ لأحضاني
وطالِعي صُحُفاً يوميَّةً كُتِبتْ =بريشةِ الحقدِ في زورٍ وبُهتانِ
* * * = * * *
لا تقرأي كتُبَ التاريخِ واستمِعي =لمنْ يُزوِّرُ تاريخي وعنواني
أنا التي طرَّزتْ ثوبَ الزمانِ بما =أملتْ على الكونِ من علمٍ وعِرفانِ
وقدَّمتْ من غِذاءِ العلمِ مأدُبةً =للشرقِ والغربِ أغرتْهم بألواني
سَلِي الأوابدَ عنِّي فهيَ شاهدةٌ =تحدِّثُ الكونَ عن فنِّي وعُمراني
سلي الرشيدَ سلي المأمونَ واستمعي =لما يقولونَ في إرساءِ بُنياني
لا تسأليني لماذا عقَّني زمني =وراحَ يجحدُ إرضاعي وتَحناني
لا تسأليني فما أنفكُّ أحضنُه =رغمَ العُقوقِ وما ينفكُّ يَشْناني
وحدِّثي عن حَمورابي وشرعتِهِ =عنِ السلامِ وإسلامي وقرآني
سلي الحضاراتِ من بثَّ الحياةَ بها =وهل جرى نبضُها إلَّا بشِرياني
حتى تهاوتْ بكفِّ الجهلِ واصطبغتْ =مياهُ دِجلةَ تروي قصَّةَ الجاني
* * * = * * *
واليومَ يا دوحةً عادَ المَغولُ لها =ماذا تقولين بالحقدِ " البريطاني "
والخانعون تبارَوْا في دوائرِهم =واستقبلوا الغزوَ إمعاناً بخذلانِ
تمرَّسوا بفنونِ الكيدِ واختَلقوا =شتَّى الذَّرائعِ في تقويضِ أركاني
وهمُّهم واحدٌ بل همُّ سادتِهم =تمكينَ " صُهيونَ " من أهلي وجيراني
ليُبرِزوا للسلامِ المرِّ خارطةً =من رسمِ " دايانَ " صيغَتْ من حُزيرانِ
داسوا الأنوفَ ولم يُبقوا بها شَمَماً =وبارَكوا كلَّ خوارٍ وخوانِ
ونحن عُرْبٌ وإسلامٌ بأدعيةٍ =نشدو بها إنَّما من غيرِ إيمانِ
ونسألُ اللهَ نصراً في مساجدِنا =ونحن نهرُبُ من ساحٍ ومَيدانِ
* * * = * * *
يا دوحةَ العِطرِ أسواري مُهدَّمةٌ =والغدرُ يحْطِمُ بالتقليمِ أغصاني
ماذا تقولينَ ؟ هل ناديتِ معتصِماً ؟ =أمْ حوصِرتْ خَيْلُهُ في سُوحِ أفغانِ
أو مالتِ الريحُ لم تحمِلْ بذاكَ إلى =أبناءِ طَيءٍ وشيبانٍ وغسَّانِ ؟
أمْ أنَّ صاعقةً صكَّتْ مسامعَهم =حتى تنادَوْا إلى إغلاقِ آذانِ ؟
حالٌ من اليأسِ والإحباطِ تحكمُنا =والحاكمون توارَوْا خلفَ جُثماني
يردِّدونَ أحاديثاً ملفَّقةً =عَبْرَ الفضاءِ بتخطيطٍ وإتقانِ
ويعرِضون على الشاشاتِ أسئلةً =من وضْعِ " شارونَ " بل من وضعِ شيطانِ
ونحن نعتَلِفُ الأخبارَ في نَهَمٍ =حتى نَغَصَّ ونمضي دونَ أرسانِ
أُمنيَّتي أن أرى قومي يحرِّكُهُم =نبْضُ المُحرِّرِ لا أعصابُ سجَّانِ
* * * = * * *
يا دوحةَ الأمسِ هذي حالُ أُمَّتِنا =ماذا أقولُ وقد باءتْ بخُسرانِ
ولستُ مُستثنِياً إلَّا الذين قَضَوْا =من الأشاوسِ في تشرينِها الثاني
والصامدين بقُدسِ اللهِ ما هربوا =والثابتينَ على أرزي بلبنانِ
والطفلُ يحملُ صَوَّاناً ومِحفظةً =ليقطفَ النصرَ من عِلمٍ وصوَّانِ
إنِّي لأنظُرُ من خلفِ الدموعِ إلى =جيلٍ بكلِّ شُموخِ المجدِ يلقاني
وبعضُ ما بي من الآلامِ أدفِنُها =في مِهرجانٍ من الآمالِ يغشاني
أُضيءُ فيه على العاصي شُموعَ هدىً =لعلَّ بعضَ جراحِ العُربِ تنساني
لرُبَّ بارقةٍ من زَنْدِ قادحةٍ =تنهلُّ تُروي بعصرِ الزَّيفِ وجداني
أو رُبَّ صادحةٍ من خلفِ مأتمِنا =تشدو بصدْقِ مواويلي وألحاني
لأزرعَ الحلْمَ في عينٍ تنِزُّ دماً =فيزهرُ الحُلْمُ محفوفاً بأجفانِ
وأعقِدَ الغارَ إكليلاً لمن صبَروا =ورابَطوا بين أحزاني وأشجاني
هذي طلائعُهم في كلِّ مُنعَطَفٍ =توري القريحةَ في أعماقِ بركاني
لأنظُمَ الشعرَ عَقداً من لآلئه =دموعَ بغدادَ تجري فوقَ عِقيان
لعلَّ ماجدةً تُرخي جدائلَها =أَبثُّها في ضِفافِ الكَرْخِ أحزاني
لأنَّني مؤمنٌ إنْ طالَ بي أجلي =أنِّي سأنشُرُ في الزوراءِ ديواني
عهدٌ عليَّ أمامَ اللهِ أقطعُه =ويشهدُ اللهُ لمْ أحنَثْ بأيَمْاني
سينجلي الليلُ مهما جَنَّ مندحِراً =ويشرقُ الفجرُ في " الأقصى وبغدانِ "
ويورِقُ الغارُ مزهوَّاً تغازِلُه =مساكبُ القدسِ من وردٍ ورَيْحانِ
وسوف أنتعِلُ التيجانَ ما بقيتْ =شرارةٌ تُنذِرُ الباغي بنيراني
فصابِري رابطي يا أمَّتي ودعي =كلَّ السواعدِ تبني مجدَ أوطاني
5/4/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:13 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (40)





لَوْحَةٌ مِنْ كِبْرِيَاء



من أيـنَ أقتنصُ الرجاءَ وكيفَ أحــلُمُ بالضياءْ

وأنا بآمالي العتاقِ أجـوبُ صحـراءَ الإبـــاءْ

ويضيعُ عـمْري بين أحـلامي وأوهــامي هَباءْ

وحـدي بصَومعتي القميئةِ أَقتفــي أَثرَ الـهواءْ

أقتاتُ خـبزَ الاِنتظارِ وأحتسي غُصَـضَ الفنـاءْ

صــورٌ من الألـمِ المُمِضِّ ولوحةٌ من كبريـاءْ

لا الليلُ يمنحني الأمـانَ ولا الصباحُ ولا المساءْ

يسري بآذانـي الفحيحُ ويختفي نغــمُ الإبـاءْ

وتُطلُّ أشباحُ الجحــودِ تجرُّ أشلاءَ الوفــاءْ

لا شيءَ يظهرُ في القريبِ ولا البعيدِ سوى الشقاءْ

عَبَثاً أحـاولُ أن أطيرَ إلى مَجــرَّاتِ الفضاءْ

لكــنَّ أجنحتي تُحطِّمها ريــاحُ الأغبيــاءْ

* * *

من ألفِ عـامٍ بل تزيدُ تنكَّروا لأبــي العلاءْ

في عُرفِهم جدثُ الألوفِ يظلُّ مـرفوعَ اللواءْ

وولاؤهم أبــداً لمـن يُعطــي وإلَّا لا ولاءْ

نبْضُ الرنينِ قلوبُهــم وعقولُهم أبداً خـواءْ

لم يعرِفوا سُبُلَ الوضوحِ وأتقنوا طُرُقَ الخَـفاءْ

حُمُرٌ إذا استنفَرتَهم نَفــروا على متْنِ الـرِّياءْ

هُمْ والتيوسُ الجائعـاتُ على معالِفِهم ســواءْ

يتجاهــلونَ ويجـــهلونَ بأنَّهم شرُّ البـلاءْ

وهُمُ الدناءة والرذيــلةُ والجـريمةُ والـوباءْ

زُوَّارُ دورٍ للعبـــادةِ فـي ثيــابِ الأولياءْ

ولهم بعِجلِ الســامريِّ على سفـاهتِه اقتداءْ

أعداؤهم غُررُ الصفاتِ ألدُّها صـفةُ الســخاءْ

فحيـــاتُهم أَخذٌ وكَنْزٌ لا يمـرُّ بها العطــاءْ

إيمانُهم تحـت الحضيضِ وأنفُـهمْ فوقَ السماءْ

فُرِشتْ لهم سُدَدُ المجالسِ فوقَ أربابِ الذكاءْ

لا شـيءَ إلا أنَّهم ملكـــوا نِصـابَ الأثرياءْ

وأخو الجهالةِ والغِنـى أبداً يدِبُّ بلا حيـاءْ

متَغطرِساً متحـذْلِقاً وجيوبُه المَـلأى غطاءْ

كلُّ الدوائــرِ والجهــاتِ له تُدارُ كما يشاءْ

فإلــى متى أبقى تُطاردُنـي خيولُ الأدعياءْ

إنِّي سئمتُ العيـشَ بين الأغنياءِ الأغبياءْ

21/8/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:18 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (41)




انْتِظَار



أبداً على أمـلِ احتضـارِ الليلِ أنتظـرُ الصباحْ

تمضي السنون ولا أرى غيرَ المصائبِ والجراحْ

أكلَ الظـــلامُ قوادِمي وأتى علـى كلِّ الجناحْ

* * *

أبداً تحـاورُني الأمانـي في فضــاءاتِ الهِيامْ

وتُطلُّ أشبـاحُ الغُـروبِ تحـوكُ أستارَ الظـلامْ

فأعــودُ أنتظرُ الصباحَ علـى الجراحِ ولا أنامْ

* * *

أبداً أرى روحـي وأفكاري تحلِّـقُ في السمـاءْ

تمضـي يجاذِبُها الحنينُ إلى مَجـرَّاتِ الفضـاءْ

لكـنَّ أجنحتي تَدِفُّ علـى التـرابِ بلا هـواءْ

* * *

أبداً تغازِلُني الحمـائمُ ثمَّ تمعِنُ فـي الغيــابْ

وأنا على مُهَجِ السطورِ أصوغُ أُغنيةَ اغـتراب

نسيَ الندى رَوْضي وراحَ يبلُّ أعشاشَ الغرابْ

* * *

أبداً على أملِ ابتسـامِ السعدِ تحملُني الحـكاية

تمضي السنونُ ولا أرى لبُروقِ آمــالي بداية

يسري بأورِدتي الخرابُ وفي شـراييني النهاية26/8/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:23 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (42)





سَهْمُ عِتَاب




أُلقيتْ في مِهرجان
ربيع حماة السابع




ظَمِىءَ السرابُ على يديْ فحضنْتُه =بين الجفونِ لأهتدي بسرابِ
ومضيتُ أُرضِعُه الدموعَ بلهفةٍ =وأصبُّ في شفتيْه طُهْرَ شرابي
حتى إذا بلغَ الفِطامَ وعقَّني =وغدا يمزِّقُ بالمشيبِ شبابي
أنكرتُه وخلعتُ كلَّ تميمةٍ =كانت تُقيِّدني بحبلِ رِغابِ
* * * = * * *
وصحوتُ في صحراءِ عمْري أنتضي =سيفَ الوفاءِ لبلدتي وصِحابي
وحلفتُ ألَّا أنحني لمُقامِرٍ =بالعهدِ بين مَصارعِ الأحبابِ
يترسَّمُ الأحرارُ درْبَ مطامِحي =عبرَ انقلابِ مواسمي لعذابِ
* * * = * * *
وتطلُّ من شُرُفاتِ عُمريَ ومضةٌ =شقَّتْ دُجى العاصي كلمعِ شِهابِ
فتبسَّمتْ شُعَلُ الضياءِ وأشرقتْ =شمسُ الربيعِ على سِوارِ روابي
ومَضيْتُ أفتضُّ الرجاءَ وفي يدي =سهمٌ أُفوِّقُ منه سهمَ عِتابِ
للحالمينَ على الضفافِ تبادلوا =خمرَ الصفاءِ وأطيبَ الأنخابِ
للراقدين على الونى وعيونُهم =ظمأى لكلِّ صبيةٍ وكَعابِ
للثائرين الساقطين تعهَّدوا =إصلاحَ مجتمعاتِهم بحِرابِ
للعائدين على الدروعِ تواثَبوا =للحكمِ بين ثعالبٍ وكِلابِ
للحاملينَ رؤوسَهم بمذلَّةٍ =يتناطحون ضُحىً بغيرِ رِقابِ
لمن انتحَوا دونَ الشعوبِ ومهَّدوا =لمعاهد التطبيعِ دون حسابِ
لبسوا عَباءاتِ الضلالِ ومشَّطوا =شعْرَ الذقونِ وأسَّسوا لخرابِ
لمنِ اشترى سيفاً وحطَّمَ نصلَه =ومضى يقاتلُ خصمَه بقِرابِ
هجرَ الثوابتِ للنضالِ بخِفةٍ =خوفَ السقوطِ ولاذَ بالأغرابِ
والشعبُ يلهثُ والرغيفُ مطارِدٌ =والجوعُ منتظِرٌ على الأبوابِ
لمساوِمين على القطيعِ بصفقةٍ =ورعاتُه سقطوا على الأعتابِ
فكبيرُهم تركَ العصا وصغيرُهم =حَجَرَ المذَبَّةَ مولَعاً بذُبابِ
وعلى العَراءِ تناثرتْ أغنامُهم =وصدى الثُّغاءِ يُذيبُني بثيابي
حنَّتْ لتيجانِ الفسادِ رؤوسُهم =فسعَوا لقصرِ المُلْكِ بالألقابِ
شربوا مياه الرافدينِ وأغلقوا =أفواهَهم بعَمامةٍ ونِقابِ
واستعذبوا للغاصبينَ ولاءهم =وتفنَّنوا بوسائلِ الترْحابِ
هذا يروِّجُ لاقتسامِ ترابِه =وهناكَ من يدعو لفرْضِ عِقابِ
سهروا على وعدٍ بحفظِ نظامِهم =إمَّا بدا في الأفْقِ برقُ سحابِ
وغفَوا على بُرَكِ الدماءِ ورمَّدوا =نارَ الجراحِ برفَّةِ الأهدابِ
والطامعون بنا يساندُ بعضُهم =بعضاً ويسجِدُ بومُهم لغُرابِ
يتربَّصون لدينِنا وشعارُهم =دفعَ الشبابِ لبلقَعٍ ويبابِ
حملوا على الإسلامِ في دعواتِهم =وتنكَّروا لفجيعتي ومُصابي
فعلى الفضائيَّاتِ ينتصبُ الخنا =يسري إلى الأرواحِ والألبابِ
غزْوٌ ثقافيُّ السماتِ مدبَّرٌ =ينسابُ منه السمُّ في الأعصابِ
والقائمونَ على الخِطابِ تمرَّسوا =بوسائلِ الإيجازِ والإسهابِ
ويلٌ لمنْ رضِيَ المَهانةَ خانعاً =واختالَ مُرتدَّاً على الأعقابِ
لم يقتِلونا بالقنابلِ إنَّما =قتلوا العقيدةَ في صُدورِ شبابِ
* * * = * * *
إنِّي لأُقسِمُ بالشعوبِ وزحفِها =بعدَ الإلهِ بسورةِ الأحزابِ
بالريحِ تقتلعُ الخِيامَ فتنطفي =نارُ الغُزاةِ بخَندقي وشِعابي
بالطفلِ يطلقُ من يديه حجارةً =ودماؤه عُرْسٌ على الجلبابِ
بصبيَّةٍ نفَرتْ بليلةِ عُرسِها =لتُزَّف للشهداءِ تحت قِبابِ
بالأمِّ تحتضنُ الشهيدَ وصوتُها =يدعو أخاه لصولةٍ وضِرابِ
بدمِ القَعيدِ الشيخِ يطلِقُ صرخةً =حمراءَ ضمَّختِ الثرى بخضابِ
لن يبلغَ الإخصابَ بِذْرُ مخادِعٍ =غازٍ يذُّرُ الكفرَ فوقَ تُرابي
فإلامَ يحترِفُ الذين تهوَّدوا =صمتاً وتُوأدُ صرختي برِحابي
* * * = * * *
يا أُمةً عزَّتْ بدينِ محمَّدٍ =لا تركُني لمقامِرٍ ومرابي
واللهِ ما نزَلَ االبلاءُ ولا دَجى =ليلُ الخطوبِ بغيرِ ما أسبابِ
سِرتمْ فُرادى للقتالِ وعُدْتُمُ =زُمراً تسابقُ في طريقِ إيابِ
فتداعتِ الأممُ الذئابُ عليكُمُ =ورَضيتُمُ بتداعياتِ ذئابِ
وإذا تصدَّى للغُزاةِ كواسِرٌ =وُصِفوا من الإرهابِ بالإرهابِ
نسِيَ الذين تَهوَّدوا وتأمركوا =أنِّي شددْتُ إلى الجهادِ رِكابي
مزَّقتُ ألويةَ الخنا ورميتُها =وكشفتُ عن مُقَلِ الضياءِ ضبابِ
* * * = * * *
يا أمَّتي شمسُ الشآمِ مُضيئةٌ =لم تحتجِبْ بستائرٍ وحِجابِ
سطعَتْ على قِممِ النضالِ فأزهرتْ =كلُّ الجراحِ وطوَّحتْ بسَرابي
فترسَّمي دربَ الشآمِ فإنَّها =نِبراسُكِ الأسمى لنَيْلِ ثوابِ
وليفْرِضوا كلَّ العقوباتِ التي =يتوعَّدون وأنصتي لجوابي
لن يُرهِبونا بالوعيدِ لقد قضى =زمنُ الوعيدِ بفتْكَةِ الأنيابِ
ستظلُّ ساريَةُ الشآمِ على المَدى =مرفوعةَ الراياتِ فوقَ هِضابي
ويعودُ للأقصى الجريحِ أذانُهُ =ويضِجُّ ذكرُ اللهِ في المِحرابِ
وتعودُ بغدادُ الرشيدِ منارةً =للعِلمِ تسطعُ في دُجى الأحقابِ
فاستبْشِري بالنصرِ نصرُكِ قادمٌ =إنِّي أراهُ مسطَّراً بكتابي
وترقَّبي فتحَ الفُتوحِ فإنَّه =آتٍ يبدِّدُ رِيبةَ المُرتابِ

24/4/2004

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:42 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (43)




الشَّهِيْدُ القَعِيْد




في رثاء الشهيد
الشيخ أحمد ياسين





جَمَدَ القريضُ على فمِ الشعراءِ =لمَّا بَكوا لمصارِعِ العظماءِ
جَمَدَ القريضُ وعُطِّلتْ آياتُه =وتخضَّبتْ أشلاؤه بدمائي
فقبعتُ في ظِلِّ الخيالِ مسائِلاً =نفسي عنِ الكتابِ والأدباءِ
وبدا الشهيدُ يُطلُّ من عليائه =يختالُ بين قوافلِ الشهداءِ
قمرٌ تسربَلَ بالدماءِ مضمَّخاً =بالطيبِ يعبقُ في ذُرا الجوزاءِ
شيخٌ قعيدٌ لا يزالُ يخافُه =رُغمَ الشهادةِ سيِّدُ الجبناءِ
* * * = * * *
يا سيِّدَ الجبناءِ بُحَّةُ صوتِه =رعدٌ تُشِعُّ بروقُه بسمائي
وغداً سينهمِرُ السحابُ وترتوي =أرواحُ من عشقوا الثرى بضيائي
* * * = * * *
وصرختُ واذلَّاهُ كيف تبعثرتْ =أشلاؤه وتجمَّعتْ أشلائي
ومضتْ لتُعقَدَ قمةٌ عربيَّةٌ =فشلتْ قُبيلَ تجمُّعِ الأعضاءِ
شِلوٌ يقاطعُها ويقفِلُ عائداً =ومقامِرٌ يسعى إلى العُملاءِ
ويصولُ في بغدادَ صِلٌّ حاقدٌ =ينسلُّ للعقَباتِ تحت غِطاءِ
وتحاولُ الأشلاءُ جمْعَ شتاتِها =وتثورُ نارُ الحقدِ والبغضاءِ
يتساومون على المكاسِبِ بينَهم =قبل الدخولِ لقاعةِ الرؤساءِ
ويغيبُ سادنُهم ويَزْعُمُ أنَّه =يخشى إذا اجتمعوا من الشحناءِ
* * * = * * *
وتُطِلُّ " أمريكا " تُلوِّحُ بالعصا =وتهروِلُ الأغنامُ دون ثُغاءِ
كتَموا الثغاءَ وأجَّلوه لجلسةٍ =يصغي القطيعُ بها لسيلِ عُواءِ
وعلى جدارِ الفصلِ ينتصبُ الردى =بنُيوبهِ الزرقاءِ والحمراءِ
والحالِمون على الأسِرَّةِ نُخبةٌ =من أسرةِ الترويجِ للدخلاءِ
باعوا الشهادةَ بالحياةِ وأشركوا =باللهِ عبْرَ شريعةِ الأعداءِ
وسَعوا إلى التطبيعِ دون مُقابلٍ =إلَّا الجلوسَ بخيمةِ الغرباءِ
يضعونَ رِجلاً فوق أخرى والخَنا =تاجٌ يلِفُّ رؤوسَهم برِياءِ
والطفلُ في الأقصى يودِّعُ شيخَه =وعيونُه دَمِيتْ لفرْطِ بكاءِ
حملَ الحقيبةَ للعُلومِ وشدَّها =بحزامِه الملغومِ تحت رداءِ
ومضى يُجوِّدُ آيةً وعيونُه =ظمِئتْ إلى المِعراجِ والإسراءِ
يتلمَّسُ الأطفالُ دربَ خلاصِهم =بين الوُجومِ وقبضةِ الأُجَراءِ
غضِبوا لمصْرَعِ شيخِهم وإمامِهم =فتسابقوا للموتِ في خُيلاءِ
* * * = * * *
" شارونُ " يا وغداً تحدَّرَ نِسبةً =من سامِريِّ العِجلِ للقطاءِ
أعياكَ أطفالُ الحجارةِ فانتهى =بكَ حقدُكَ المجنونُ للعلماءِ
فقصَفتَ شيخاً بالقنابلِ مُقعَداً =يسعى لبيتِ اللهِ في الظلماءِ
ومضيْتَ مزهوَّاً بغدرِكَ هازئاً =بالعُرْبِ بعد جريمةٍ نكراءِ
والنارُ تعصفُ والخليجُ مُقيَّدٌ =بسلاسلٍ مجدولةٍ بدهاءِ
والباسطون على الدروبِ أكفَّهم =يتسوَّلون بقاءهم بغباءِ
ويُقامرون بما جَنَوه سفاهةً =فوقَ الموائدِ بين حشْدِ إماءِ
يتنافسون على المقاعدِ خِفيَةً =ويُضلِّلون الناسَ بالأنباءِ
وهناكَ من هجروا السلاحَ وقاوموا =كُتَلَ الحديدِ بعِمَّةٍ ودعاءِ
ويناقشون على الفضاءِ قضيَّةً =وحوارُهم أدنى إلى الإقياءِ
أَفتَوْا بمنزِلةِ الشهيدِ ضلالةً =فتنكَّروا لمجاهِدٍ وفدائي
وَنَسَوْا بأنَّ اللهَ بأمرُهم بما =أَمَرَ الرسولَ لنُصرةِ الضعفاءِ
صُورٌ منمَّقةٌ تُشوِّه دينَنا =فإلامَ تصمُتُ نُخبةُ الفقهاءِ
بَليتْ قوادِمُهم وطارَ عدوُّهم =وتسابقوا لتباعُدٍ وجفاءِ
* * * = * * *
إنِّي لأعجَبُ من وداعةِ أمَّةٍ =تغفو بجانبِ حيَّةٍ رقطاءِ
تنسلُّ باسمِ السلمِ تنفِثُ سُمَّها =وتُقيمُ عُرْسَ القتلِ في الأحياءِ
وتجيءُ صاحبةُ الجلالةٍ خِِلْسةً =تمشي لمصْرعِها على استحياءِ
ما كان موسى منْ سقى أغنامَها =لكنَّه " شارونُ " في استِعلاءِ
حتى إذا وصلتْ حدودَ حصارِها =ركَعتْ تُقبِّلُ نفسَها بسخاءِ
وتُقيمُ مأدُبةٌ لغاصبِ عِرْضِها =وتنامُ عاريةً بدون غطاءِ
* * * = * * *
يا حاملين رؤوسَكم بمَذلَّةٍ =تتناطحون على طريقِ فناءِ
صَحَتِ الطفولةُ والفداءُ يهُزُّها =في مهدِها ترنو إلى العلياءِ
جيْلٌ من الغضبِ الأبيِّ مُقاوِمٌ =بحجارةٍ ممهورةٍ بدماءِ
إنِّي أرى التيجانَ يومَ حصادِها =بالذلِّ تسقُطُ تحت نعلِ حذائي
* * * = * * *
يا أمَّةً تسعى لنيْلِ خلاصِها =وخلاصُها وقْفٌ على الشهداءِ
عودي إلى دربِ الهُدى وتبيَّني =دربَ الخلاصِ بعاصِفِ الأنواءِ
لا تسلُكي سُبُلَ الهوى وتدبَّري =آياتِكِ الجُّلَّى ووحيَ سماءِ
وترسَّمي دربَ الشآمِ وزمجِري =لا تركُني لمخاتِلٍ ومُرائي
هذا زمانُ الصحوِ أقبلَ فانهضي =واستنهِضي الأشبالَ من أبنائي
ودعي الرقادَ لمنْ ترهَّلَ عزْمُه =وغفا ليُوقِظَ سطوةَ السفهاءِ
13/4/2004

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 05:45 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (44)






عِقْدُ الرِّثَاء





أُحاولُ جُهدي أن أثوبَ وأرعوي =فيجذِبُني شوقٌ إليكِ رهيبُ
وأُبصِرُ أكفاني تلوحُ لناظري =فأُعلنُ أنِّي في غدٍ سأتوبُ
وكنتُ أظنُّ الوصلَ للقلبِ شافياً =فيَهدا بطيبِ الوصلِ فيه وجيبُ
ولو كان داءُ الحُبِّ يُشفى بجُرعةٍ =لكانَ جديراً بالشفاءِ طبيبُ
ولكنَّه داءٌ وبيْلٌ محبَّبٌ =فهل ينكِرُ الداءَ الوبيلَ حيببُ
وليس عجيباً أن يُقالَ : يحبُّها = ولكنَّ لومَ العاذِلين عجيبُ
ولستُ غريباً في هواها وإنَّما = هواها بعُرْفِ العاشقين غريبُ
أتوبُ لأيامٍ وأنقُضُ توبتي = إذا رابني في البُعْدِ عنكِ مُريبُ
أُحبُّكِ لا أدري إلى أينَ ينتهي =هوايَ ولا أدري متى سأثوبُ
وتصرُخُ بي أيامُ عمْري : ألا اتئِدْ =ويهجُرُني الإلهامُ ثمَّ يؤوبُ
يُنضِّدُ وحياً من سمائكِ ساحراً =فأُكوى على جمرِ النوى وأَذوبُ
* * * = * * *
متى يا لهيبَ الشوقِ أُطفئُ غُلَّتي ؟ =وأطرحُ أسمالَ الهوى وأُنيبُ ؟
وأطيبُ أيامي بقُربِكِ عشتُها =فكيفَ إذا حلَّ البُعادُ تطيبُ ؟
وأقبلَ يومُ البُعدِ وانهدَّ ما بنى =مهندِسُ أحلامي وعمَّ نحيبُ
فديتُكِ .. لا تبكي وصوني لآلئاً =لعِقْدِ رثائي فالغُروبُ قريبُ
2/7/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 07:45 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (45)






مَلَّاحٌ بِبَحْرِ الدَّم



سأُبحِرُ في دمي يوماً أُفتِّشُ في شراييني

سأُبحِرُ حامِلاً وجعي وأركبُ ظهرَ تِنِّينِ

سأَبعُدُ عن بني قومي لعلَّ البُعدَ يشفيني

أجوبُ بحارَ مملكتي ركوبُ البحرِ يُغريني

أُصارعُ موجَه العاتي وأَلويه ويَلويني

وأدفعُ عن شواطئِهِ وأَحملُه ويُلقيني

وأحضُنُه بأهدابي وأُسعدُه ويُشقيني

وتصفعُني الفضائيَّاتُ في حدْسٍ وتخمينِ

وتدخُلُ في حواراتٍ مُريباتِ المضامينِ

ويدْحَضُ بعضُها بعضاً بتبريدٍ وتسخينِ

فهل عمِيَتْ عيونُ الكونِ عن كلِّ البراهينِ ؟

أجيبي يا فضائيَّاتِ آلامي أجيبيني

* * *

سأُبحِرُ في دمي شهراً أفتِّشُ عن قرابيني

سأطرحُ كلَّ أسئلتي عنِ الإرهابِ والدينِ

وأسألُ كلَّ قاعدةٍ من الأفغانِ للصينِ

إلامَ تنامُ في صمتٍ دماءُ الشيخِ ياسينِ

إلامَ يُشيِّعُ الأطفالُ آلافَ الجثامينِ ؟

لماذا تسكُنُ الآفاقَ آلافُ الشياطينِ ؟

لماذا تدخُلُ الحِملانُ أوكارَ الضَّباعينِ ؟

لماذا دجَّنَ الباغي ملايينَ الملايينِ ؟

لماذا تُذعِنُ الدنيا لإنذارٍ يُعاديني ؟

أجيبي يا حشودَ الصمْتِ في الدنيا أجيبيني

* * *

سأُبحِرُ في دمي عاماً " لشيكاغو " البراذينِ

وأسألُ ما هو الإرهابُ يا برجَ الطواعينِ

أَطِفلٌ في حِمى الأقصى بمِقلاعٍ وسِكِّينِ ؟!

أمِ الأطفالُ في بغدادَ في عُمْرِ الرياحينِ ؟

يموتُ الألفُ والألفانِ جوعاً دونَ تَموينِ !!

أمِ المُجتثُّ أشجاراً من الزيتونِ والتينِ ؟

ويُعقَدُ مجلسٌ للأمنِ بينَ العُنفِ والليْنِ

ويكشِفُ عن قراراتٍ ويَطويها ويَطويني

ويأمُرُ بانسحابِ الليلِ بين الحِينِ والحِينِ

ويترُكُه على أرضي ويُسكِنُهُ ويُجليني

أجيبي يا جُيوشَ الأمنِ يا رُعباً أجيبيني

* * *

سأُبحِرُ في دمي زَمناً إلى الأقصى وحِطِّينِ

وأبحثُ عن صلاحِ الديْنِ في كلِّ الميادينِ

لأسألَ سيفَه الغافي بأحضانِ المطاعينِ

لعلَّ رُفاتَه يصحو على صوتي ويَهديني

إلى زَندٍ يحرِّكُه ويمضي للسلاطينِ

يفجِّرُ صوتَ حادينا بأجوافِ البراكينِ

ويُشعِلُها على اسمِ اللَّهِ تَهْزا بالقوانينِ

وتترُكُ كلَّ خوَّارٍ يغوصُ بحومةِ الطينِ

أجيبي يا شعوبَ العُربِ يا ثَكلى أجيبيني

* * *

سأُبحِرُ في دمي دهراً إلى عهدِ الفراعينِ

إلى منْ أذهلوا الدنيا بتحنيطٍ وتلوينِ

إلى الفينيقِ يا وطني إلى ماضٍ يُعزِّيني

وأسألُ وحشَ أمريكا عنِ الأخلاقِ والدينِ

لماذا تسرِقون الزيْتَ ياحُمْرَ السَّكاكينِ ؟

لماذا تُضْرِمونَ النارَ في حقلٍ يُغذِّيني ؟

لماذا تخنِقونَ الماء في نبْعٍ يُروِّيني ؟

لماذا أيُّها الأوغاد تُؤذيكم بساتيني ؟

لماذا أمركاتُ العصرِ بالنيرانِ تكويني ؟

أجيبي يا بُروجَ الحِقدِ يا وهماً أجيبيني

* * *

سأُبحرُ حاملاً وجعي إلى أملٍ يُداويني

وأرسو بعد ما أُشفى على شُطآنِ تشرينِ

لأُفرِغَ جُعبتي المَلأى بآلافِ العناوينِ

وأسألُ كلَّ عنوانٍ متى تربو مَوازيني ؟

متى تَسري بأورِدتي دماءٌ من شراييني ؟

متى تُمحى عذاباتُ اليتامى والمساكينِ ؟

متى تزهو غِراسُ الغارِ في حقلٍ فلسطيني ؟

متى يعلو أذانُ الفجرِ للجُّلَّى يناديني ؟

متى يا أُمَّتي تبلى عباءاتُ السَّلاطينِ ؟

وتسقِطُ تحت أقدامِ الثَكالى والمساجينِ ؟

وماذا يفعَلُ الطاغوتُ إنْ دارتْ طواحيني ؟

أجيبي يا غُثاءَ السيلِ في صمتٍ أجيبيني

* * *

سأُبحِرُ تحتَ موجِ القهرِ بحثاً عن ميامينِ

عنِ الأطفالِ والأحجارِ عن وردٍ ونِسرينِ

أَغوصُ أُصارِعُ الحيتانَ في عهدِ السراطينِ

لعلَّ الغَوصَ في الأعماقِ يُقصيهم ويُدنيني

فأُوجِزُ كلَّ أسئلتي بلا وحيٍ وتلقينِ

متى يا أُمتي نصحو متى نمضي لحِطِّينِ

أجيبي يا شآمَ المجدِ يا أُمِّي أجيبيني

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 07:53 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (46)





مَنْ لِلْعِرَاق





شُدُّوا الوَثاقَ شعوبُ الأرضِ تختنقُ =وبادِروا لاقتسامِ الربحِ واتَّفِقوا
سُدُّوا مَسامعَكم عن كلِّ هاتفةٍ =باسمِ السلامِ وخُوضوا الحربَ وانطلِقوا
فلا حياةَ لمن أَغضى على ضِعَةٍ =وراحَ ينخِرُ فيه الخوفُ والقلقُ
لا تخجلوا من شهاداتٍ مُعلَّقةٍ =على الصدورِ دمارَ الحربِ تعتنِقُ
شُدُّوا الوثاقَ على الأعناقِ واغتَسِلوا =بأبحُرِ الدَّمِ وانقادوا لمن فَسَقوا
شُدُّوا الوَثاقَ على الأعناقِ واعتصِموا =بباسقِ النخلِ حتى يسقُطَ الورقُ
فلا يُخيفنَّكمْ شجْبٌ وحشرجةٌ =هذا احتِضارُ شُعوبٍ فيه تختنِقُ
لا تجلِدوا فاسقاً لا ترجُموا امرأةً =كلُّ الزناةِ مرايا عصرِكم عشِقوا
وإنْ تبجَّحَ قوَّادٌ بمؤتمَرٍ =وراحَ يهرِفُ في أقوالهِ فثِقوا
وساعدوهِ على حمْلِ الدمارِ إلى =شعبِ العراقِ ليَهدا عرشُهُ القَلِقُ
* * * = * * *
يا أيُّها الذاهلونَ اليومَ عن غدِكمْ =ها همْ سماسرةُ النُّخَّاسِ فانعتِقوا
مُعظَّمونَ وخوفُ الشعبِ توَّجهم =على البلادِ مُلوكاً ليتَهمْ نفَقوا
متوَّجون بتيجانٍ مُرقَّعةٍ =فكلُّ تاجٍ على هاماتِهم خِرَقُ
لا يَسمعون لصوتِ الشعبِ يلعَنُهم =فكلُّ أسماعِهم باللعنِ تُخْتَرقُ
مُمثِّلون تباهَوا في مسارِحهمْ =كلٌّ إلى رِبحِه المعلومِ يستَبِقُ
* * * = * * *
بغدادُ حاضِرةُ الدنيا تُناشدَهم =منْ للعراقِ ؟ وأينَ القادةُ الصُّدُقُ
أين الذين إذا مُسَّتْ محارِمُهم =طاروا إليها على آثارِ من سَبقوا
* * * = * * *
ويُطبِقُ الصمتُ فالأجواءُ هادئةٌ =إلَّا من الخوفِ في الأعماقِ ينطلِقُ
تَشوقُهم حاملاتُ الموتِ مُبْحِرةً =صوبَ الخليجِ وفي أشواقِهم شَبَقُ
صَفُّوا حمائمَهم باسمِ السلامِ على =مَدارجِ الذلِّ واستهواهُمُ المَلَقُ
وأَرجفوا أنهم للهِ قد نَفروا =على طريقِ الهدى يا ليتهم صَدَقوا
تسابقوا ولُهاثُ الخوفِ يسبقُهم=وأولموا للأفاعي بعدما افترقوا
ويستمرُّ سؤالُ الشعبِ عن وطنٍ =ما زال تحت لظى "شارونَ" يحترقُ
فهل يجيبونَ أم صَكَّتْ مسامعَهم =أصواتُ من حُوصروا بالقصفِ واحترقوا
وأَجفلتْ خيلُهم قبل النهوضِ إلى =ركائبٍ في تُرابِ الأرضِ تلتصِقُ
وجاءهمْ سامِريُّ العصرِ محتضِناً =عِجلاً له من خُوارِ السلمِ مُنْطَلَقُ
فآثَروا الكُفْرَ واغتالوا عقيدتَهم =وزوَّقوا شُرعةَ الطاغوتِ واعتنقوا
فلا فلسطينُ عادتْ في دفاترِهم =تَحظى بأيِّ اهتمامٍ بعدما انزلَقوا
فهلْ ببغدادَ هذا اليومَ معتصِمٌ =وهلْ بمكَّةَ سيفُ الحقِّ يُمتَشقُ
وفي العواصمِ أحلامٌ مُزركشةٌ =تلوحُ في جَفْنِ منْ للسمعِ يَستَرِقُ
والقدسُ تغرقُ في سيلِ الدماءِ على =مَرأى ومَسمعِ منْ أستارُهم مِزَقُ
والصِّلُّ ينفُثُ سُمَّ الحربِ مُنتظِراً =قصْفَ الرُّعودِ ويتلو برقَها الشفقُ
لم تبقَ في جُعبةِ الأوغادِ منقَصةٌ =إلَّا وأخرجَها طاغٍ ومرتَزِقُ
شاختْ عباءاتُهم حين استبدَّ بها =قرْعُ الطبولِ على أنغامِ من مرَقوا
* * * = * * *
تحرَّكي يا جموعُ الشعبِ واعتصِمي =باللهِ لا تُرهِفي سمْعاً لمن نَعقوا
ورابِطي في عرينِ الشامِ إنَّ به =ليثاً يقودُ غطاريفاً به وَثَقوا
فواصِلِ الدَّربَ يا " بشَّارُ " منتصِراً =رُغمَ الظلامِ فأنتَ الفجرُ والألقُ
* * * = * * *
يا حاملينَ دماءً في حقائبِكم =للوالغينَ غداً يمتصُّها العَلَقُ
وتدَّعونَ بأنَّ النصحَ رائدُكم =لا تكذِبوا فادِّعاءُ النصحِ مختَلَقُ
صوغوا الشتائمَ في أرقى بذاءتِكم =لا يردَعَنَّكُمُ دينٌ ولا خُلُقُ
تاريخُكم حافلٌ بالغدرِ فاتَّفقوا =على الطريقِ إذا ما سُدَّتِ الطُّرقُ
لا تعقِدوا قمَّةً في ظِلِّ فِرقتِكم =فكلُّ أوراقِكم بالكيدِ تحترقُ
وبادِروا لاقتناصِ الوقتِ إنَّ غداً =آتٍ ليحصِدَ من خانوا ومنْ أَبَقوا
هذي الدروعُ التي جاءتْ مُعبِّرةً =عن صولةِ الحِقدِ لم تَحفِلْ بمن نهقوا
فهل يُحرِّكُ ما يجري ضمائرَكم =أمْ في دُجاها تساوى الفجرُ والغَسقُ
* * * = * * *
يا حَفنةً أنتنتْ فيها ضمائرُها =أينَ المفرُّ وَكرٌ ولا نَفَقُ
فهيِّئوا سُفُنَ الإنقاذِ تحمِلُكم =عروشُكم سقطتْ واجتاحَها الغرقُ

1/3/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 07:58 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (47)





لَنْ يَسْقُطَ الشَّعْبُ فِي بَغْدَاد




خوضوا لَظى الحربِ واستعلوا بمنْ حَمَلوا =على محارمِكم يا أيُّها الهَمَلُ
ربُّوا لِحاكُم على الإذعانِ واحتَكِموا =للزاحفينَ على بغدادَ وابتهِلوا
هيا افتِلوا شارباً بالنِّفطِ مغْتسِلاً =وشارباً بدمِ الأطفالِ يغتسِلُ
واستقبِلوا الوالغينَ اليومَ في دمِكم =بذلكم في البرايا يُضرَبُ المَثلُ
هيا اقطعوا كلَّ حبْلٍ بينَكم ودَعوا =حبلَ الخيانةِ في " شارونَ " يتَّصِلُ
صلُّوا لأجلِ قوى " الماريِنزِ " واتَّحِدوا =مع الطّغامِ وراعوا الغزوَ وامتثِلوا
وهيِّئوا لطُغاةِ الكونِ مَجزَرةً =تجتاحُ بغدادَ واختالوا بمنْ قَتلوا
وهلِّلوا للطَّواغيتِ التي نزلتْ =بدارِكم وارفعوا الأعلامَ واحتفِلوا
سيروا على جُثَثِ الأطفالِ لا تقِفوا =وواصِلوا القصفَ باسمِ السلمِ وانتقِلوا
وبارِكوا القتْلَ والتدميرَ واشتغِلوا =بلا حياءٍ لقد جافاكُمُ الخجَلُ
لا يردعَنَّكُمُ دينٌ ولا خُلُقٌ =ولا حِفظٌ على عهدٍ ولا مُثُلُ
وأفرِغوا حقدَكمْ بالكيدِ واغتسِلوا =منَ المُروءاتِ حتى يظهرَ الخَطَلُ
لا تسمعوا إنْ دعا داعٍ لوحدتِكم =ضِدَّ التتارِ ولا تخشَوا ولا تجِلوا
وزاوِجوا بينَ أعلامٍ لكم وُطِئتْ =وكلِّ بيرقِ ذُلٍّ حاكَه الدجلُ
* * * = * * *
من أينَ جئتم ومنْ ولَّاكُمُ سفَهاً =حُكْمَ الشُّعوبِ وأينَ السادةُ الأُوَلُ
أين الذين إذا حلَّ الدخيلُ بهم =طاروا إلى السَّاحِ عُقباناً وقد حَمَلوا
أين الغطاريفُ من قيْسٍ ومن مُضَرٍ =أين الذين بجيشِ الرومِ ما حَفِلوا
ثاروا وساروا على اسمِ اللهِ فانتصَروا =على الغُزاةِ وبالأرواحِ ما بَخِلوا
وأينَ أينَ صلاحُ الدينِ هل قُصِفتْ =كلُّ السيوفِ ليَطغى خطبُنا الجللُ
أينَ النواطيرُ هل طافَ النُّعاسُ بها =فللثعالبِ ما داسوا وما أَكلوا
* * * = * * *
يا أُمَّةً لم تَنَمْ فيها ضمائرُها =وما اعترى شرعَها جورٌ ولا زَلَلُ
تكلَّمي يا بقايا نخوةٍ شَمَختْ =تحدو الشآمَ على أنغامِ منْ رَحلوا
وحدِّثي عن حُروبٍ في تسْلسُلِها =نبْضُ العراقِ إلى الجولانِ ينتقِلُ
لن يسقُطَ الشعبُ في بغدادَ لو سقطَتْ =كلُّ العُروشِ سيبقى الماردُ البطلُ
عُمْرُ العراقِ طويلٌ لن يُطيحَ به =غزوُ المَغولِ وهذا سِفرُهُ فسَلوا
واستنطِقوا الرافدَينِ الحاملَيْنِ دماً =نبضُ العراقِ به للشامِ ينتقِلُ
كم حاصرتْنا الليالي السُّودُ وانكَفَأتْ =بالخِزْيِ والعارِ لمَّا أشرقَ الأملُ
شعبٌ يُقاتِلُ كي يَرضى الإلهُ به =ولا يُقاتلُ كي يَرضى به رجُلُ

23/4/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 08:03 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (48)





هَذَيَانْ





في شَرْنقةِ العجزِ اللغويِّ

أُصارعُ آلافَ الثيرانْ

أُقاومُ ألسنةَ النيرانْ

أُهدِّئُ غليانَ البُركانْ

وأُحاولُ ترتيبَ القُطعانْ

على أرصفةِ الجزَّارينْ

* * *

الذئبُ يُسافِحُ جاريةً..

خرجتْ من أصلابِ الفئرانْ

خلعتْ ألبسةَ أُنوثتِها...

ومَضتْ تتكسَّرُ في هَذَيانْ

تزهو بالفارغِ والملآنْ

أعياها رقْصُ المخمورينَ...

فراحتْ تبحَثُ عن ثُعبانْ

" الحانُ " ظلامٌ وسُكارى

ودُوارٌ يركُضُ بالجدرانْ

وانسلَّتْ عازفةُ الأَنغامِ الغربيَّة

تُخفي أوراقاً نقديَّة

سرقَتْها من جيْبِ الرُّبانْ

حلَّتْ مجدولَ ضفائرِها

ركَضتْ

سقَطتْ

أَدركَها حُرَّاسُ السلطانْ

* * *

أوراقي تَرفُضُ أقلامي

تعتقِلُ مصادِرَ إلهامي

تنتظِرُ ورائي وأمامي

لتسيرَ بجُثَّةِ أحلامي

بينَ الأنقاضْ

* * *

ولولةُ ثَكالى ويَتامى ...

تخترِقُ الصمتْ

ودُعاءٌ صوفيُّ الأنغامِ ...

يُغنِّي الموتْ

وذُبالةُ مِصباحٍ يئستْ

ترمي بدُخانْ

* * *

الليلُ وأُغنيةٌ حُبلى بجنونِ العصرْ

تنتظِرُ مَخاضاً نَوعيَّاً

وَلَدَتْ ... شَهَقَتْ

نَزَفَتْ ... ماتتْ

دُفِنَتْ في مَقْبَرةِ الأحياءْ

* * *

الطفلُ رضيعٌ يستجدي ...

حلَباتِ الرقصْ

يبكي في الحانِ تُمزِّقُهُ ...

نوباتُ المغْصْ

يستلُّ النادلُ خِنجَرَهُ ...

ينقضُّ ليُسكِتَ صوتَ الطفلْ

* * *

ياعصرَ " الإيدزِ " المُتفشِّي

يا أهلَ الرقصِ المُتدنِّيْ

يا كلَّ تعاويذِ الرهبانْ

يا أهلَ السطوةِ والسلطانْ

أَتَشظَّى أبحثُ عن إنسانْ

يسمو بصياغةِ أفكاري

يبني بالحكمةِ أسواري

ويقودُ جحافلَ ثُوَّاري

ويبادِلُني نخبَ الإيمانْ

لأقاومَ أسرابَ الغِربانْ

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 08:07 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (49)





مَخَاضُ النُّوْر



ترانيمٌ وأنغامُ

ضلالاتٌ وأوهامُ

وقرْعٌ يثقُبُ الآذانْ

وأصباغٌ على الجدرانْ

تُشوِّهُ صورةَ الإنسانْ

* * *

أسيرُ ... أسيرُ لا أدري ...

لأيِّ مكانْ

هنالكَ يولدُ التاريخُ

تحت القصفِ والنيران

هنالكَ يسقُطُ الطغيانْ

* * *

سأخرُجُ من حدودِ الأرضِ ...

أبحثُ في فضاءاتي

أُحاولُ نشْرَ آياتي

على أرواحِ منْ رحلوا

لتخفِقَ رايةُ الإيمانْ

* * *

نذيرُ الشؤمِ حاصرَني

على أسوارِ أفكاري

وحمَّلني كوابيساً

من الأوزارِ والعارِ

ليُطفِئَ ومضةَ الإشراقِ ...

في مِشكاةِ أشعاري

* * *

حملتُ مشاعلي وهْناً

أفتِّشُ عن جُذوعِ النخلِ

وأرهقَني مَخاضُ النورِ

في داري وبين الأهلْ

وخِفتُ إذا وضعتُ الحملَ ...

ترجُمني يدُ الطغيانْ

* * *

لبستُ الزهرَ معتكِفاً

بمِحرابِ المساجينِ

فأذهلَني صُراخُ الصمتِ

بين الحينِ والحينِ

حزمتُ بياضَ أكفاني

إلى ليلٍ يُعزِّيني

22/6/2004

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 08:12 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (50)



تَعَالَ نُصَلِّ الفَجْر






إلى أبي الخير الشاعر
عبد الوهاب الشيخ خليل




دعوتُ يَراعي أَستدِرُّ القوافيا =فعاتبَني وازورَّ يسألُ ما بيا
أتدخُلُ مِحرابي وتقطعُ خَلوتي =وتفضَحُ سرَّاً كان في الصدرِ خافيا
فقلتُ : صديقٌ لي أديبٌ وشاعرٌ =سَحابٌ بفصلِ الشعر يَهمي قوافيا
عرِفتُ به معنى الرجولةِ والندى =وصارَ ليَ الخِلَّ الوفيَّ المُواسيا
سهِرْنا بليلٍ نرقُبُ الفجرَ خَلسةً =فنجتازُ أعلاماً ونهبِطُ واديا
يسايِرُنا يومٌ ويعذِلُنا غدٌ =ويسخَرُ منَّا العُمْرُ حرَّانَ صاديا
يُحدِّثُني حيناً عنِ الحبِّ والهوى =ويُعرِضُ عنِّي كي يعودَ ثوانيا
ليستعْرِضَ القانونَ درساً مفصَّلاً =فأبصِرُ فيهِ قاضِياً ومُحاميا
ويسمِعننَي شِعراً رقيقاً وتارةً =يثورُ كما البركانِ غضبانُ شاكيا
وتَمضي بنا الأعوامُ تَترى ثقيلةٌ =تُحارِبُ مِقداماً تُسالمُ حابيا
إلى أنْ طعنَّا في السنينَ ولم نَزَلْ =على صهوةِ الإقدامِ نجلو المواضِيا
* * * = * * *
صديقي .. أبو الخَيْرِ الذي غازلَ الضُّحى =كبيراً وأحلامَ المُحبِّينَ هاويا
وأشعلَ قِنديلَ الليالي مُعلِّماً =وسارَ بأجيالِ المدينةِ هادِيا
وهزَّ جُذوعَ النخلِ فاسَّاقطَ الجَنى =حُروفاً منَ الإبداعِ طابتْ مَجانيا
* * * = * * *
أخي : يا احتراقَ الشمعِ في ليلِ سُهدِنا =تعالَ نُصلِّ الفجرَ واسمعْ دعائيا
أقومُ بليلِ القهْرِ أتلو قصائداً =لعلِّي بعصرِ النومِ أُوقِظُ غافيا
وأَخبرْتَني بالأمسِ أنََّك مُوجَعٌ =فسعَّرتَ أوهامي وطارَ صوابيا
أعِنِّي على الإبجارِ في هائجِ الأسى =لقد مزَّقتْ هُوجُ الهمومِ شِراعيا
وهَبْ لي زكاةً من جناحِكَ ريشةً =أُحلِّقْ بها فوقَ النجومِ تسامِيا
ودعْني أُغمِّسْها بقلبي مُكرِّماً =لأَكشِفَ سرَّاً كامناً بفؤاديا
* * * = * * *
أنا من تُراثِ الدارِ أَفدي تُرابَها =وأَفدي بها نهراً مُطيعاً وعاصِيا
أَهيمُ أُغنِّي في مواسمِ مجدِها =ولكنَّ أهلي يجهلونَ الأغانيا
أَذِلَّاءُ في جِدٍّ أَجلَّاءُ في دَدٍ =يُوالونَ هدَّاماً يُعادونَ بانيا
لَجمْتُ لساني عَنْهُمُ فتمرَّدوا =وأَبديْتُ ما يَخفى وأَخفيْتُ بادِيا
وأَطلقتُ صوتي فاستداروا وأَخلدوا =إلى النومِ واستعدوا عليَّ اللياليا
وعاتبَني بعضُ الصِّحابِ لِعِزَّةٍ =بنفسيْ تأبَّتْ أنْ أكونَ مُداجِيا
ولستُ الذي سوَّيتُ نفسي وصُغتُها =ولكنَّ من سوَّى النفوسَ إلهيا
وأَلهمَها التقوى وحيناً فُجورَها =ولستُ من الفُجَّارِ كيما أُداريا
فغادرَني منْ كنتُ أهنا بظِلِّهِ =على أملِ اللُّقيا وأَبعدَ هانيا
تُراودُني الأحلامُ في كلِّ رَفَّةٍ =فأهدابُ أجفاني تُصوِّرُ حاليا
ولمْ أَجنِ غيرَ اليأسِ والسقمِ والأسى =فضمَّدْتُ بالشعرِ الأصيلِ جِراحيا
وخلَّفتُ من أثنى عليَّ ومنْ هَجا =يَدِبُّ على عُكَّازِ وهْنٍ ورائيا
* * * = * * *
صديقي أبا الخيرِ .. استمِعْ لي فإنَّني =أُباهي بكَ الدنيا حُداءً وحاديا
وأَملا كؤوسَ الحبِّ والوِدِ بيننا =وتُتْرِعَ منْ دَنِّ المُروءةِ جاميا
كلانا يصُبُّ العطرَ والنورَ والندى =ونزرعُ أفراحاً ونجني مآسيا
كلانا على الأيامِ يَرعى برُوحِه =مواكِبَ أجيالٍ ولم نلقَ راعيا
كلانا وأَيمُ اللهِ يفدي صديقَه =ولم نلقَ إلَّانا مدى العُمرِ فاديا
* * * = * * *
أخي .. يا أبا الخيرِ الذي شقَّ صدرَه =ليحتضِنَ الأصحابَ اِسمعْ ندائيا
عملتَ بثَقبِ الجِلدِ بالمِخرزِ الذي* =طعنتَ به من كان يشنوكَ قاليا
وقلتَ له يا مِخرزَ الجِلْدِ إنَّني =رأيتُك عند النائباتِ حِياليا
أحاربُ فيكَ الفقرَ والفقرُ صامدٌ =لأكسِبَ تحتَ الليلِ قُوتَ عِِياليا
وغِبتَ لأعوامٍ تلوذُ بغُربةٍ =بعيداً عن الأوطانِ تُحييْ الأماسيا
وكنتَ " بأبها " تنتشي برسالةٍ =تُحدِّثُ عن حالي وحالِ رفاقيا
لياليَ لم يَغْمضْ بها جَفنُ عالِمٍ =خبيرٍ بما يجري وما انفكَّ جاريا
حملْنا على الأكتافِ نعْشَ طُموحِنا =وسِرنا إلى مَثْوى الطموحِ بواكيا
نصوغُ شِعاراتٍ ونُحييْ مواسماً =تموتُ قُبيلَ الفجرِ تمحو الأمانيا
وعُدْتَ إلى العاصي جريحاً ولم تجِدْ =لجُرحِك في رَهْطِ الأطبَّاءِ آسيا
وعِشتَ على الآمالِ تُنشي مَزارِعاً =تُقلِّمُ أغصاناً وتقطِفُ دانيا
وتملا سِلالاً من ثمارٍ شهيَّةٍ =تُحمِّلُ صحباً قادمينَ غَواديا
ولم تخشَ نابَ الفَقرِ يوماً ولم تكُنْ =غنيَّاً ولكن كنتَ كالنبعِ صافيا
وذلك طبعٌ فيكَ مذْ كنتَ مُضْغةً =فجئتَ كريمَ الأصلِ حُرَّاً عِصاميا
* * * = * * *
أبا الخيرِ .. يا نِبراسَ جودٍ وعِزَّةٍ =تلفَّتْ تجِدْ كلَّ الجراحِ دواميا
تجِدْ صخرةَ المِعراجِ تبكي وتشتكي =وبغدادُ تستسقي ولم تلقَ ساقيا
وفي غَمرةِ الأحداثِ لم تَلقَ واحداً =يسيرُ على نهجِ الرسالةِ هاديا
ويُورونَ أحقاداً ويُذكونَ نارَها =ويُحيُونَ أمواتاً يَخيطونَ باليا
يُفَصِّلُ تُجَّارُ الحروبِ ثيابَنا =وتُستعْرَضُ الأزياءُ بَخْساً وغاليا
ونلبَسُ ما يُرضي الهوانَ ونشتري =لأفرادِ أهلِ البيتِ أحمرَ قانيا
وينضو لباسَ الحربِ في الساحِ أحمقٌ =ويختالُ باسمِ السلمِ عريانَ حافيا
* * * = * * *
أبا الخيرِ .. يا رَمزاً لكلِّ فضيلةٍ =وعوناً لمنْ وافى حِياضَكَ راجيا
أُكرِّمُ فيكَ اليومَ نفسي وكلَّ منْ =تنكَّبَ سيفَ الشعرِ وانقضَّ غازيا
يرُدُّ عنِ الأوطانِ كَيْدَ عُداتِها =ويرفعُ خلَّاقاً ويُسقِطُ باغيا
وأَعجَبُ ما في الأمرِ طبَّالُ فِرقةٍ =يُقرِّبُ زُمَّاراً ويبعِدُ شاديا
ويحتضِنُ الأنذالَ لؤماً وخِسَّةً =ويقتلُ إحساناً ويُحيي مساويا
فتخرُجُ من تحتِ النعالِ عقاربٌ =لتلْدغَ منْ بالأمسِ أردى الأفاعيا
تحيَّرتُ في هذا الزَّمانِ وأهلِه =ولمْ أكُ مغروراً ولستُ مُغاليا
سأبكي على نفسي قُبيلَ رجوعِها =إلى ربِّها أستغفِرُ اللهَ راضيا
فإنِّي قضيتُ العُمْرَ أبكي أحبَّةً =ولم ألقَ في جَمْعِ المُعزِّينَ باكيا
* * * = * * *
أخي .. يا صديقَ العُمرِ يا قصَّةَ الندى =على صَفَحاتِ الدهرِ أطلقْ لسانيا
حملْنا هُمومَ العُربِ في غَمرةِ الأسى =وسِرنا على جمْرِ النضالِ تفانيا
فصِرنا إذا ما سامَنا الخسْفَ ظالمٌ =وكشَّرَ عن نابٍ نقومُ اللياليا
نُصلِّي بإيمانٍ وندعو بحُرقةٍ =ونتلو منَ القرآنِ ما كانَ شافيا
ستبقى على التاريخِ بغدادُ كعبةً =ويبقى أذانُ القدسِ كالرعدِ داويا
ومهما أشاحُوا عنه واستمرؤوا الخَنا =ستبقى لدُنيا العُرْبِ حصناً شآميا
ستهوي شِعاراتٌ وتعلو شهادةٌ =وينطِقُ صخرُ القدسِ " صِلٌّ " ورائيا
وتنهَدُّ أحلامُ اليهودِ بدولةٍ =وتسقُطُ " أمريكا " ونهتِفُ عاليا
سلامٌ إلى بغدادَ شعباً مقاتِلاً =وسُحْقاً لمن جاءَ العراقَ مُعاديا
سلامٌ إلى الأحجارِ في كَفِّ طفلةٍ =سلامٌ إلى شِبْلٍ يقاتلُ عاريا
* * * = * * *
أخي يا نداءَ الجودِ والبذلِ إنَّنا =نُقدِّسُ عهْداً لم يزلْ بعدُ ساريا
تركْنا همومَ العيشِ خلفَ ظهورِنا =إلى أَجَلٍ ما انفكَّ يَشْغَلُ باليا
وجِئنا على حبٍّ نُباهي بشاعرٍ =كريمٍ فجاءَ الشعرُ طَوعاً مُواتيا
هنيئاً لكَ الأقلامُ تسكُبُ عطرَها =وتُزجي سَحابَ الشعرِ يَهمي لآليا
24/2/2004

* الشاعر عبد الوهاب الشيخ خليل
كان يعمل حذَّاءً .. ثم حصل على
إجازة في الحقوق وعنده عشرة
أولاد

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 08:17 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (51)




مَتَى تَرِقُّ لِيَ السَّمَاءُ






لا صَحوةٌ تُرجى ولا أحلامُ =وقصائدي برِمتْ بها الأقلامُ
ما عادَ يحفِزُني الضياءُ ولا الدجى =فعلى عقاربِ ساعتي استِفهامُ
ماذا وراءَ الصبرِ في صَلَفِ المُنى =والعُمْرُ ينفَدُ والردى حوَّامُ
ماذا ؟ وتسألُني الدموعُ ولا أرى =غيرَ الفناءِ تجرُّه الأسقامُ
ماذا ؟ وأنتَ أسيرُ وهمِكَ مُتعَباً =تبني وخلفَكَ حاقدٌ هدَّامُ
ماذا ؟ ويهزِمُني السؤالُ ويَنبري =ليُجيبَ من كَبِدِ الأسى استفهامُ
وأعودُ للأحلامِ رُغمَ قناعتي =أنَّ احتمالَ وصالِها أوهامُ
وأَكادُ أسمعُ صوتَها مُتحدِّياً =أَقصِرْ فأنتَ على الوصالِ حرامُ
ويجوعُ إيماني ويَظْمأُ مَأْمَلي =وتموتُ أعوامٌ ويُولدُ عامُ
ويَجِفُّ يَنبوعُ الصباحِ ويَغْتَني =نهرُ الغُروبِ وترْكُضُ الأيامُ
وأنا بصحرائي أَلوبُ يشُدُّني =لَمْعُ السرابِ ولهفةٌ وضِرامُ
أَجري يُطاردُني الشقاءُ مُعربِداً =واليأسُ والإرهاقُ والآلامُ
وخيالُ منْ أهوى ورجْعُ صدى النوى =والغدرُ والحُسادُ واللوَّامُ
فمتى تَرِقُّ ليَ السماءُ وينجلي =عن جَفْنِ أحلامِ الشقيِّ ظَلامُ
20/8/2003

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 08:20 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (52)



رُعْبْ



حِبْرٌ ودَمٌ ونِفاياتْ

صُورٌ تزهو

إعلاناتْ

مطرٌ يَهمي

وحكاياتْ

قَطَعَ الخوفُ شراييني

ومحا الليلُ

عناويني

رقصَتْ حوليْ

الجُّنيَّاتْ

* * *

حِبْرٌ ودَمٌ ونِفاياتْ

غُرفٌ تُظلِمُ

زَنزاناتْ

قِممٌ تسقطُ

في الطرقاتْ

أكلَ الصمتُ

قَرابيني

قَلَبَ النطقُ

مَوازيني

سخِرتْ منِّي

الأُمنيَّاتْ

* * *

حِبْرٌ ودَمٌ ونِفاياتْ

صَخَبٌ يكمُنُ

في الشرُفاتْ

خُطَبٌ تُلقى

في العَتَباتْ

هجرَ العدلُ

قوانيني

لزِمَ السُّخفُ

مَضاميني

كذَبتْ كلُّ

البرقيَّاتْ

* * *

حِبْرٌ ودَمٌ ونِفاياتْ

خَدَرٌ تحقُنُه

الشاشاتْ

مُقَلٌ تسكُنُها

العَبَراتْ

سكنَ الخوفُ

ملاييني

خشِيَ الحقُّ

سكاكيني

وَصَلَ الرعبُ

إلى الأمواتْ

9/7/2004

عبدالسلام زريق
03-24-2011, 08:25 PM
المصدر
ديوان سهر الشوق
رقم القصيدة (53)





التَّوْأَمَان




في تكريم الشاعر عدنان قيطاز





غِناؤكِ للزمانِ وللمكانِ* =ومُعجزةُ القريضِ على لساني
ونهرٌ طائعٌ عاصٍ تغنَّى =به الشعراءُ يجري في المَغاني
وأنفاسُ البَنفسجِ والخُزامى =وأنغامُ المَثالثِ والمَثاني
وترجيعُ الطيورِ على غُصونٍ =وأصحابُ البلاغةِ والبيانِ
تنادَوا للقاءِ بمِهرجانٍ =وتكريمِ المُغرِّدِ في الجنانِ
تُغرِّدُ بالبيانِ فكانَ أهلاً =لإجلالٍ وإعلاءٍ لشانِ
فيا ناعورةَ العاصي رُويْداً =ورِفْقاً بالمُتيَّمِ والمُعاني
رَضَعنا الشعرَ منكِ ومن كريمٍ =تباركَ في حِمانا المُرضِعانِ
وألهَمَنا البيانَ هواكِ شِعراً =فأبدعَ في هواكِ المُلهِمانِ
فصوتُكِ حين تختنِقُ السواقي =وصوتُ الشعرِ قَهْراً يَغفُوانِ
ونصحو في الربيعِ على نَماءٍ =يراوِدُنا فنصْدحُ بالأغاني
كلانا ساحِرُ النغماتِ وجْداً =تَحِنُّ إليه أعصابُ الكمانِ
ولستُ مُغالياً إنْ قلتُ جهْراً =بأنَّا يا حبيبةُ توأمانِ
قَبسْنا الحرفَ من ألقِ الدراري =كأنَّا في المجرةِ فرقدانِ
ويُنكِرنا الذي احترَفَ المَعالي =ويَزعُمُ أنَّه فرسُ الرهانِ
* * * = * * *
أخي عدنانُ : يا سيْفَ التحدي =وحِصنَ الضادِ والدرعَ اليماني
لهيبُكَ أخضرُ الصفحاتِ سهلٌ* =وممتنِعٌ على مرِّ الزمانِ
وذا ملكوتُ حبِّكَ خيرُ عِقدٍ* =فريدٍ بالفريدِ من المعاني
وأسفارُ ابنِ أيوبٍ عذارى* =تَبخْتَرُ في قلائدِ من جُمانِ
ووجهكِ مستَبِدٌ لا يُجارى =ولو سَرَحَ الخيالُ بلا عِنانِ
فخمرُكَ من كُرومِ الشعرِ أصفى =من العنَبِ المُعتَّقِ في الدِّنانِ
* * * = * * *
أخي عدنانُ : دُنيانا صِراعٌ =وقد عانيتَ قَبْلاً ما أُعاني
أتسمعُ أو ترى القَنَواتِ تُخفي =أموراً بادياتٍ للعَيانِ
هنالكَ من يرى صُوراً ويُصغي =لمغرورٍ يَروغُ كثُعلبانِ
أرى قَدَري كوجهي مكْفَهِرَّاً =أُدغدغُه ويُمْعنُ باحتقانِ
فأَرجِعُ غاضباً أَسِفاً حزيناً =أُعاتبُ من بلا ذنبٍ جَفاني
* * * = * * *
صديقَ العُمْرِ : يا فجراً مُطلّاً =بدنيا الشعرِ نحن النيِّرانِ
أَتذكُرُ في الطفولةِ كم رَتعنا =بأحضانِ " المُغيلةِ "* في أمانِ ؟
نُسابقُ ظِلَّنا نعدو خِفافاً =ونرجِعُ مُتعبيْنِ إلى المكانِ
لَهونا قَدْرَ ما نسطيعُ حتَّى =كبِرنا والعيونُ لنا روانِ
ولمَّا أنْ وَعَيْنا مُبتغانا =هجرنا اللهوَ سعياً للأماني
وسِرنا نحمِلُ الراياتِ حُمراً =على الأشلاءِ في ساحِ الطِّعانِ
إلى أن أقلعتْ عنَّا فَرنسا =فيا نيسانُ أقبِلْ بالتهاني*
* * * = * * *
وفاجأَنا الشبابُ وكان حتماً =علينا أن نَحِنَّ إلى الحِسانِ
نُصَرِّفُ كلَّ فعلٍ فيه شوقٌ =ونحن على المقاعدِ طالبانِ
وإنْ جمحَ القريضُ بنا أويْنا =إلى رُكنٍ به ناعورتانِ
تعانِقُنا الظلالُ بكلِّ غُصنٍ =وريفٍ من غُصونِ البيلسانِ
فكم لاحَ السرابُ وكان وهماً =تصوُّرُنا بأنَّا عاشقانِ
وكم من غادةٍ عبثتْ بقلبي = وقلبِكَ في التباعدِ والتداني
وكم صَدقتْ نَبوءتُنا بحبٍّ =غنيٍّ بالمودةِ والحنانِ
فتُسمِعُني قصيدةَ حبِّ ليلى =وأُسمِعُك المُتيَّمَ في "رزانِ "
تدغدغُنا تحيَّاتُ العَذارى =بأجفانٍ تبوحُ كتُرجُمانِ
إلى أنْ دارتِ الدنيا ودُرنا =وفوجئنا بأنَّا والدانِ
وداهَمَنا المشيبُ ومرَّ عهدٌ =قضى ألَّا أراكَ ولا تراني
قبعْنا في زوايا البيتِ كُرْهاً =وليس لنا بما يجري يدانِ
* * * = * * *
صديقَ العُمْرِ : حسبُك أنَّ بيني =وبينَكَ ما ينوءُ به بياني
على أنِّي أرى التكريمَ باباً =تَزاحمَ فيه هدَّامٌ وبان
فناعقةٌ تُولوِلُ في خرابٍ =تُشيرُ لها الأصابعُ بافتتانِ
وتُغرِقُها الألوفُ بلا حسابٍ =فتنعِقُ بالسخيفِ من الأغاني
وشاعرُ أُمَّةٍ يقضي فقيراً =وتطويهِ الدقائقُ والثواني
ونوْدعُه الترابَ وتَعتليهِ =حوافرُ أتقنتْ وأدَ الأماني
فليس له على الأسماعِ ذِكرٌ =وليس له صدىً في مِهرجانِ
يميناً يا أخي عدنانُ إنِّي =أقولُ وفي فؤاديَ حسْرتانِ
فواحدةٌ تَملْمَلُ في ضميري =وواحدةٌ تَغلْغَلُ في كِياني
هنالكَ في العراقِ ينِزُّ جُرحٌ =نُضمَّدُه بإصدارِ البيانِ
وفي الأقصى نُواحٌ مستمرٌّ =جرى الناقوسُ فيه مع الأذانِ
يمزِّقُ أضلعي نوْحُ الثكالى =وصمتُ النائمينَ على الهوانِ
فكم أَرهفْتَ يا وجعي صقيلاً =أُقاتل فيه مرتعِشَ البَنانِ
أخافُ إذا تزلَّفَ أو تمادى =بتدليسٍ يعاقبُني جَناني
وإنْ أقحمتُه بسدادِ رأيٍ =يطاردُني فحيحُ الأُفعوانِ
* * * = * * *
نديَّ الحرْفِ في كَبِدي حريقٌ =يُذوِّبُها ويخنُقُني دُخاني
كلانا جرحُه في الصدرِ باقٍ =يُحِسُّ لهيبَه في كلِّ آنِ
نَذْرنا الروحَ للأجيالِ شرْحاً =وإيضاحاً ونحن معلِّمانِ
ومرَّ الجيلُ إثْرَ الجيلِ يسعى =على أشلائِنا كالعُقْرُبانِ
ورُحنا نشربُ الكدرَ المُدمَّى =وسرُّ الصمتِ أنَّا شاعرانِ
نُكلِّمُ باليَراعِ الصمَّ منهم =ونحن لكلِّ همسٍ مُصغيانِ
ونظمأُ تارةً ونجوعُ أخرى =وأحياناً نثورُ بعُنفوانِ
فنمتشِقُ اليَراعَ ولا نبالي =وتصطبِغُ الحروفُ بأُرجوانِ
* * * = * * *
أَبيَّ الحرفِ لستُ أُذيعُ سرَّاً =إذا ما قلتُ دهري قد عصاني
تنكَّرَ لي وخلَّفَني طريداً =أُعاني في التشرُّدِ ما أُعاني
لقد أَطلقتُ صوتي حين ضاقتْ =بيَ الدنيا وغادرَني اتِّزاني
وقد أسمعتُ لو ناديتُ حيَّاً =ولكن لا حياةَ لمن قلاني
فآلامي وأحزاني كِبارٌ =على قدميَّ وهْناً يحمِلاني
إذا عزفتْ قوافي الشعرِ همِّي =يُعربدُ كلُّ موتورٍ وجانِ
فلا صحوي على الآمالِ فجراً =ولا أَرقي بليلي يَشفياني
يغالبُ مرضعاتِ السهدِ جَفني =فتغلِبُه ويشمخُ ناهدانِ
ويولدُ موجَعٌ ويموتُ شافٍ =وفي الحالينِ أكتمُ ما عراني
فلا تعتِبْ عليَّ لقد دعاني =إلى إفشاءِ سرِّي داعيانِ
نقاءُ سريرتي وجموحُ فكري =هما في قصرِ عدلِكَ شاهدانِ
* * * = * * *
فيا نَسراً يحلِّقُ باقتدارٍ =جناحاكَ الترفعُ والتفاني
أُحبُّكَ بل أُجلُّكَ يا صديقي =فلا تسمعْ لهاجٍ إنْ هجاني
فكم من حاسدٍ بالمَيْنِ يسعى =ونحن له بصِدقٍ ناصحانِ
نكذِّبُ كلَّ أفاكٍ أَثيمٍ =ونتركُه على خجلٍ يعاني
* * * = * * *
أخي يا صاحبَ العَطِراتِ إنِّي =سأُسرجُ للعُلى أبداً حِصاني
أَخوضُ به غِمارَ الشعرِ عُجْباً =وأتركُه يُغيرُ بلا عِنانِ
وأَرجِعُ غانماً دُرَرَ القوافي =لأنثُرَها بأقدسِ مِهرجانِ
لقد أسكرْتَنا شِعراً ونثراً =وفي الكأسينِ طابَ المُسكِرانِ
لكَ القلمُ المُجنَّحُ هامَ حبَّاً =به الثقَلانِ من من قاصٍ ودانِ
غزوتَ به فضاءاتِ المعاني =فطافَ بها وعادَ بصَولجانِ
أدِرْ صَهباءَه صِرفاً حَلالاً =على السُّمارِ وانعمْ بالتهاني
24/11/2004


* يخاطب الشعر الناعورة
* الديوان الأول للشاعر عدنان قيطاز(اللهب الأخضر)
* الديوان الثاني له (في ملكوت الحب)
* الديوان الثالث له (أسفار ابن أيوب الحموي)
* المُغيلة ... من أحياء حماة القديمة
* نيسان ... ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي

د. فخرالدين العربي
05-31-2011, 01:32 PM
الأستاذ الأديب عبدالسلام بركات زريق


لا أستطيع ببضع كلمات أن أفيك حقك على هذا العمل الأدبي الرصين الرائد

وكم علينا البحث طويلاً حتى نصل إلى ما أوصلتنا إليه

جهد كبير وعلم غزير ودأب ومثابرة

أنرت لنا قبسات من حياة أديب عربي كبير تجاهله الإعلام العربي الأدبي وغيره كعادته ..! ؟

هو الشاعر محمد حسن المنجد الحموي

دمت معطاء كريماً

د . سحر أحمد حمدون
03-03-2012, 08:34 PM
توثيق رائع لحياة شاعر كبير هو الشاعر محمد حسن المنجد وذلك بيد ناقد وشاعر قدير هو عبدالسلام بركات flower

يوسف احسنة
03-07-2012, 01:34 AM
تحية من القلب للشاعر الجميل عبد السلام
واشكره جزيل الشكر على جهده المميز والمشكور ليعرف الجميع بشاعر مبدع عملاق هو الشاعر محمد حسن المنجد الحموي

د.حواء البدي
04-08-2012, 11:28 AM
http://files2.fatakat.com/2011/4/13019437321214.gif

عبدالسلام زريق
05-08-2012, 12:58 AM
الأستاذ الأديب عبدالسلام بركات زريق



لا أستطيع ببضع كلمات أن أفيك حقك على هذا العمل الأدبي الرصين الرائد

وكم علينا البحث طويلاً حتى نصل إلى ما أوصلتنا إليه

جهد كبير وعلم غزير ودأب ومثابرة

أنرت لنا قبسات من حياة أديب عربي كبير تجاهله الإعلام العربي الأدبي وغيره كعادته ..! ؟

هو الشاعر محمد حسن المنجد الحموي


دمت معطاء كريماً


السلام عليك
صديقي الشاعر الحبيب د.فخر الدين العربي
كلماتك الطيبة والأخوة هنا أنستني ما بذلت من جهد
فأنا عازفٌ ماهرٌ على لوحة المفاتيح أكتب بإصبعٍ
واحدة ههههه
محبتي وتقديري

عبدالسلام زريق
05-17-2012, 01:38 AM
توثيق رائع لحياة شاعر كبير هو الشاعر محمد حسن المنجد وذلك بيد ناقد وشاعر قدير هو عبدالسلام بركات flower

السلام عليك
الأخت الشاعرة د. سحر أحمد حمدون
الشكر الكبير لمرورك الطيب
وثنائكِ العطر
محبتي

عبدالقادر دياب
05-17-2012, 11:12 PM
رحم الله الشاعر محمد حسن المنجد
فقد كان شاعراً بالعلم والموهبة والخلق
لله درّ مدينة حماة كم أنجبت من الشعراء الكبار ..
وكم أشعر بأنّ هولاء الشعراء الكبار لم يأخذوا حقَّهم من وسائل الإعلام المختلفة
ومن هنا تأتي أهميّة التوثيق للشعر في هذه المدينة وللشعراء الذين أنجبتهم على مرّ الدهور والعصور
ومن هنا يتوجَّب عليَّ شكر الأخ الشاعر عبدالسلام زريق لأنّه ساهم بهذا الباب بالقدر المستطاع .

مودّتي وتقديري wriye

جواد دياب
10-26-2012, 07:13 AM
رحم الله تعالى الشَّاعر الكبير محمد منجّد ..
بارك الله بك أستاذ عبدالسّلام على هذا العمل المتقن والذي يدلّ على وفائك الكبير ومشاعرك النبيلة الصادقة

كلّ عام وأنتَ بخير وأمن وسلام ..

غزير مودّتي وتقديري
حيَّاك الله تعالى .

icon4

عبدالسلام زريق
11-14-2012, 05:03 AM
تحية من القلب للشاعر الجميل عبد السلام
واشكره جزيل الشكر على جهده المميز والمشكور ليعرف الجميع بشاعر مبدع عملاق هو الشاعر محمد حسن المنجد الحموي



السلام عليك
صديقي الشاعر يوسف احسنة
وأشكرك على مرورك الكريم
وقد سعدنا بزيارته ذات يوم
محبتي

عبدالسلام زريق
01-26-2013, 01:38 AM
http://files2.fatakat.com/2011/4/13019437321214.gif


السلام عليك
الأخت الأديبة د.حواء البدي
وجزيتِ سيدتي على إطلالتك البهية
تقديري واحترامي

سارة عبد الهادي
05-11-2013, 06:40 PM
المصدر
ديوان نداء الرميم
رقم القصيدة (11)




الصـمت الرهيـب



في بُروجٍ مشيَّداتٍ من الوهْــــــــــــــمِ تعالتْ إلى عَنان السماءِ

في كهوفٍ من الظَّلامِ تناءى الْــــــقلبُ فيها عن سائرِ الأضواءِ

في سراديبَ مُوحشاتٍ تهاوتْ .... أنجمُ السَّعدِ فوقَ قبرِ رجائي

في بحارٍ أمواجُها الحُمرُ تَغلي ......... بدماءِ الوفاءِ والأوفياءِ

كان صوتي كالرَّعدِ بين ضُلوعي ... يطلُبُ الثأرَ لاغتيالِ إبائي

مزَّقوني بأحرفِ النَّصب والـــــــــــجَّر وأَغروا أنذالَهم بهِجائي

وتَمادوا بالغدرِ حتى تَخلّوا ........ عن بقايا الضميرِ دونَ حياءِ

وأشاعوا أنِّي قضيتُ فقالوا ..... ماتَ صَبراً على دُروبِ الجَّفاءِ

ساءهمْ أنَّني أشعُّ ضياءً ............... من ظلامِ القبورِ للأحياءِ

حمَّلوني وِزرَ الغناءِ فقالوا ........ مُطربُ القومِ مُمعنٌ بالهُراءِ

* * *

أيُّها الصوتُ إن صمتي رهيبٌ ..... لم يُحطِّمْ مداهُ من كِبريائي

رُبَّ صمتٍ أَمرّ منْ شَططِ القو........لِ وأقسى بمسمع الأعداءِ

ولهيبُ الجِّراحِ في الصدرِ أَورى . من مَسيلِ الدِّما على الغبراءِ

* * *

يا بروجَ الخيالِ والوهمِ حسبي ......... أنَّني فيكِ أَكتوي بندائي

يا كهوفَ الظَّلامِ في صَحوةِ المو......تِ أُغنِّي يا ليلُ أينَ ضيائي

يا سراديبَ وَحشتي وضياعي .. كيف أمحو باليأسِ سِفْرَ شَقائي

يا بحارَ الدِّماءِ إنَّ شِراعي .............. مزَّقتْهُ وساوسٌ بدمائي

أَقفرَ العُمرُ واستبدَّ بقلبي .......... هاتفُ الموتِ وانتظارُ فنائي

* * *

أيُّها العائمونَ في أَبْحرِ الزّيْــــفِ تعرَّوا من عارياتِ الرِّياءِ

واهجروا ظُلمةَ القبورِ وهيَّا .... نَغتنمْ صفوَ عمرِنا بالوفاءِ

وتعالوا نُطهِّرِ الروحَ بالحــــــــــــبِّ ونَغسلْ نفوسَنا بالإخاءِ

هنا توقفت طويلاً
جزا الله خيراً من أبدع هذه الدرر
بوركت أستاذ عبد السَّلام .

عبدالسلام زريق
05-12-2013, 03:59 AM
رحم الله الشاعر محمد حسن المنجد
فقد كان شاعراً بالعلم والموهبة والخلق
لله درّ مدينة حماة كم أنجبت من الشعراء الكبار ..
وكم أشعر بأنّ هولاء الشعراء الكبار لم يأخذوا حقَّهم من وسائل الإعلام المختلفة
ومن هنا تأتي أهميّة التوثيق للشعر في هذه المدينة وللشعراء الذين أنجبتهم على مرّ الدهور والعصور
ومن هنا يتوجَّب عليَّ شكر الأخ الشاعر عبدالسلام زريق لأنّه ساهم بهذا الباب بالقدر المستطاع .

مودّتي وتقديري wriye

السلام عليك
الأخ الشاعر عبد القادر دياب
نعم صديقي هو واقعٌ مرٌّ
نأمل أن يحلو مع صبح الحرية
شكراً لتفضلك بالقراءة
محبتي وتقديري

عبدالسلام زريق
05-25-2013, 03:19 AM
رحم الله تعالى الشَّاعر الكبير محمد منجّد ..
بارك الله بك أستاذ عبدالسّلام على هذا العمل المتقن والذي يدلّ على وفائك الكبير ومشاعرك النبيلة الصادقة

كلّ عام وأنتَ بخير وأمن وسلام ..

غزير مودّتي وتقديري
حيَّاك الله تعالى .

Icon4
السلام عليك
الأخ الأديب جواد دياب
وبوركت على قراءتك ومرورك
الطيب
محبتي وتقديري

عبده فايز الزبيدي
05-27-2013, 09:35 PM
أنت شاعر أديب
ذكي العبارة حاضر الإشارة
طيب الغرسة ناضج الثمرة
فكل ما تأتي به يمينُك أفانينَ الضاد.

سارة عبد الهادي
06-04-2013, 12:12 AM
ا
flower2
لله جزاك الله كل خير أستاذ عبد السَّلام
استمتعت كثيراً بقراءة قصائد الأستاذ محمد الحسن منجد
flower2